علي بابا: آخر سينما للفقراء في مصر

علي بابا: آخر سينما للفقراء في مصر

لا تختلف سينما الكورسال الجديدة الشهيرة بين المصريين باسم "سينما علي بابا" عن الشارع الذي يقع فيه مبناها، لأن جمهورهما من الفقراء والطبقة الكادحة.

السينما التي تعد تذكرتها هي الأرخص في مصر، وتعرُض بسعر البطاقة الواحدة ثلاثة أفلام، تقع في قلب وكالة البلح المشهورة ببيع الملابس المستعملة.

نحن الآن في وسط القاهرة، أمام مبنى هو الأشهر في العاصمة، إنه مبنى دار القضاء العالي. في الشارع المواجه له سترون زحاماً شديداً. هذا هو شارع 26 يوليو بمنطقة بولاق أبو العلا حيث تقع مئات المحالّ التي تبيع الملابس المستعملة ويقصدها آلاف المصريين يومياً. ستسيرون تقريباً عشر دقائق حتى تجدوا أنفسكم أمام مبنى "سينما الكورسال الجديدة"، التي اختار لها المصريون اسماً آخر غير المكتوب على واجهتها وتذكرتها، هو "سينما علي بابا".

السينما مبنية على طراز مباني وسط القاهرة العتيقة، وهي حتى اليوم ترفض وضع أفيشات مطبوعة للأفلام التي تعرضها، ولا يزال هناك رسام يرسم أفيشات الأفلام بالطريقة نفسها التي كانت ترسم بها أفلام السينمات المصرية منذ الأربعينيات حتى بداية التسعينيات، قبل أن تصبح الأفيشات مطبوعة بشكل رقمي.

تاريخياً تم بناء السينما على يد مجموعة من الأجانب فى الأربعينيات، ويقول باحثون إنها كانت من أوائل السينمات التي تبنى في المحروسة، وأن عدد مقاعدها يزيد عن السبعمئة. حالياً، تعرض السينما ثلاثة أفلام في الحفل الواحد، وحفلين في اليوم، الأول من 10 صباحاً حتى الرابعة ظهراً، والثاني من 5 مساءً حتى 11 مساءً.

كانت الساعة الواحدة ظهراً حين وقفنا أمام السينما ننظر للأفيشات التي تبين الأفلام المعروضة بها هذا الأسبوع، وهي: النبطشي (إنتاج عام 2014) وقدرات غير عادية (إنتاج عام 2015) وقط وفار (إنتاج عام 2014).

اقتربنا من شباك التذاكر وطلبنا من البائع النحيف ذي الوجه الأسمر أن يعطينا تذكرة دخول. سعر التذكرة خمسة عشر جنيهاً (أقل من دولار)، مع العلم بأن متوسط سعر باقي سينمات القاهرة هو 35 جنيهاً (أكثر من دولارين بقليل). هذا رغم أن سينما علي بابا تعرض ثلاثة أفلام عربية في الحفل، بينما تعرض أي سينما أخرى فيلماً واحداً.

"لماذا تشتهر السينما باسم علي بابا رغم أن اسمها المكتوب على واجهتها وعلى التذكرة هو الكورسال الجديدة؟" طرحنا السؤال على بائع التذاكر فابتسم قبل أن يرد: "بقالي سنين طويلة شغال هنا لكني فعلاً لا أعرف السبب. يمكن علشان عاملة زي مغارة علي بابا؟".

أقوال جاهزة

شارك غردسينما بأقل من دولار، ويسمح فيها للمشاهدين بالتدخين... تعرفوا على آخر سينما للفقراء في مصر

سألناه عن عمر السينما فقال "أكثر من سبعين عاماً". طلبنا منه أن نختار رقم المقعد فضحك قائلاً "لا توجد أرقام. يمكنك أن تجلس في أي مكان يعجبك".

بعد الحصول على التذكرة تمرون ببوابة أخرى، حيث يطلب منكم رجل بدين يجلس على مقعد خشبي قديم أن يرى التذكرة، وسرعان ما يقطع نصفها ويعطيكم النصف الآخر، قبل أن يسمح لكم بالدخول.

بمجرد مروركم من البوابة يقترب منكم رجل آخر بملابس مهلهلة ويسير بـ"شبشب" يصدر صوتاً مزعجاً ويحمل كشافاً، يأخذ منكم التذكرة ويطلب بقشيشاً ثم يمشي بجانبكم بكشافه ويسأل "تحبو تقعدو فين؟".

بعكس باقي السينمات التي تمنع التدخين، يمكنكم في علي بابا أن تدخنوا كما تريدون، دخان السجائر جعل المكان أقرب لمقهى شعبي. كراسي السينما قديمة جداً ومصنوعة من الحديد وأغلبها محطم. الشاشة حجمها ضخم لكن الصورة غير واضحة مثلها مثل الصوت الذي يخرج من سماعات معلقة على الحوائط ويبدو من الصوت الخارج منها أنها رديئة وبدائية.

كان من الصعب أن نحدد ماذا يقول أبطال الفيلم. ولم يكن هناك نساء في السينما، وكأنها للرجال فقط، والناس يتحركون وكأنهم في شارع وليس في سينما.

هذه السينما من طابقين. هناك درج يصعد بكم إلى الطابق الثاني لتشاهدوا منه شاشة السينما، غير أنه أغلق منذ سنوات عدة.

كان الموجودون في السينما حوالي مئة. وهم شباب ورجال في منتصف العمر، حتى شيوخ، تركيبة غريبة من النادر أن نجدها في سينمات مصرية فاخرة أغلب جمهورها من الشباب. علماً أن السينما تمنع دخول السيدات إلا إذا كن برفقة أزواجهن، ويجلسن في ركن منفصل من القاعة.

ليس في السينما مكيف. هنالك بعض الفتحات في حوائطها يدخل منها الضوء والهواء.

اقترب رجل يبدو أنه في العقد الرابع من عمره. سألنا "معاك سوجارة؟"، لنعتذر منه، فأكمل بينما يجلس "طيب ممكن نتعرف؟". سألناه عن حال السينما في الصيف فقال إنها تكون حارة جداً، "إذاً فأنت تأتي بشكل مستمر؟". أجاب الرجل على السؤال "آتي حين أشعر بخنقة".

انتقل بعد قليل من المقعد إلى مقعد آخر. غير آبه بالفيلم الذي تعرضه الشاشة.

تشتهر سينما علي بابا بأنها ملتقى للمثليين، لكن الواقع يختلف عن المتخيل. يقصد السينما جمهور مهتم بالأفلام المعروضة وبتكلفتها المنخفضة، ويبدو واضحاً من تركيز الكثيرين بين الحضور في الشاشة، أنهم هنا للمشاهدة وفقط.

بين الحين والآخر، يسلّط موظف الصالة كشافه على اثنين متجاورين ويطلب من أحدهما بصوت عالٍ "قم من جانبه".

لا توجد في السينما أبواب أمان ليخرج منها الناس في حال حدوث حريق مثلاً، وبجانب الشاشة درج ينزل بكم بضع درجات للأسفل، ويفضي إلى الحمام حيث الرائحة لا تطاق.

حتى نهاية التسعينيات، كانت هناك أكثر من سينما تشبه سينما علي بابا، لكنها اختفت كلها. أغلقت سينما كانت في ميدان الجيزة، بينما طورت "سينما الزيتون" في القاهرة من نفسها وباتت سينما نظيفة فاخرة تشبه باقي سينمات العاصمة.

بقيت وحدها علي بابا تتحدى الزمن فاتحةً أبوابها للفقراء، وسط ظروف اقتصادية صعبة.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
سينما مصر

التعليقات

المقال التالي