"طعم الذئب": عن الثأر والرجولة المبنية على ​العنف

"طعم الذئب": عن الثأر والرجولة المبنية على ​العنف

كانت الصحراء منذ القدم ملهمةً للشعراء، فهي المكان الذي يثير في العقل الكثير من التأملات الفلسفية العميقة، هناك حيث الرمال والنجوم والمدى، والعلاقة المباشرة مع الطبيعة، ومع الحيوان... كما كانت ملهمةً للروائيين أيضاً، فغاصوا في عوالمها، وكتبوا عنها، ولعل من أبرزهم "عبد الرحمن منيف"، و"إبراهيم الكوني".

في روايته الثانية "طعم الذئب" يخوض عبد الله البصيّص بدوره أيضاً في هذا العالم المليء بالغموض والسحر، العالم الذي ما زال على براءته الأولى بعيداً عن الحضارة وتبعاتها.

تفتتح الرواية أحداثها وحبكتها بمشهد "ذيبان" الذي تطرده زوجة خاله من المنزل بعد أن فقدت بسببه اثنين من أولادها، "رمت الزوادة على الأرض ومضت تهدده: "وإلا أقسم برأس عيالي... أو ما تبقى من عيالي إنني سأقتلك بيديّ هاتين إن لم تنقلع عنا". استدارت عائدة إلى شق النساء... خطوتين، ثم رجعت ووجهها المتشنج يكاد يتمزق من احتباس البكاء، وقالت بشيء من التوسل: "كفى بجاه النبي... بقي ثلاثة... لا أريد أن أفقدهم... اخرج... اخرج الليلة... لا أريد أن أرى وجهك بعد اليوم".

يغادر "ذيبان" منزل خاله وفي نيّته أن يقصد مدينة الكويت، وللوصول إليها عليه أن يقطع الصحراء الشاسعة.

هذه الرحلة التي تستمر ثلاثة أيام هي ما ستشكّل بنية الرواية التي يعتمد فيها "البصيّص" على إخفاء أجزاء من الحبكة بدايةً، ثم كشفها تدريجياً كأسلوبٍ للتشويق، فيوظف الذكريات والأحلام ضمن زمنٍ يتشظى بين الحاضر والماضي البعيد والقريب، لتتشكّل الحكاية رويداً رويداً.

يرسم الكاتب لبطله "ذيبان" سمات مختلفة عن المجتمع الذي يعيش فيه، فهو منذ طفولته مسالم يكره العنف، وهذا ما جعل الجميع يعيّرونه ويسخرون منه لأنهم يعتبرون القوة والقتال من سمات الرجولة، ومن لا يمتلكها لا يستحق أن يكون رجلاً.

أقوال جاهزة

شارك غردعن مجتمعاتنا التي تؤمن بالعنف والقوة كصفتين مرادفتين للرجولة، وترى في المسالمة جبناً لا يليق بالرجال

تشاء الأقدار أن ينتفض "ذيبان" في إحدى المرات لكرامته فيقتل شاباً آخر دون قصدٍ منه بعد أن أهانه الأخير على مرأى ومسمع الفتاة التي يحبها، ولأن قانون العشائر هو الأخذ بالثأر، فإنه يستجير بخاله ويختبئ في بيته، وتنشب النزاعات بين العائلتين ويكون ضحيتها أفراد من الطرفين.

هكذا تسلط الرواية الضوء على جملة من القضايا التي ما زلنا نعيشها اليوم رغم تبدل الأزمنة وتغيّر الأحوال، فما زال قسم كبير من مجتمعاتنا يؤمن بالعنف والقوة كصفتين مرادفتين للرجولة، ويرى في الميل إلى السلام جبناً وضعفاً لا يليقان بالرجال، وما زالت جرائم الأخذ بالثأر موجودةً رغم ما تسببه من مآسٍ وخسارات للطرفين.

"بعد أن تعذب بفترة صمت بدت له بطول يوم كامل، سمع صوت ابن باتل: "مشورتي عليكم أن تأخذوا الدية وتتركوا هذا المسكين وشأنه"، "المسكين لا يقتُل يا ابن باتل" قال صوت غاضب خمّن ذيبان أنه فيحان الغصاب: "أنت تعرف أننا لا نأخذ الدية في دم المقتول"، زاد الصوت من نبرة الغضب: "إما أن نقتله وإما أن نموت دونه".

يمكن تصنيف هذه الرواية برواية البطل الواحد، فالشخصية الأساسية فيها هي "ذيبان" وما حضور باقي الشخصيات إلا حضورٌ ثانوي هدفه الإضاءة على أفكار البطل ومعتقداته وأحلامه وهواجسه ومخاوفه.

وفي رحلته الصحراوية ستنكشف ذاته أمامنا أكثر، ففي العراء حيث لا أحد سوى مفردات الطبيعة من نبات وحيوان، سيكون على فطرته، يتذكر طفولته ويفاعته، يكاشف نفسه ويحاول فهمها. وفي خضم ذلك، يضعه الكاتب وجهاً لوجه أمام ذئب يتحيّن الفرص للانقضاض عليه، وهذا ما سيجعله يواجه لأول مرة في حياته الخوف وحيداً، دون مساندة من أحد، فيعيش مغامرة غرائبية، تضيع فيها الحدود بين الواقع والخيال.

نرى حواراً طويلاً بين الذئب و"ذيبان"، يناقشان فيه الكثير من المسائل الفلسفية والوجودية، في نهايته يجد البطل نفسه مضطراً للدفاع عن وجوده وبقائه.

"بينما هو يقلب الفروة وجد أنه أخذ شيئاً من لحم الجنب، شريحة حمراء عليها نقط سوداء صغيرة، لم يطل التفكير، شعر بأن كل شيء معدّ سلفاً، نزعها بأسنانه وراح يمضغها ويمضغها بقوة إذ وجدها عسرة، فتقلب طعم حلو ومرّ وحامض في حلقه، وما إن بلعها حتى شعر بها تتحرك في بطنه. هبّ صوت الذئب مع الريح: كفو يا ذيبان".

عنصر التشويق الذي يعتمده الكاتب في تقسيم حبكة الرواية وكشفها تدريجياً يستمر حتى النهاية، ففي الصفحات الأخيرة يفاجئنا بشيء لا يمكننا توقعه، مجدداً بضربةٍ واحدة أسئلة الرواية الأساسية حول القَدَر، الخوف، العنف، القوة، السلام، والأخذ بالثأر.

عبد الله البصيّص كاتب كويتي. له مجموعتان قصصيتان: "الديوانية"، و"السور"، كما أصدر روايتين: "ذكريات ضالة"، و"طعم الذئب".

الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت

عدد الصفحات: 224

الطبعة الأولى: 2016

يمكن شراء الرواية من موقع نيل وقرات.


فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي