البابا شنودة أو "بابا العرب" عندما كان شاعراً

البابا شنودة أو "بابا العرب" عندما كان شاعراً

"بدأت أقول الشعر وأنا في السنة الثانية الثانوية، التي تعادل ثالثة إعدادي حالياً، وكان ذلك عام 1938، ولكنني ما كنت أسميه أبداً شعراً، إذ أنني لم أكن قد درست قواعد الشعر بعد، وكنت أعتبره نوعاً من الشعر المنثور. إلا أنني في السنة الثالثة الثانوية بدأ اشتياقي لأن أدرس قواعد الشعر، وفعلاً وجدت كتاباً اسمه "أهدى سبيل إلى علمي الخليل" في دار الكتب، وكنت أذهب إلى دار الكتب يومياً من الصباح، وأقضي الصباح كله مع هذا الكتاب إلى الظهيرة، فأعود إلى البيت، وأرجع مرة أخرى بعد الظهر إلى دار الكتب كي أكمل دراستي في هذا الكتاب. ومع أن البعض كانوا يقولون: إن قواعد الشعر صعبة، إلا أنني درستها تماماً، وبسهولة من فرط اشتياقي".

تحكي هذه الكلمات قصة شاب مصري صغير اسمه نظير جيد روفائيل مع الشعر عام 1938 وذلك على لسان الشاب نفسه في وقت متأخر من حياته، بعد أن بات يحمل إسماً آخر يعرفه العالم كله، هو البابا شنودة الثالث، أو كما أطلق عليه مفتي لبنان "بابا العرب".

Pope_Shenouda_III_of_Alexandria_by_Chuck_Kennedy_(Official_White_House_Photostream)

ويتابع البابا شنودة حديثه عن تجربته الشعرية قائلاً إنه كان يؤلف الشعر الرصين، وكذلك الفكاهي، بالإضافة إلى الزجل.

هذه تجربة البابا الراحل مع الشعر، نجدها في كتاب الدكتور محمد سالمان "ديوان البابا شنودة" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2012، وهو الكتاب الذي ألقى الضوء على هذا الجانب في حياة شخصية البابا الثرية.

عرفه العالم طوال عقود عديدة بوصفه بابا الإسكندرية، وبطريرك الكرازة المرقسية، وواحداً من أبرز الوجوه المصرية، وأحد أبرز رجالات المسيحية في العالم.

ولد عام 1923 باسم نظير جيد روفائيل في قرية سلام بمحافظة أسيوط وتخرج من كلية الآداب عام 1947. وكان قبل الرهبنة ضابطاً في الجيش ومدرساً وصحفياً.

دخل سلك الرهبنة عام 1954 باسم الراهب أنطونيوس السرياني، وظلّ يتدرّج في السلك الكنسي إلى أن تم تنصيبه بعد وفاة البابا كيرلس السادس عام 1971.

كانت له معاركه السياسية مع السادات الذي سجنه عام 1981، وأفرج عنه مبارك وأعاده لكرسي البابوية حتى وفاته في مارس 2012.

حظيت شخصية البابا الدينية والسياسية بالكثير من الاهتمام، كما سُلط الضوء على الأدوار التي لعبها في مراحل مبكرة من حياته كضابط في الجيش ومدرس وصحفي، ولكن ماذا عن البابا شاعراً؟

يقول الدكتور محمد سالمان في كتابه إنه من الغريب ألا يحظى شاعر كالبابا شنودة بدراسات اهتمت بشاعريته. ويضيف: "قال شعراً بالفطرة النقية، والسلامة اللغوية، والموسيقى الشعرية التي لازمت أذنيه منذ سنوات الصبا".

ويستطرد الدكتور سالمان: "نجد في شعره نفثة جبران خليل جبران، وتأمل إيليا أبو ماضي، وصور عبد المسيح حداد، وبساطة نسيب عويضة، وعمق العقاد، وبراعة المازني، وموسيقى إبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل".

أقوال جاهزة

شارك غردعرفه العالم بوصفه بابا الإسكندرية وأحد أبرز رجالات المسيحية عربياً، ولكن ماذا عن البابا شنودة شاعراً؟

يسود شعر البابا شنودة أربع نزعات رئيسية هي النزعة الرومانسية والنزعة الفلسفية والنزعة الروحية والنزعة الساخرة.

النزعة الرومانسية

كتب البابا شنودة وهو في سن السادسة عشرة في ذكرى رحيل أمه يقول:

"أحقاً كان لي أم فماتت أم أني قد خلقت بغير أم

رماني الله في الدنيا غريباً أحلق في فضاء مدلهم

وأسأل يا زماني أين حظي؟ بأخت أو بخال أو بعم

وهل أقضي زماني ثم أمضي وهذا القلب في عدم ويتم

وأسأل عن صديق لا أجده كأني لست في أهلي وقومي"

ومنذ شبابه المبكر وهو يرصد الحياة من حوله فأظهر تعاطفاً مع الفقراء في قوله:

"حوله الأنهار تجري وبها عذب المياه

وهو صاد يشتهي قطرة تشفي صداه

بح منه الصوت من قوله دوماً آه آه"

وفي إحدى حفلات المدرسة عام 1939 أنشد في حب مصر:

"تريد الكنانة عزماً قوياً شباباً يضحّي وشعباً جديدا

شباباً يعيد بناء الحدود يعيش شريفاً يموت شهيدا

من الآن هيا لنبني اتحاداً وننسى العداء وننسى الحقودا"

ويقول أيضاً في حب مصر:

"جعلتك يا مصر في مهجتي

وأهواك يا مصر عمق الهوى

إذا غبت عنك ولو فترة

أذوب حنيناً أقاسي النوى

إذا عطشت إلى الحب يوماً

بحبك يا مصر قلبي ارتوى

نوى الكل رفعك فوق الرؤوس

وحقاً لكل امرئ ما نوى"

النزعة الفلسفية

لا شك أن نشأة البابا شنودة داخل الكنائس وتفضيله حياة العزلة والاغتراب عن الناس كان لها تأثيرها في هذا التوجّه، ويقول الدكتور محمد سالمان إن البابا شنودة كان شاعراً بدرجة مفكر، فنراه يلتقط فكرة عابرة فيتأملها بعمق ليصيغها شعراً كما في قوله:

"يا تراب الأرض يا جدي وجد الناس طرا

أنت أصلي أنت يا أقدم من آدم عمرا

ومصيري أنت في القبر إذا وسدت قبرا"

ومن تأملات البابا الراحل قوله:

"ما حياتي غير أمس عابر كلها أمس إذا طال الأمد

إن يومي هو أمس في غد وغدي يصبح أمساً بعد غد"

كما يقول فى قصيدة "تائه في غربة":

"يا صديقي لست أدري ما أنا أو تدري أنت ما أنت هنا؟

أنت مثلي تائه في غربة وجميع الناس أيضاً مثلنا

نحن ضيفان نقضي فترة ثم نمضي حين يأتي يومنا

لست أدري كيف نمضي أو متى كل ما أدريه أنا سوف نمضي"

النزعة الروحية

يقول البابا: "فكرة الرهبنة موجودة عندي منذ كنت طالباً في الجامعة، فقد شعرت أن هناك شيئاً أسمى من هذه الدنيا بكثير واشتقت أن أكون راهباً. عاشت الفكرة في حياتي وأشعاري وأذكر أنني كتبت قصيدة وأنا في السنة الثالثة في الكلية عنوانها "غريباً".

"غريباً عشت في الدنيا نزيلاً مثل آبائي

غريباً في أساليبي وأفكاري وأهوائي

غريباً لم أجد سمعاً أفرغ فيه آرائي"

وبالطبع سادت النزعة الروحية أشعار البابا شنودة فهو في النهاية راهب ناسك، وله قصائد أشبه بالأدعية والتراتيل ومنها "أحبك يا رب":

"أحبك يارب في خلوتى تناجي فؤادى بعمق الكلم

أحبك يارب في ضيقتى ووقت احتياجي ووقت الألم

أحبك يارب في توبتي ووقت البكاء ووقت الندم"

وفي قصيدة "ذلك الثوب" التي استوحاها من قصة النبي يوسف يقول البابا الراحل:

"هو ذا الثوب خذيه إن قلبي ليس فيه

أنا لا أملك هذا الثوب بل لا أدعيه

هو من مالك أنت لك أن تسترجعيه

فانزعي الثوب إذا شئت واذا شئت اتركيه

إنما قلبي لقد أقسمت ألا تدخليه"

وفي قصيدة " همسة حب" يقول:

"قلبي الخفاق أضحى مضجعك في حنايا الصدر أخفى موضعك

قد تركت الكون في ضوضائه واعتزلت الكل كي أحيا معك

ليس لي فكر ولا رأي ولا شهوة أخرى سوى أن أتبعك"

النزعة الساخرة

اشتهر البابا الراحل بخفة الدم وحبّه للنكتة وروحه الشعرية الساخرة. نسب كتاب "ديوان البابا شنودة" للبابا الراحل قوله: "في صغري وعلى الرغم من الخجل وفي حفلات الكلية كنت ألقي بعض الأزجال أو الأشعار الفكاهية. مثلاً كانت الجغرافيا صعبة ويرسب فيها الطلبة دائماً، فكتبت مرة زجلاً عن الجغرافيا قلت فيه:

"حاجة غريبة بأدخلها بالعافية في مخى ما تدخلشي

بنشوف في الأطلس أمريكا وألمانيا وبلاد الدوتشي

ورياح مبللوله تجيب مية ورياح جافة متمطرشي

ورياح بتساحل في الساحل تتبع تعريجة وتمشي

ورياح بتغير وجهتها ورياح تمشي متحودشي

أنا عقلى اتلخبط فين ديا وديا وبين ديا وديا ما أفرقشي

حاجة غريبة بأدخلها بالعافية في مخي ما تدخلشي"

إذا لم يكن الكثيرون يعرفون أشعار البابا شنودة، فإن عبارته "مصر ليست وطناً نعيش فيه، بل وطناً يعيش فينا" مطبوعة في قلوب المصريين جميعاً.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي