نجيب محفوظ، محمود درويش، أحمد فؤاد نجم... وكرة القدم

نجيب محفوظ، محمود درويش، أحمد فؤاد نجم... وكرة القدم

مثلما كان هناك أدباء ناهضوا كرة القدم، واعتبروها أفيوناً للشعوب، حتى وصل الأمر إلى أن يقول توفيق الحكيم "انتهى عصر القلم. وبدأ عصر القدم"، وهو قول استشهد به البعض باعتباره دليلاً على كراهية المثقفين لكرة القدم، مارس شعراء وأدباء اللعبة الأكثر شعبية في العالم، وشجّعوا فريقهم المفضّل بحماسة، ومنهم مَن ندم على عدم ذهابه للمدرجات والهتاف للاعبين، ومنهم من كتب عنها.

كرة القدم بحسب الشاعر الفلسطيني محمود درويش هي "فسحة تنفس تتيح للوطن المتفتت أن يلتئم حول مشترك ما"، كما أنها تخاطب شيئاً عميقاً في الإنسان، بحسب الروائي المغربي عبد الكريم الجويطي، وتُنتج المتعة برأي أحمد فؤاد نجم، وهي سيمفونية الفقراء، كما رأى خيري شلبي.

نجيب محفوظ: الهداف

بدأت علاقة الأديب العالمي نجيب محفوظ مع كرة القدم حينما كان يلعب في فريق الصغار بالمدرسة، وأجاد اللعب بقدمه اليسرى، وأصبح هداف فريقه، لكن مركزه تغيّر مع انتقاله إلى المدرسة الثانوية، حيث لعب في قلب الدفاع، وأجاد هذا الدور كثيراً.

يقول محفوظ عن نفسه: "كثيرون ممن شاهدوني في ذلك الوقت تنبأوا لي بالنبوغ في كرة القدم، وبأنني سألعب لأحد الأندية الكبيرة، ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطني".

استمرّ محفوظ لمدة 10 سنوات يمارس كرة القدم، قبل أن يتجه إلى الأدب. ويقول: "لم يأخذني من الكرة سوى الأدب، ولو كنت داومت على ممارستها فربما أصبحت من نجومها البارزين".

بعد ابتعاده عن ممارسة اللعبة، شجّع محفوظ فريق الزمالك، وكتب رواية عن كرة القدم في الأربعينات، لكنه مزّقها، كما روى جمال الغيطاني في كتابه "المجالس المحفوظية".

أحمد فؤاد نجم: مشجّع الدرجة الثالثة

ظل الشاعر أحمد فؤاد نجم يشجّع فريق الأهلي حتى رحيله عن الحياة عام 2013، واعتبر نفسه واحداً من جمهور الدرجة الثالثة، إذ كان يرى أن هذا الجمهور يتكوّن من العمال والموظفين الذين يزحفون إلى المدرجات من كل صوّب حاملين الأعلام، وهم في رأيه متعة الكرة الحقيقية، وليس "الرجال الشيك" في المقصورة الرئيسية.

وارتبط نجم بصداقات مع عدد من اللاعبين منهم حمدي نوح، لاعب الزمالك السابق، قبل أن ينقطع عن التشجيع بعد هزيمة 1976.

وقال في مقابلة تليفزيونية: "بعد الهزيمة انقطعت المتعة عن كرة القدم، وغاب نجوم الملاعب".

أُعجب نجم بمحمود الجوهري، المدير الفني السابق لمنتخب مصر، والذي وصل مع المنتخب إلى كأس العالم بإيطاليا عام 1990.

كان يتابع مباريات الدوري المصري بشغف. ونقل الصحافي أشرف عبد الشافي في كتابه "المثقفون وكرة القدم" عنه قوله: "الكورة لسه واكلة دماغي، وباتفرج على ماتشات الدوري والمنتخب، وأي حد بيتفرج على الكورة المصرية دلوقتى لازم حيشم عطر أبو تريكة وبركات والحضري وشيكابالا وحسني عبد ربه. ورأيى إن دول جيل ذهبي على المستوى المحلي والقاري».

حفظ "الفاجومي" هتافات جماهير الدرجة الثالثة، وابتكر هتاف: "يا أهلي يا حبي. يا حتة من قلبي"، وألف كتاباً بهذا العنوان تناول فيه أحوال الكرة المصرية.

أبو تريكة يُعيد فهمي هويدي للتشجيع

لم يكن يعلم متابعي الكاتب الصحافي فهمي هويدي، أحد أشهر الكتّاب في الوطن العربي، أنه من محبي كرة القدم، وأن اللاعب محمد أبو تريكة أعاده للتشجيع بعد انقطاعه بسبب هزيمة 1976.

ينقل كتاب "المثقفون وكرة القدم" عن هويدي قوله: "لا أعرف لماذا أصابتني النكسة بالزهد في الرياضة كلها. انقطعت عن مشاهدة مباريات كرة القدم، وبعد مضي عقد أو اثنين عدت إلى مشاهدتها بصورة متقطعة في أوقات الفراغ، إلى أن ظهر محمد أبو تريكة في الأفق".

وأضاف: "حببني أبو تريكة في كرة القدم. في المرات التي أتيح لي أن أتابعه فيها كنت أجده لاعباً ماهراً ينزل إلى الملعب، وكأنه مقدم على نزهة وليس معركة، ويتعامل مع الكرة باعتبارها صديقاً له وليس لاعباً بها، وأحياناً كنت أجده فناناً يغازل الكرة ويغزل بها، في حين يبدو غيره، وكأنهم شلة فتوات سلطهم مدربهم على الفريق الآخر. أعادني تريكة بأدائه ومواقفه إلى مقاعد مشاهدي كرة القدم".

أقوال جاهزة

شارك غرد"انتهى عصر القلم. وبدأ عصر القدم".. من الأدباء من اعتبر كرة القدم أفيوناً للشعوب، ومنهم من شجع على ممارستها

شارك غردهل تتخيلون نجيب محفوظ كنجم من نجوم كرة القدم؟ هذا ما كان ليكون عليه لو لم يأخذه الأدب

محمود درويش: الكرة أفضل من المتنبي

في إحدى قراءاته الشعرية، استهل الشاعر الفلسطيني محمود درويش كلمته بالتعجب من حضور البعض أمسية شعرية، في وقت تقام مباراة بين فرنسا وإسبانيا، وأضاف: "أنا من جهتي أُفضّل متابعة المباراة حتى لو كان من سيحيي الأمسية المتنبي".

عُرف درويش بحبه لكرة القدم التي وصفها بأنها "أشرف الحروب"، واعتبرها في كتاب "ذاكرة النسيان" ساحة التعبير التي يوفرها تواطؤ الحاكم والمحكوم في زنزانة الديمقراطية العربية المهددة بخنق سجانها وسجانيها معاً، وفسحة تنفس تتيح للوطن المتفتت أن يلتئم حول مشترك ما.

كتب درويش مقالاً عن لاعب الأرجنتين مارادونا، عقب نهائي مونديال 1986 الذي فازت به الأرجنتين بثلاثة أهداف لهدفين على ألمانيا، بعنوان "مارادونا... لن تجدوا دماً في عروقه بل صواريخ"، نعى فيه المعجبين باللاعب الذي ترك فراغاً في حياة كثيرين، وهو واحد منهم، بعد انتهاء المونديال.

ومما كتبه الشاعر الفلسطيني عن مارادونا: "ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟ مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمنّاه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟ ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى: بطل.. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه، وعلى أملنا فيه، من الانكسار؟ يا مارادونا، يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟".

الرصافي وجاهين يكتبان شعراً عن الكرة

الشاعر العراقي معروف الرصافي أول من كتب قصيدة عن كرة القدم، وتحدث في أبيات شعرية عن حركة اللاعبين، وبعض قوانين اللعبة.

قصدوا الرياضة لاعبين وبينهم كرة         تراض بلعبها الأجسامُ

وقفوا لها متشمرين فألقيت           فتداولتها منهم الاقدامُ

يتراكضون وراءها في ساحة          للسوق معترك بها وصدامٌ

رفساً بأرجلهم تساق وضربها          بالكف عند اللاعبين حرامٌ

الشاعر المصري صلاح جاهين، كتب هو الآخر رباعية عن كرة القدم، وجعل القلب مثلها تماماً، تتقاذفه الأرجل في تصوير بديع لقسوة الحياة على البشر في أحيان كثيرة.

أنا قلبي كورة والفراودة أكم

ياما اتنطح وانشاط وياما اتعكم

وأقول له كله ح ينتهي في المعاد

يقول بساعتك؟ ولا بساعة الحكم؟

عجبي!

شجّع جاهين الأهلي، وكثيراً ما تحدى صديقه الكاتب محمود السعدني على صفحات مجلة صباح الخير حول نتائج المباريات، وراهن دوماً على فوز الأهلي.

عبدالكريم الجويطي قيادي في فريق مغربي

الروائي المغربي عبدالكريم الجويطي محب لكرة القدم منذ صغره. يعتبرها التجسيد الأسمى لدراما الحياة. وخصص فصلاً في روايته "زغاريد الموت" للكرة.

الجويطي كان نائباً لرئيس فريق رجاء بني ملال المغربي، وجلس في المدرجات سواء في المغرب أو خارجها يشجّع اللاعبين، وينوي كتابة رواية حول الفريق لأنه، من وجهة نظره، ليس مجرد فريق، وإنما تراث للمدينة، وروح لها.

"أنا من جهتي أفضل متابعة المباراة حتى لو كان من سيحيي الأمسية المتنبي" قال أحد أبرز الشعراء العرب

يقول الجويطي: "كرة القدم تخاطب شيئاً عميقاً في الإنسان، هي الرياضة الوحيدة التي يمكن أن تحرك في الإنسان غرائزه البدائية. إذا تأملنا مشهد الملعب سنجد فريقين يجريان وراء الكرة ونجد المرمى وجمهوراً يُحمِّس، أليست كرة القدم في نهاية المطاف هي الطقس البدائي لعملية الصيد، تماماً كما يفعل بعض الصيادين الذين يدفعون الطريدة للدخول إلى الشباك؟ واللاعبون هم الصيادون والكرة هي تلك الطريدة. وبالتالي هناك شيء في كرة القدم يجعلها لا تخاطب عقل المتفرج، ولا قدرته على المشاهدة، وإنما تخاطب اللاوعي العميق للإنسان".

أنيس منصور يندم على عدم التشجيع

بينما كان هناك مثقفون يلعبون ويشجعون، كان الأديب أنيس منصور غير مُغرم بالكرة، تركها منذ الصغر دون أن يندم، واختار ممارسة "الشطرنج"، قبل أن يشعر بالندم في أواخر عمره لعدم جلوسه في الدرجة الثالثة لتشجيع الأهلي.

ونقل أشرف عبدالشافي في كتابه "المثقفون وكرة القدم"، عن أنيس منصور قوله: "إذا لعبت مع أطفال الأسرة يغلبونني‏، واشتريت كتباً ودرست وبرعت في فتح اللعب بالحصان والطابية‏،‏ ولا أكاد أصل إلى منتصف رقعة الشطرنج حتى يسهل حصاري، وكش الملك‏، لكن في مرحلة متأخرة اكتشفت أن المتعة الحقيقية هي كرة القدم. جماهيرها متألقة طول الوقت وتشعر بالبهجة والفرحة".

وأضاف منصور: "مسكين كل إنسان لا يحب كرة القدم، هذا اقتناعي أخيراً، إنني أندم اليوم على كل السنوات التي مضت من دون أن أضيعها في الجلوس بالملاعب أو في المدرجات أصرخ وأصفق وأهتف للكرة تنطلق يميناً وشمالاً، تهز الشبكة أو تهز الثلاث خشبات. كرة القدم أصبحت قوة اقتصادية، والبرازيل صنعت من أولاد الشوارع ثروة قومية، ومطلوب منا جميعاً البحث عن مواهبنا وتشجيع لعب الكرة".

كلمات مفتاحية
رياضة كرة القدم

التعليقات

المقال التالي