جهنمية: إطلالة على الحب والحياة بعيون نساء سعوديات

جهنمية: إطلالة على الحب والحياة بعيون نساء سعوديات

على يدي عهد نيازي، شابة سعودية تدرس الكتابة الإبداعية والحقول الثقافية المتداخلة في الولايات المتحدة، ولدت مجلة "جهنمية" الإلكترونية، كمساحة تشاركية بأقلام نسائية سعودية، تستضيف مشاركات من فنانات وكاتبات من دول الجوار. تصدر المجلة فصلياً، في اللغتين العربية والإنكليزية، وهي بصدد تقديم عددها الرابع.

أنشأت المجلة، بحسب الصفحة الرسمية، لـ"مواجهة الصور الإستشراقية"، التي تنظر لـ”المرأة السعودية” نظرة "موحدة وسطحية"، ففي أعدداها الفصلية تهدف المجلة لتفنيد هذا "السرد الغربي المبسط" عن المجتمع العربي، كما أنها تسعى لتعميق اهتمام الشعب السعودي بغنى وتنوع بلاده.

تقول عهد نيازي لرصيف٢٢، بأننا دائماً نقرأ ونسمع أخباراً وقصصاً عن النساء السعوديات في الصحافة العربية والأجنبية، من تحليل لوضعهن وحياتهن، أو انتقاد للقوانين وغياب الحقوق، أو دعم لتوليهن زمام الأمور، ولكن قلما نسمع من النساء السعوديات أنفسهن، ومن هنا جاء المشروع بدعوته للعالم العربي قبل الغربي، لإعادة النظر بالصور النمطية والتعميمات السائدة على نطاق واسع حول المجتمع السعودي، وخاصة حول النساء في السعودية. حيث تقدم  المجلة فرصة نادرة للتعرف على الثقافة السعودية عن قرب، بأعين نسائها.

أولاد وأسماء وقهوة عربية

في أعدادها الثلاث الأولى، بحثت جهنمية عن عناوين من كلمة واحدة، حول مواضيع وثيقة الارتباط بالثقافة العربية والسعودية، ففي عددها الأول (صيف 2015)، بدأت المجلة بموضوع "القهوة العربية"، لأنّ للقهوة تاريخ طويل من التراث حتى اليوم، فنقدمها في مناسبات كثيرة: تحية اللقاء الودي، في مجالس التعازي، وفي كل مناسبة يجتمع فيها الأهل والأصدقاء.

jahanamiya-03-awlad-issue-responsive

ما يميز المجلة أن المشاركات هنّ نساء سعوديات من خلفيات مختلفة، وهن بمعظمهن غير متخصصات في الأدب أو الصحافة، ولكن حماسهن لمشروع المجلة دفعهن لحمل أقلامهن وكتابة قصصهن: فبينهن طبيبة أسنان، وربة منزل، وطالبة وجامعية وفنانة، وهنّ من كل الأعمار مما يعطينا طيفاً لأصوات وتجارب نساء السعودية من منظور غير مطروق، في صيغ غير متوقعة، ولذلك فإن الكتابات والأعمال الفنية فيها عذوبة وبساطة في السرد والقص والحوار.

في عددها الثاني، اختارت المجلة عنوان "اسمكِ"، وكانت فكرة الموضوع كما تقول عهد لرصيف٢٢: "أن تقف كل منا مستقلة، وبنفس الوقت أن نفتح دواخلنا لنشارك قصصنا الشخصية ونحتفل بحياتنا وكينونتنا". للتعبير عن احترام إنسانية كل منا بعيداً عن القيود، تقدم المجلة في هذا العدد رداً على الحساسية المرتبطة باسم المرأة في السعودية، التي تذكر كـ"أم"، أو "أخت" أو "ابنة"، ولكن يبقى الافصاح عن اسمها إشكاليا، وكأنها لا يمكن أن تكون كلاً متكاملاً وحدها دون سندٍ.

من خلال التركيز على "اسمك"، تتناول القطع الفنية والأدبية والسردية تساؤلات أعمق عن الهوية وعن علاقتنا بشكلنا وشخصيتنا. فمثلاً تتطرق  قصة نشرها العدد باللغة الإنكليزية، بقلم ليال نيازي، لثقافة "الخوف والجدران"، وهي قصة قصيرة عن تجربة شابة تستعد أمام مرآتها لتخرج من بيتها مع صديقتها ليلاً بعد أن يخلد أهلها للنوم، وتطلب من المساء الذي يحمل اسمها "ليلال" أن يحميها ويعاضدها. كما تتناول المشاركات الآخرى مشكلة راسخة في المجتمع السعودي والعربي أيضاً، ألا وهي اقتران اسم الإنسان بـ"النسب" والسلف، وبذلك يحدد على أساس الأسرة والمكانة الاجتماعية والموروث قمية الإنسان ومسار حياته.

"قالوا ما اسمك؟" تبدأ قصيدة لمها ركن في هذا العدد. "أنا ما أنا"، يجيب صوت القصيدة، في دعوة لإزالة الحواجز والدلالات التي تحملها الأسماء، ليكون التعرف على الناس مبني على شخصيتهم. إلا أن صوت الجماعة يصر في السؤال:

"أنت الكبير ابن الكبير
أم أنك الشيخ الجليل
أو انت الصغير أو الحقير"

وكأن اسم الإنسان وحده "ببضع حروف" يقرر مصيره وقيمته كـ"قديس" أو "متهم". تصر القصيدة على مقاومة التأطير، كما بدأت، فيقول صوتها "لا ضير إن سميتموني إنسان"، في دعوة لترفع عن الإنسان قيود الهوية، والنسب، والجنسية والجنوسة.

عن الحب والعلاقات الصعبة

يهتم  عدد المجلة الأخير "أولاد" (شتاء 2016) بعلاقة النساء مع الرجال. مشاركات هذا العدد تقدم تجارب سعوديات ينظرن إلى علاقتهن بإخوتهم وآبائهم وأبنائهم وحتى عشاقهم. "علاقة النساء السعوديات بالرجال معقدة، على أقل تقدير"، هكذا تفتتح قصة نشرت باللغة الإنكليزية لمها خلاوي بعنوان "جنس مختلف". فالثقافة السعودية تربي الفتيات على الاحترام والثقة الكاملة تجاه للأب والأخ والجد والعم، ثمّ تزرع "الشك" و"التخوف" من الشباب. ولكن هذه القطعة، كبقية أعمال العدد، تذكرنا بأن علاقات الحب صعبة ومعقدة في السعودية كما في أي مكان من العالم، وأنها دائماً محكومة بضغوط وتوقعات اجتماعية، وبتاريخنا الشخصي وعلاقتنا مع شخصياتنا التي تنمو وتتغير في هذه العلاقات.

كما تقول عهد لرصيف٢٢: "جهنمية هي فرصة لزيارة دواخل البيوت السعودية، ودواخل النساء السعوديات، لنتعرف على بعضنا عن قرب، وليتبدد الخوف والتبسيط وسوء الفهم." دون شك، مشروع المجلة موجه للقراء في العالم كله، إلا أنها أيضاً حوار بين النساء السعوديات أنفسهن. تقول عهد أنّ تقديم المشاركات، ومناقشتها وتدقيقها، هو بمثابة ورشة عمل مُصغّرة للكتابة الإبداعية، تقربها من الكاتبات والفنانات المشاركات، وتعرفهن على بعضهن، وعلى الاختلاف والتنوع داخل مجتمعهن.

تقول عهد بشغف، "من القصص الشخصية يبدأ التغيير"، وتتابع: "إن كل النساء اللواتي تشاركن في جهنمية يقدمن وقتهن وقصصهن دون أي مقابل أو مردود مادي"، حيث الدافع الأساسي هو إيمان مشترك بالطاقة الكامنة في القصص وروايتها ومشاركة التجارب "لتدفع المجتمع إلى تغيير إيجابي". قصص النساء، كما تقول عهد "تجعلنا أقوى، وتعطينا زخماً" تحتاجه النساء في السعودية، كما في كل مجتمعات العالم، وتؤكد أن "مشاركة القراء بقصصنا الشخصية قادر على تحقيق انفتاح على الغير وبناء فهم أعمق للحياة".

في عددها القادم، تعدنا المجلة بالمزيد من الإبداع حول "الحركة" كفكرة ومفهوم، وهي خطوة في مجال جديد، يحاكي المجتمع السعودي بالاستناد إلى التوجهات الفنية المعاصرة. ننتظر أن تساعد المواضيع المختلفة للأعداد القادمة في تشكيل هوية خاصة ووجهة واضحة للمجلة. مع أنها قد استضافت في أعدادها الثلاث السابقة فنانات وكاتبات معروفات، إلا أن معظم الأعمال التي تقدمها هي إبداعات تجريبية، وبذلك أيضاً تقدم "جهنمية" فرصة نادرة للعالم العربي ليطل بعيون السعوديات على الحب والحياة والإبداع والمستقبل.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي