ثورات ناجحة، وثورات فاشلة، وأخرى مغدورة

ثورات ناجحة، وثورات فاشلة، وأخرى مغدورة

شهد النصف الثاني من القرن العشرين تغييراً للسلطات الحاكمة في العديد من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وقد جاءت تلك التغييرات، في معظمها، عن طريق العنف، إما بانقلابات عسكرية سريعة تفاوتت درجة دمويتها، أو عن طريق حروب أهلية بشعة ووحشية.

مع ذلك، لم تستفد السلطات من دروس التاريخ، ولم ترفع المظالم عن شعوبها؛ بل استمرت في بسط قبضتها الأمنية، وفي الحفاظ على امتيازاتها دون أن تفكر بالإصلاح والتوزيع العادل للثروات، أو بتأسيس حياة سياسية ديموقراطية، ولذلك بقي احتمال الانفجار في أي لحظة قائماً في معظم تلك البلدان.

لماذا نعتبر لفظ "الثورة" إيجابياً؟

وهذا ما بدأ في أكثر من بلد عربي منذ عدة سنوات، فيما عرف "بثورات الربيع العربي". وقد انتشر في الفضاء الثقافي، مع هذا الانفجار المدمر لكل شيء، نقاش واسع حول مفهوم الثورة، واختلف الناس في تصنيفها، فبعضهم اعتبر ما جرى ويجري حتى الآن في تونس وسورية ومصر وليبيا ثورات، والبعض الآخر ينزع عنها بصورة قطعية صفة الثورة، وفي الحالين يتضمن الرأيان أن الثورة إيجابية دائما؛ أي أن هذه "الصفة" تستعمل للمديح، ولكن تاريخ الثورات لا يقر هذا المديح دائما، لذلك لا بد من العودة بصورة مباشرة وواضحة إلى تحديد معنى مفهوم الثورة؛ على الرغم من أن التحديد لن يؤثر على الأرض مباشرة.

"الشرعية الثورية"

يكاد الفكر العالمي يجمع على أن الثورة تكون دائماً وأبداً "غير دستورية" ومخالفة للقانون. ولذلك لا تكتسب شرعيتها من الدستور أو عبر الآليات القانونية المعتمدة، وإنما من ثوريتها، أي أصبح مفهوم الشرعية الثورية معتمداً في السياسة الدولية؛ ذلك أن الثورة، إذا انتصرت، تغير الدستور بدون الرجوع إلى الشعب غالباً، ويستلم قادتها السلطة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومع ذلك فإن هذا التعريف لا يقرر أن الثورة ستنتهي إلى انتصارها، فقد حدثت ثورات كثيرة قام بها الشعب، وفشلت بأشكال مختلفة من بلد إلى بلد آخر.

إن أول تمييز يقدمه هذا التعريف هو التمييز بين الثورة والانقلاب، فالانقلاب يقوم به الجيش بصورة سريعة، ويستلم القيادة، والانقلاب بصورة عامة يكون عنيفاً، وينتج عنه ضحايا، بخاصة من رجال السلطة والموالين لهم. وهناك من يقول إن بعض الانقلابات العسكرية تحولت، بعد انتصارها، إلى ثورات، مثل انقلاب 23 يوليو في مصر عام 1952.

والتمييز الثاني هو بين الثورة والاحتجاج، فالاحتجاج قد يكون محدوداً، مثل المظاهرات التي يقوم بها شعب ضد غلاء الأسعار، أو ضد قانون ما، أو ضد اتفاقية تقوم بها الحكومة. ولكن في بعض الأحيان يتطور الاحتجاج المطلبي إلى حركة يشارك فيها الشعب كله تقريباً، كما حصل في تونس مثلاً، أو في مصر، وغيرهما.

نحن هنا نتحدث عن الثورة في المجتمع، ولا نتطرق إلى مفاهيم مثل الثورة الصناعية، أو ثورة المعلومات، أو الثورة الثقافية، أو الثورات التي قامت بها معظم الشعوب التي كانت مستعمرة في الثلثين الأولين للقرن العشرين. ومع ذلك تشترك هذه المستويات والمجالات كلها بأمر هو: التغيير. أي إن مفهوم الثورة كيفما استخدم ينطوي على هدف رئيس هو التغيير.

أقوال جاهزة

شارك غردثورات تركت أثرها على تاريخ العالم وأخرى فشلت أو أُفشلت.. ماذا ستقول الأجيال القادمة عن ثورات الربيع العربي؟

شارك غردقد يتفق الناس على تعريف الثورة، ولكن لن يتفقوا أبداً في تصنيف الثورة والحكم عليها.. أمثلة من التاريخ

مع أن الثورات تكون ضد السلطات القائمة، إلا أن العنف ليس صفة ملازمة للثورة، وليس من الضروري أن يكون التغيير الذي يحصل إيجابياً، كما أن ما بعد انتصار الثورة ليس أفضل مما كان قبلها بالضرورة، فقد يكون العكس هو الصحيح. المفكرون والناس يختلفون مثلاً في الحكم على ما كان قبل الثورات في روسيا القيصرية وإيران، وكوبا، وما بعدها. وليس في معنى مفهوم الثورة ما يشترط انتصارها، فقد تفشل مباشرة، وقد تستمر سنوات وتفشل، وقد تنتصر لعدة شهور، أو سنوات، ثم تسقط بعدها، كما حصل للثورة الفرنسية (1789)، وثورة محمد مصدق في إيران (1951 - 1953).

ثورات تركت أثرها على تاريخ العالم

الثورة الفرنسية: حق الشعب فوق الحق الإلهي

Intext-Revolutions-2

يعتبر المؤرخون والباحثون والمفكرون الثورة الفرنسية (1789) أول ثورة في التاريخ الحديث، وفي الحقيقة كانت تلك الثورة علامة فارقة في الانتقال من أشكال الحكم الملكية والإمبراطورية إلى الحكم الجمهوري.

أزاحت الملك لويس السادس عشر، وأعلنت النظام الجمهوري، ووضعت دستوراً يفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويقر أن الحكم للشعب عن طريق ممثلين ينتخبهم بنفسه، ونص على حرية الفرد وحقه في الاعتقاد، وفي تشكيل تنظيمات اجتماعية، ورفعت شعار "الحرية، الإخاء، المساواة".

بكلمات أخرى، كانت الثورة الفرنسية أول حركة تعتمد على مفهوم جديد للسلطة يقوم على مبدأ المواطنة والعقد الاجتماعي، بعيداً من الحق الإلهي الذي كان يستند إليه الحكم الملكي في أوروبا. كما أنها كانت فاتحة تحولات أوروبية وعالمية في الاتجاه نفسه أدت إلى ما أصبح يعرف بالحكم الجمهوري الديموقراطي.

الثورة الشيوعية في روسيا: بدأت بدعوة للسلم العالمي وغيرت خارطة العالم

Intext-Revolutions-3

انتصرت الثورة الشيوعية في روسيا (1917) بقيادة الحزب الشيوعي الروسي، وأزاحت نظام القيصر بالعنف الثوري الذي بالغ في عنفه ضد أعدائه، وقد أعلنت إلغاء الملكية الفردية، وأحلت مكانها الملكية العامة لوسائل الإنتاج، وإقامة سلطة البرولتاريا، كما ركزت على التحالف بين العمال والفلاحين.

وسحبت الثورة الجيش الروسي من الحرب العالمية الأولى، على أساس أنها حرب إمبريالية، ورفعت شعار السلم العالمي، ولكنها خاضت بعد اشتداد عودها مواجهة مباشرة وغير مباشرة على كافة الأصعدة، في العالم كله، ضد النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

أثرت هذه الثورة على كل بلدان العالم، بخاصة الدول المستعمرة والفقيرة، ومن نتائج ذلك قيام الاتحاد السوفياتي، وانتشار الأحزاب الشيوعية بقوة في معظم بقاع العالم. وقد شمل ذلك التأثير مجالات فكرية وعقائدية وثقافية وفنية واجتماعية وغيرها. باختصار لقد كان تأثيرها شاملاً في العالم كله.

الثورة الصينية: أنهت الحكم الإمبراطوري إلى غير رجعة

Intext-Revolutions-4

استمرت الثورة الصينية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني عشرين عاماً حتى انتصارها عام 1949؛ حيث أزاحت الحكم الإمبراطوري إلى غير رجعة في الصين، وقد اعتمدت في مسيرتها المسلحلة على طبقة الفلاحين، وأضافت أسلوب حرب العصابات الذي أصبح فيما بعد أسلوباً عالمياً للثورات الشيوعية.

وقد شهدنا الآثار التي أحدثتها تلك الثورة في كوريا وفيتنام وبلدان الشرق الأقصى الفقيرة، ونشهد الآن الآثار الاقتصادية للصين في كل بقاع العالم.

ثورات مغدورة وثورات فاشلة

التاريخ يفضل الثورات الناجحة التي غيرت تاريخ بلدانها، وأثرت فيما حولها من العالم، أما تلك التي لم يكتب لها النجاح فقد أعطاها المؤرخون اهتماماً هامشياً لا يكفي لإظهار آثارها القريبة والبعيدة.

إن قياس الثورات بنجاحها لم يعد كافياً لكي نفهم الحقائق التاريخية، ذلك أن الثورات الفاشلة استمرت في تأثيرها بشكل ما، وعلينا أن نبحث في هذا التأثير انطلاقاً من مبدأ ألا شيء يموت، وأن التاريخ سلسلة من الأحداث المتتالية المتصلة.

عرف التاريخ مصائر لثورات غدرت بغير حق، ولنا أن نتساءل سؤالاً افتراضياً: ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تغدر تلك الثورات، أو لم تفشل؟ اخترنا هنا ثلاثة أمثلة مختلفة على ثورات شيوعية فشلت، أو غدرت ففشلت.

كومونة باريس: أول دولة شيوعية في التاريخ أو "الثورة الفرنسية الرابعة"

تم الإعلان عن ولادة كومونة باريس برفع راية الثورة العمالية على مبنى بلدية باريس في 18 آذار عام 1871. وبذلك تكون أول دولة عمالية في التاريخ. وقد استمرت 72 يوماً فقط؛ أسقطها جيش فرساي بحرب دموية راح ضحيتها أكثر من 20000 مواطن فرنسي، وسقط آخر مقاتليها في 28 أيار من العام نفسه.

من المهم هنا أن نشير إلى الدعم العسكري الذي قدمته ألمانيا لحكومة فرساي للقضاء على الدولة الوليدة التي شكلت تهديداً لرأس المال في أوروبا والعالم بكامله. لقد حظيت كومونة باريس باهتمام واسع، فكتب عنها عدد كبير من الكتب والدراسات التي تناولت أسباب قيامها، وأسباب فشلها، ومع ذلك نتساءل: ما الذي أثرت به على الهوية الفرنسية؟ وهل كانت خارطة أوروبا ستتغير لو كتب لها النجاح والاستمرار؟ ثم ماذا بقي من أول وأصغر دولة شيوعية في العالم؟

ثورة مصدق في إيران، التي أعادت ثروات إيران إلى الإيرانيين

قام محمد مصدق؛ رئيس وزراء إيران (1951 - 1953) بأول ثورة في تاريخ بلدان الشرق الأوسط، فعزل الشاه، وأعلن عداءه للإمبريالية الغربية، وأمم شركة النفط الانكليزية الإيرانية، وهو بذلك قد افتتح عهداً جديداً بإعادة ملكية الثروات الطبيعية التي كانت تسيطر عليها الدول الاستعمارية الكبرى إلى أصحابها الشرعيين، وأعلن الإصلاح الزراعي، والحياة الديموقراطية.

أيدته الجماهير والحزب الشيوعي "تودة"، والقوميون الإيرانيون، إلا أن الولايات المتحدة، وبريطانيا حاصرا حكومته عالمياً بمنع شراء النفط الإيراني، وهكذا فرغت الخزينة لدرجة أنه عجز عن دفع رواتب الموظفين، فقامت الولايات المتحدة بالتنسيق مع بريطانيا بإعادة الشاه إلى السلطة بعملية سميت "أجاكس"، وحوكم مصدق، وحكم عليه بالسجن قبل أن يخفف الحكم ويعيش تحت الإقامة الجبرية إلى أن توفي عام 1967.

إنها ثورة شعبية غُدرت بحجة أنها موالية للاتحاد السوفياتي الشيوعي، فماذا كان يمكن أن يحدث في إيران لو أتيح لهذه الثورة أن تحيا وتستمر؟

ثورة غيفارا الفاشلة في الكونغو، وفي بوليفيا

Intext-Revolutions-1

أرنستو تشي غيفارا (1928 - 1967)، الأرجنتيني والطبيب والكاتب ورجل الدولة وزعيم حرب عصابات غطت شهرته الآفاق، ومع ذلك فقد أخطأ التقدير مرتين: مرة في اقتناعه بنضوج الظروف في الكونغو لقيام ثورة شيوعية في أواسط الستينات، وذهب إلى هناك، وفشلت ثورته، ومرة ثانية عندما اختار بوليفا ليقود فيها ثورة حرب عصابات، وفشل أيضاً لأسباب لا مجال لذكرها هنا.

كانت النتيجة أنه حوصر، وألقي القبض عليه في 7 تشرين الأول عام 1967 عليه بناء على وشاية، وأعدم رمياً بالرصاص في 9 من الشهر نفسه، وطويت حياة أحد أساطير الثورة العالمية.

ترى إلى أين كان سيتجه غيفارا لو نجح في بوليفيا؟ وماذا كان يمكن أن يؤثر نصره في تلك القارة التي عرفت العديد من حركات حرب العصابات؟ ثم ما الذي بقي من غيفارا لأجيالنا الحالية، وللأجيال القادمة؟

قد يتفق الناس على تعريف الثورة، ولكن لن يتفقوا أبداً في تصنيف الثورة والحكم عليها. والسؤال الأهم هنا هو: ماذا سيكون موقف الأجيال العربية القادمة من ثورات ما عرف بالربيع العربي؟ وكيف سيقيّم التاريخ هذه الأحداث الدامية التي أكلت الأخضر واليابس مباشرة في ليبيا والصومال واليمن والعراق، وهي تلفح بنيرانها كل البلدان العربية بلا استثناء وإن كان بدرجات متفاوتة.

التعليقات

المقال التالي