الشعر العامي في الخليج: طريق الخلاص من القيود

الشعر العامي في الخليج: طريق الخلاص من القيود

يمثّل الأدب بوصفه فناً إنسانياً الصوت الصارخ لضمير الشعوب، والتجلي الأسمى لنداءات الإنسان الباحث عن ذاته الطريدة. والشعر، تحديداً، باعتباره النوتة الموسيقية للكلمة، كثيراً ما يجد طريقه سالكاً إلى الذاكرة.

في الخليج، حيث الاحتفاء بالذاكرة المسموعة، وبالكلمة الرحّالة عبر الصحارى العريضة، الطوّافة حول ناطحات السحاب والمدن الاقتصادية، نجد الكلمة الشعرية الوليدة على طاولة إفطار خشبية لكافتيريا "النور"، أو تلك التي تردّدها القبيلة، أو تلك التي تتغندر على إيقاعها عروس في زفّتها.

الشّعر في الخليج صديق الجميع، ورسول الجميع أيضاً، لذا نرى كثيراً من الشعراء الشباب اليوم وقد وضعوا رحال قصائدهم في تغريدات موجّهة أو ثوانٍ مسجّلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعيداً عن الصورة النمطية لمسابقات الشعر العامي التفلزيونية، ولأمسيات الشعر وجدلياتها.

يصافح هؤلاء الشعراء عالماً أوسع، متخطّين حدود القبيلة، دون أن يفقدوا صدى الربابة في صدورهم، في رحلة جديدة للخلاص، للصوت، للبحث، ولتكوين عملية تفاعل حديثة، تؤثر على شكل القصيدة/النصّ، وعلى ذاكرتهم المشتركة.

مجموعة من شعراء الخليج الشباب يضعون قصائدهم وتجاربهم مع الشعر العامّي في قالبه الجديد بين يدي قراء رصيف22.

الخلاص من القافية

"واِنتَ صوتي...
في خشوع البسملة
أو في حنين الأسئلة
أو في كلامي لّما اسمك ينْفلتْ وسْط الحَكي
وأتأمّلهْ...
اسمك... اللي لو يطيح من الحكي...
قبل أوصل آخر حرف فيه
أقوم له...
وأكمّلَهْ
ليه أنا اسمي هديل
واسمك الأوّل محمد؟
ما يصير!" هديل الجهني

لم تكن القصيدة العاميّة في الخليج بمنأى عن تطوّر شكل القصيدة عموماً، ورغم أن دخولها ملعب قصيدة النثر أو التفعيلة كان غنائياً ومتوازياً مع دخول القصيدة الفصيحة، إلا أن اختزال النشر في مواقع التواصل الاجتماعي ساهم في نقلها نحو الإيجاز البليغ بشكل واضح، لتتفوّق على نفسها مرّة أخرى بكثافتها الشعرية.

"دايم بهذا الجَوّ ، فيني يمُرّ أكُثَركْ..
تعال.. أتذكّركْ"  الشاعرة نوء

الشاعر الذي اعتاد على أمسية متواصلة لساعتين، أمامه الآن عشر ثوانٍ. الأمر الذي تصفه الشّاعرة نوء لرصيف22 قائلةً: "تويتر خلق شعراً جديداً يسمونه "العبقرية"، وهي أن تجعلني أقول "الله!" من صورة شعرية كاملة تنحصر بـ140 حرفاً".

"في البال…
وحدك تصيرين: أغنية،
وأفكاري: الكورال."  سامي الجار الله 

في المقابل، يعتبر الشاعر سامي الجار الله أنها مجرّد حالة تماهي تتفق مع الطريقة الشعرية المختزلة التي يفضلها عادةً في قصائده، لكن "ضمور النشر الورقي" دعم هذه المساحة الإلكترونية وساعد في ازدهارها.

أقوال جاهزة

شارك غردمع انفتاح مجالات التواصل الاجتماعي توسعت جغرافيا القرّاء، ومعها توسعت لهجات الشعر الخليجي العامي

شارك غردإيقاع النشر السريع للشعر المحكي على الإنترنت ولّد أشكالاً جديدة للإبداع والتنافس

ينحاز شكل القصيدة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى التفعيلة النثرية أو العمودية في حدود أبيات قليلة. وقد دفع الإيقاع السريع في النشر عدداً من الشعراء الشباب إلى ممارسة "المساجلة الشعرية" ذات الطابع التنافسي، والذي يستعرض فيه كل شاعر سرعة بديهته وبلاغته في الرد (منشن Mention) على شاعر آخر، في نقل حي وشجاع للمساجلات التي تحدث عادة في المجالس الشعبية أو الاحتفالات إلى ساحة إلكترونية مفتوحة.

"معتّق الحزْن دمعه نخْب فاخر، يسلب ألباب
والليل حفلة حنين، ضيوفها فقْر وْأماني
أرتّب الحاضرين الغايبين بْعاد واقراب
وأبعثر الذاكرة : صور / حكايات / وْأغاني"  وديع الأحمدي

تحرير المفردة/ اللهجة

"العن الحيرة!
وشيطان الحنين اللي غسل مجرى دَمي
وانت… يا طعم الهشاشة في فَمي
مدري متى تعتق شرودك؟
ما انتبهت إن الغياب اللي طرق قلبك
تشظّى... من برودك؟"  عبد العزيز بن بدر

عندما كان يلقي قصيدته بين أبناء عمومته، لم يكن بن بندر يجد تحدياً غير الصورة الشعرية وإيقاد ذهول الفكرة، مطمئناً إلى وجود قاموس مشترك يساعد جمهوره المحدود على التواصل مع مفرداته ليستقبل التأثير الذي رغب في إحداثه.

بينما الآن، ليس بين الشاعر الخليجي وبين قارئ عربي في تونس أو بيروت أو نواكشوط إلا ضغطة زر، "هاشتاغ"، وتايم لاين مسترسل. نادر. ع. (لبناني مقيم في السعودية) يقول لرصيف22: "رغم أن زوجتي خليجية إلا أن الشعر العامي لا يستهويها، أقرأ لكثير من الشعراء الخليجيين الشباب في تويتر، في أغلب الأحيان لا أحتاج إلى إيضاح، وفي حال احتجت لفهم مفردة، كل ما أفعله هو كتابة سؤال في تغريدة لتصلني عشرات الردود للتوضيح، جماهير الأدباء غالبا ما يُبدون حماسة في إيصال أفكار شعرائهم المفضلين".

الشّاذلي العجب، وهو شاعر سوداني مقيم في السعودية، يكتب القصيدة العامية الخليجية ويشاركها في تويتر بكثافة. يغرّد "الانجاز الشعري الحقيقي هو أن يقرأك البسطاء".

ورغم أن كثيراً من الشعراء يعمدون إلى تخفيف غرابة اللهجة لتتماشى شاعريتهم مع الجماهيرية المفتوحة، يشير الشاعر وديع الأحمدي إلى ضرورة أن يحتفظ الشاعر "بمفردته الخاصة والتي تضيف البُعد الإنساني الحقيقي للنص". يقول لرصيف22: "لست مع تمييع اللهجة في البياض للدرجة التي تفقدها روحها، ولست مع البحث عن ما يفهمه الجمهور أو ما لا يفهمه"، لأن ذلك يضعف إحساس الشعر وتركيبته.

"حبيبي وإنتْ سجني، والقلوب أحرار
وأنا واقف ما بين الشوق وعْنادي
خطاي إنّي جفيتك ليلتين… وطار
بسِما ظنّك شكوك، وغصنها بْعادي

أنا توّي عرفتْ إن الزمن دوّار
تعااال اعْتقني من زنزانة سْهادي
عتب... وأتخيّلك دايم مع الزوّار
تعب... وأنا ما بين اليأس ومرادي!"  سلمان البلوي

لا يجد الشاعر سلمان البلوي المفردة العامية مهددة بذلك، فاندفاع الشعراء إلى اللهجة البيضاء المفهومة في العالم العربي لن يُفقدها شخصيتها لأن "المفردات العامية الغليظة هي نتاج بيئة ومتداولة بكثرة ولا تنقطع بإختلاف اللهجات... بالتالي اندفع الشعراء إلى اللهجة البيضاء لتكون القصيدة أقرب للفهم لجميع القراء باختلاف جنسياتهم وتفكيرهم وفئات أعمارهم".

يضيف الجار الله: "انفتاح التواصل بين الشعراء في الخليج والقراء في العالم العربي دفع الشعراء إلى محاكاة لهجات متنوعة عربياً ممّا قصّر المسافات بينهم، قد تكون هناك كلمات غير مألوفة لكنها لم تعد غريبة تماما".

وكما يذكر وديع الأحمدي، هذه المساحات من التواصل وفّرت للشعراء ميزة زيادة المشاركات في الفعاليات والأمسيات عن طريق تبادل الدعوات بين شعراء الخليج والمؤسسات الثقافية.

منال الزهراني

مدونة سعودية

التعليقات

المقال التالي