شاعر الغناء المصري سيد حجاب: الصيّاد الذي التقط "جنّية البحر"

شاعر الغناء المصري سيد حجاب: الصيّاد الذي التقط "جنّية البحر"

أغوته "جنية القصيد" فعشقها، هام على وجهه يتلمس طيفها بين مراكب الصيادين، فلم يجدها، أدار مركبه وتوجه إلى قلب البحر حيث كانت تلوحُ له وهو يقف على الشاطئ. أدار مركبه، ونزل البحر، ظل يجذف ولمّا وصل لَمْ يجد لها أثراً.

سمع صوت غناء. انتبه. وجدها تغني وترقص حافية القدمين، لـ"يدندن بمجدافه على الميه". تبادلا قلبيهما، فأدارت الدنيا لهما ظهرها. غدرت به عفاريتُ الليل. سقط قتيلاً. نقلته الجنية إلى عالمها، لتعيش مع الجثمان، وتروي له ما يحدث على شاطئ بلاده.

هذه دراما فريدة صنعها سيد حجاب في قصيدته "صياد وجنية".

حجاب بين الفصحى والعامية

(أنا مهما أقول/ ما ينتهى لي بحر قول/ ده البحر جنبي... لو أمد إيديا أطول شموس كتير... شموس أصيل) (ابن بحر صياد وجنية)

هو سيد حجاب، أحد سادة شعراء العامية المصرية. ولد على ضفاف بحيرة المنزلة بمحافظة الدقهلية في المطرية عام 1940، وهي مدينة صيادين، كل لحظة فيها مغناة بشكل أو بآخر. فالإنسان، بحسب حجاب، يعيش حياته يغنّي أو يُغنّى له من لحظة ميلاده إلى لحظة الرحيل، وهي اللحظة التي وافته تزامناً مع الذكرى السادسة لثورة 25 يناير. عاش ومات وهو يغني "للفرح موال، وللحزن موال".

دخل عالم الشعراء من بوابة الفصحى بعدما أتقن علم العروض والقوافي على يد أبيه، الأزهري الشاعر الذي أثقلته كثرة الأولاد فكف عن كتابة الشعر.

نظم الشعر العمودي في العاشرة، التقاه أحد أساتذته فأوصاه: "أنت تكتب عن عدد من المشاعر ستنتهي، مهما جودت فيها، وستصبح وقتها "صنايعي شعر"، أنت تعيش في مدينة بها 30 ألف صياد، كل صياد يمتلك ما بين 10 و15 قصيدة، عليك أن تسجل هذا التراث".

راح حجاب، وهو ابن أسرة من المتعلمين والمثقفين، ينزل البحر مع أقاربه الصيادين، في محاولة للبحث عن القصيدة في قلب البحر والصياد. سرعان ما تخلى عن الشعر العمودي، فكان هذا القرار خطوته الأولى نحو النضج الفني. قرر أن يكتب عن الصيادين وحياتهم وأساطيرهم، واكتشف أن شعر الفصحى لا يتناسب مع ما يقبل عليه، فاتخذ قراراً بتغيير اللغة أيضاً.

لم تتأتَّ لغة حجاب دفقة واحدة، ولم يعلم آنذاك كيف ينجو من الموجة المخيفة التي يواجهها وهو الذي تدرب جيداً في "بحور الخليل"، فسرد بالفصحى وصنع حواراً بالعامية، ولكنه لاحظ بعدها ازدواجاً منفراً في القصيدة، فأرقه ذلك كثيراً.

في ذاك الزمن، كان شعر العامية يصنّف على أنه "بتاع الناس الغلابة"، بحسب قول "العم حجاب" لرفيق دربه "عمار الشريعي"، في "سهرة شريعي" 2011.

ورغم ذلك، وربما لأجل ذلك، منحها حجاب وقته ومجهوده، ليقضي معها 67 عاماً من عمره المنتهي في السابعة والسبعين، يقرأ وجوه المهمشين من الصيادين والفلاحين والحرافيش، ويرسم ملامحهم بدقة ووعي في دفتر أشعاره الذي ترك به 5 دواوين (صياد وجنية، في العتمة، أصوات، نص الطريق، قبل الطوفان الجاي).

https://www-youtube.https.co/watch?v=BMQ03_vs0rQ

وصل ميراثه الإنساني أيضاً إلى "عشرات القصائد الغنائية التي وثقها عبر "الديوان المرئي" الذي قدمته الدراما المصرية في أواخر الربع الأخير من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، ليكون ثالث ثلاثة أسهموا في تشكيل وتنوير الوعي الجمالي للمصريين، إلى جوار الكاتب والسيناريست أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبدالحافظ"، حسبما ذكر الناقد الأدبي صبري قنديل في تقديم كتاب "سيد حجاب صياد الحواديت".

طاف حجاب الشوارع والحارات والأزقة المصرية بالقرى والنجوع والمدن، وتشبع بالموروث والعادات والطقوس، وأعاد إنتاجها في قالب جمالي. جعلنا نتصالح مع الحياة والهوية والموروث بأسلوب درامي شكّل وجدان المصريين ووعيهم.

أقوال جاهزة

شارك غردقصة سيد حجاب، أحد سادة شعراء العامية المصرية

"ورث عن الصياد شبكته وغزله، وعن الفلاح فأسه ومحراثه، وعن النجار شاكوشه ومنشاره، وعن البناء مسطرينه ولوحه الخشبي، وعن الكمساري صفارته ودفتر تذاكره، وعن التباع الكتف العريضة الحمول، وعن الفواعلي كروانته، وورث عن الأراجوز أصابعه المتحركة"، وفقاً لما ذكر الشاعر إبراهيم خطاب صاحب كتاب "سيد حجاب صياد الحواديت".

وأضاف خطاب "لم يكن هذا إرث حجاب فقط، بل ورث عن الراحل بديع خيري خفة الظل وليونة الجملة الشعرية، وعن بيرم التونسي الإقدام وقت النزال وقدرة التحمل، وعن فؤاد حداد المثابرة والتواضع، وعن صلاح جاهين البساطة وفلسفة الرؤية دون تكلف والغنائي بعمق".

خرج حجاب من مدينة المطرية بالدقهلية إلى القاهرة وقد كتب شعراً كثيراً تنوّع بين الفصحى والعامية، ولم يكن قد حسم أمره بعد إلى أن التقى صلاح جاهين، ليحسم له أمر الكتابة بالعامية. وشيئاً فشيئاً صارت لغته عامية خالصة، بعدما استقر على أنها الأكثر تمثيلاً لبيئة الصيادين، وللصور الشعرية المكثفة في مفرداتهم.

جاهين مبشر شعراء العامية المحدثين

التقى حجاب كبير شعراء العامية صلاح جاهين وقدمه الأخير للقراء في مجلة "صباح الخير" في باب "شاعر جديد يعجبني" بالإضافة إلى شعراء آخرين بينهم الأبنودي وفؤاد قاعود، بعدما منحهم شهادة ميلاد وصك شرعية.

عن أثر جاهين في مسيرة حجاب، قال الأخير: علمني البعد عن الكلمات الرنانة والفخيمة التي تخلو من المعنى ويؤثرها كثير من المثقفين، وهو ما كان يستنكره جاهين.

أخبره جاهين أيضاً عن قانون معجز جاء فيه: "اللي تقدر تكتبه في سطرين ما تكتبوش في ثلاثة"، وهو درس حقيقي دون صياغة فلسفية لمن يود أن يمارس سحر الكتابة، ويتقن أصولها ويتوصل لأسرارها، وفقاً لحجاب.

النقاد يجبرون حجاب على الصمت

مقارنات ومقاربات النقاد لـ"صياد وجنية" بنصوص الشعراء العالميين أجبر حجاب على الصمت وأخرجه من ثوب العامية للغناء.

أصدر سيد حجاب ديوانه الأول "صياد وجنية" عام 1964 عن دار ابن عروس، فامتدح النقاد صنيعه، لدرجة جعلتهم يقارنونه بالشاعر الإسباني غارثيا لوركا، والفرنسي بول إيلوار، ومواطنه الشاعر لويس أراغون، ما أصاب حجاب بالاستياء، فقرر تغيير المسار إلى شعر الأغنية.

تشبيه النقاد لنصوص حجاب بأشعار لوركا وإيلوار وغيرهما أغضبه. فلم يكن معنياً بكتابة نصوص تشبههما، بل نظم شعره للصيادين في بلاده، وبما أن الرسالة ضلت طريقها، قرر البحث عن طريق آخر، فشرع في نظم القصيدة الغنائية.

كواليس "شاعر الغناء"

في ستينيات القرن العشرين عدَّ الكثير كتابة "شعر الغناء" معيبة في حق الشاعر، أو تقلل من أهميته، بينما ألهمت "جنية الشعر" حجاب بالإقدام على هذا المسار، وهو ما لم يندم عليه.

حرر حجاب الأغنية من أسر "رصّاصين الكلام"، وأسهم إلى جوار آخرين في تطور الأغنية التي ابتليت بالشعر الضعيف المهترئ.

يقول حجاب لرفيق دربه عمار الشريعي: "عالم الأغنية المصرية كان فقيراً شعرياً، باستثناء شعراء أمثال مرسى جميل عزيز، وصلاح جاهين، وعبد الفتاح مصطفى"، وأرجع تفردهم إلى أنهم "حلوا المعادلة الصعبة فتميزوا: كيف تكون قابلاً للغناء دون أن تكون متدنياً، بعبارة أخرى: كيف تكتب كلاماً شعرياً يدخل للقلب ببساطة الغناء، وهو شديد الشعرية في نفس الوقت".

دخل حجاب عالم الغناء وقدم دواوين إذاعية مع فتح الله الصفتي في برنامج "بعد التحية والسلام" وبرنامج "عمار يا مصر"، مع صديقه المقرب الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، وكتب حلقات برنامج "حبات عرق".

لحن الفنان محمد فوزي أول قصيدة مغناة لحجاب "يا طير يا طاير" بألحانه المبهجة.

أيام العميد طه حسين

إدخال الغناء في الدراما كان منهجاً في فترة من تاريخ الدراما على نحو ما حدث في "أدهم الشرقاوي" و"شيء من الخوف"، الذي كان تعقيباً على الدراما في أحسن الأحوال، بحسب حجاب.

https://www-youtube.https.co/watch?v=4Api2xLFJ-E

كان لحجاب مآخذ على هذا المنهج، منها أن الأغنية تركز على الحدث لا على الغناء الذي كان يوظف فنياً كأداة للزخرفة والتجميل والزينة.

عمل مع المخرج يحيى العلمي على مسلسل الأيام، السيرة الذاتية لعميد الأدب العربي طه حسين، والتي كانت تهدف إلى صناعة ملحمة شعبية عنه بترك مساحة أساسية للغناء للعب دور رئيسي في الدراما، فصنع حجاب نصاً شعرياً موازياً للنص الدرامي، وأدخل كلمات الغناء في صلب الدراما، لتكتمل السيمفونية الدرامية بألحان رفيق دربه عمار الشريعي.

حجاب وتترات المسلسلات

صنعت "تترات" الأعمال الدرامية التي كتبها سيد حجاب دراما موازية، وسكنت وجدان أهل مصر، وجمعتهم أمام الشاشة الصغيرة في دفء أسري ليرددوا كلماته.

https://www-youtube.https.co/watch?v=WsqWYFQGvoY

صارت تترات سيد حجاب ركناً أصيلاً من ذكريات المصريين، فترحموا على "ليالي الحلمية" و"المال والبنون" بـ"الشهد والدموع". وتذكروا "مين ميحبش فاطمة"، وغربتهم بين ديار الأهل وبلاد الله، وراحوا يدقون على "بوابة الحلواني" ويرددون "مصر يا ولاد حلوة الحلوات".

مصطفى سليم

صحفي وكاتب مصري، حصل على درجة الماجيستير في الأدب العربي، مؤلف رواية "سـِفر المرايــــا" الحائزة على جائزة دبي الثقافية للإبداع.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي