سامية جمال... حافية القدمين التي تحولت إلى راقصة مصر الأولى

سامية جمال... حافية القدمين التي تحولت إلى راقصة مصر الأولى

ربما لم يدر بخلد تلك الفتاة الصغيرة وهي تقوم بحياكة الملابس في "المشغل" الذي كانت تعمل به في حي الأزهر، أنها سترقص في يوم ما في قصر عابدين أمام ملك مصر والسودان، أو أنها ستأسر عيون كثيرين برشاقتها وخفة حركتها، وأنها ستدخل إلى عالم الشهرة والنجومية من أوسع أبوابه.

اسمها الحقيقي هو زينب خليل إبراهيم محفوظ. ذكر محمد طعيمة مؤلف كتاب "عفريتة هانم" الذي يروي السيرة الذاتية للراقصة الراحلة سامية جمال أنها ولدت في 22 فبراير عام 1924 في إحدى قرى مديرية بني سويف، وعاشت هناك ثمانية أيام مع والدها ووالدتها وزوجة أبيها وإخوتها قبل أن يقرر الأب النزوح بعائلته إلى القاهرة والاستقرار في حي الأزهر.

وقال طعيمة لرصيف22 إن والد سامية جمال توفي وهي في الثامنة من عمرها. لكن معاناتها الحقيقية لم تبدأ إلا بعد وفاة والدتها وزواج شقيقتها الكبرى، إذ عاملتها زوجة أخيها بقسوة، وتحولت إلى عاملة في مشغل لحياكة وتطريز الملابس.

هناك تعرفت على شاب كان يرتاد صالات ومسارح شارع عماد الدين (يقع في وسط القاهرة وكان يضم عدداً من الملاهي الليلية والمسارح)، واتفقت معه على أن يصطحبها إلى هناك، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها.

بداية المشوار

مشوار سامية جمال مع الرقص بدأ من مسرح بديعة مصابني. قال محمد عشوب في برنامجه "ممنوع من العرض" على قناة الحياة الفضائية، إن هذا المسرح كان بوابة اكتشاف النجوم، ولم يكن يظهر عليه سوى من يمتلك الموهبة الفنية الحقيقية. كان ظهور سامية جمال على خشبته نابعاً من اقتناع مصابني بها إذ شعرت أنها ستكون راقصة مصر الأولى.

وأضاف: "منحت مصابني سامية جمال الفرصة الأولى وظهرت على المسرح واستقبلها الجمهور استقبالاً حافلاً، إلا أنها اضطربت ولم تستطع أن تتحرك خطوة واحدة وخذلت بديعة التي اضطرت إلى إنزال الستار".

لم يؤثر هذا الموقف على رأي مصابني فى سامية جمال إذ تمسكت بها أكثر وأحضرت لها مدربين على أعلى مستوى لتعليمها فنون الرقص الشرقي.

ظهرت سامية على المسرح بحذاء ذي كعب عال، وبعد أول خطوة كُسر الكعب فخلعته ورقصت حافية، وكان ذلك سبباً في تلقيبها بـ"الراقصة الحافية القدمين".

السينما تفتح ذراعيها

بعد النجاح الذي حققته سامية في الرقص بفرقة مصابني، ثم في ملهى "الرولز"، فتحت لها السينما ذراعيها، فشاركت في عدد من الأفلام كراقصة تؤدي في الفيلم ضمن مجموعة من الراقصات.

وروى طعيمة أن أول ظهور لها على شاشة السينما كان في مارس 1940، عندما عرفت من خلال الصحف أن فريد الأطرش سيقوم ببطولة فيلم مع شقيقته أسمهان بعنوان "انتصار الشباب"، فامتنعت عن الطعام لمدة يومين حتى توفر مبلغ 40 قرشاً قيمة أجر يومين في كازينو مصابني وتشتري باقة ورد كبيرة، وذهبت بها لتهنئة فريد في ستوديو "ناصيبيان" حيث كان يجري تصوير الفيلم.

أقوال جاهزة

شارك غردسامية جمال... حافية القدمين التي انطلقت بسرعة الصاروخ من كازينو بديعة مصابني إلى قصر عابدين

شارك غردقصص من حياة راقصة مصر الأولى: شائعات ارتباطها بالملك فاروق، وسبب تسميها بالراقصة حافية القدمين...

وهنالك، قام فريد الأطرش بتعريف سامية بالمخرج الذي طلب منها الدخول إلى غرفة المكياج وتجهيز نفسها للمشاركة في رقصة بالفيلم. واستطاعت بخفة دمها وضحكاتها التي نشرتها على المسرح أثناء الرقصة أن تلفت الأنظار إليها، وانطلقت بعد النجاح الكبير الذي حققه الفيلم لتقدم نفسها كممثلة  لا كراقصة.

وفي عام 1942 وقّعت سامية عقداً بسبعين جنيهاً للقيام ببطولة فيلم "من فات قديمه"، ولكنه سقط سقوطاً شنيعاً في حفلة العرض الأول له، لتعود سامية مرة أخرى للبحث عن أدوار الكومبارس حتى طلب الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب من المخرج محمد كريم أن يسند لسامية جمال دوراً صغيراً، فجعلها "أي المخرج" تمسك وسادة على هيئة جيتار ليغني عبد الوهاب "انسي الدنيا وريح بالك" في فيلم رصاصة في القلب الذي عرض عام 1944، ذكر طعيمة.

في عام 1945، شاركت مع عبد الوهاب أيضاً في فيلم "تاكسي وحنطور" الذي فتح لسامية طريق الشهرة والنجومية، إذ قدمت 83 فيلماً أشهرها "أحمر شفايف" و"الأحدب" و"حبيب العمر" و"الرجل الثاني" و"طريق الشيطان" الذي عرض عام 1963.

اختفت بعد ذلك عن الأنظار لمدة تسع سنوات، وهي المدة التي اعتزلت فيها التمثيل لرعاية رشدي أباظة وابنته عقب زواجها منه، لتعود عام 1972 بفيلمي "الشيطان والخريف" و"ساعة الصفر" وكلاهما لم يحقق أي نجاح يُذكر، فقررت سامية اعتزال السينما نهائياً.

حبيب العمر

تعد قصة حب سامية جمال وفريد الأطرش من أشهر قصص الحب في الوسط الفني المصري على مدار تاريخه، وكان الكل ينتظر أن تتكلل هذه المشاعر والأحاسيس بالزواج خاصة بعد نجاحهما الفني المشترك في عدد من الأفلام، وهذا ما كانت تأمله سامية، في الوقت الذي كان يرفضه الأطرش الذي رأى أن الزواج سيقضي على عاطفة الحب، وبالتالي سيضيع مصدر وحيه وإلهامه لألحانه، ذكر طعيمة في كتابه.

ويروي عشوب حكاية ارتبطت ببداية علاقة سامية بفريد، حيث كانت سامية ترقص في إحدى كازينوهات القاهرة، وقرر فريد أن يشاهدها واصطحب معه إحدى الفتيات التي كانت تنتمي لعائلة ثرية.

جلسا على منضدة بالقرب من المسرح، وعندما بدأت سامية الرقص، رأت الأطرش وبعثت له بإشارة بعينيها، فرد بابتسامة، ما تسبب في انفعال الفتاة التي أزاحت المنضدة وثارت ثائرتها ووجهت السباب والشتائم لسامية والأطرش معاً.

رغم فراق سامية جمال عن الأطرش، فقد ظل يمتدحها فى كل مناسبة يذكر فيها اسمها، كان من بينها حوار تلفزيوني في برنامج "نجوم ولقاء" عام 1972 قال فيه "سامية عايشة في قلوبنا لأنها فنانة وتمتاز بشخصية خفيفة الظل وتؤدي رقصات تعبيرية دون إثارة غرائز المشاهدين كما تفعل راقصات أخريات".

وفى لقاء تلفزيونى آخر وصفت سامية جمال فريد الأطرش بـ"حبيب العمر" وقالت "لم أكن أعاند فريد. هو كان عنيداً جداً ولكن بطريقة غير مؤذية وكان قلبه أبيض، وما زاد من حبنا لبعض في هذه الفترة هو حب الناس لعلاقتنا".

وحول آخر لقاء لها بفريد، قالت "رأيته قبل وفاته بشهر ونصف وكنت سعيدة لرؤيته. قال لي "أريد أن أقول لك شيئاً... أنا متضايق لأن المصحف ضاع مني (كان معه مصحف صغير يضعه في جيبه دائماً) ولو ما لقيتهوش هيحصل لي حاجة مش كويسة". وبعدها بشهر ونصف الشهر توفي.

الرقص في القصر الملكي

لاحقت سامية جمال شائعات ارتباطها بالملك فاروق الذي اختارها لتكون راقصة القصر الملكي. في كتابه "ليالي فاروق" أفرد مصطفى أمين فصلاً كاملاً عن سامية جمال قال فيه إن فاروق قرر أن يصادقها بعدما شاهدها في جلسة رومانسية مع فريد الأطرش في أحد المحال، وكان يكرهه رغم أنه (أي الملك) كان لا يحب سامية وكان يسميها "سمجة جمال".

اتصل أنطونيو بوللي مدير الشؤون الخصوصية بالقصر بمتعهد الحفلات مسيو رفائيل وطلب منه استدعاء سامية وفرقتها لإحياء حفل بقصر عابدين، وفي نفس الوقت أرسل لها رسولاً يخبرها أن الملك معجب بها. ذهبت وأحيت الحفل لكنها لم ترجع مع فرقتها وقضت الليلة مع فاروق، حسبما روى أمين.

استمرت علاقتها بالملك وإن ظلت على علاقتها بالأطرش، وضغطت عليه ليتزوجها فزادت المشكلات بينهما حتى انفصلا.

وفي حوار أجرته معها مجلة الكواكب بعد ثورة يوليو سئلت سامية عن حقيقة علاقتها بالملك فاروق فكان ردها "سامحهم الله أولئك الذين يغرمون باختراع الروايات. كل ما في الأمر أنني رقصت مرة بقصر عابدين كأي فنانة تدعى إلى حفلات القصر".

الهروب إلى أميركا

في برنامج "ممنوع من العرض" روى الفنان سمير صبري أنه بعد انفصال سامية عن فريد الأطرش شاركت في الفيلم الأمريكي "وادي الملوك" بطولة روبرت تيلور، وكان يتم تصويره في مصر، وسافرت إلى أمريكا لاستكمال التصوير، وهناك تزوجت من أمريكي يدعى "شبرد كينغ" بعدما جاء إلى القاهرة وأعلن إسلامه في الأزهر وغير اسمه إلى "عبد الله كينغ"، ثم سافرت معه إلى أمريكا وظلت هناك سنة كاملة. كان ذلك في عام 1951.

استطاع كينغ أن يحصل لسامية على عقود عمل في مسارح خمس عشرة ولاية أمريكية وبأجر خيالي، وتمكنت من أن تجمع ما يقرب من عشرة آلاف جنيه مصري مقابل رقصها فى الصالات، إضافة إلى اشتراكها برقصة في الفيلم الأمريكي "Valley of the king" كما كانت بطلة الفيلم الفرنسي "على بابا والأربعين حرامي"، ولكن الزوج الأمريكي استولى على أموالها وتغيرت معاملته لها فطلبت الطلاق وعادت إلى مصر بخفي حنين، ذكر طعيمة.

رشدي أباظة وابنته

شاركت سامية جمال في فيلم "الرجل الثاني" عام 1959 مع رشدي أباظة، ونشأت بينهما قصة حب قوية انتهت بزواجهما.

بدأت شخصيتها تتغير بسبب حبها الكبير له، ورفضت كثيراً من الأعمال التي عُرضت عليها، وتحولت إلى ربة منزل وأماً لـ"قسمت" ابنة رشدي أباظة من زوجته السابقة، فاهتمت بها ورعتها حتى كبرت.

وقال عشوب: "كانت تعامل رشدي أباظة كطفل شقي تعاقبه على نزواته وتسامحه، وعلى هذا المنوال سارت حياتهما الزوجية حتى انفصلا".

طلاق سامية وأباظة بعد 15 سنة زواج أرجعه طعيمة في كتابه إلى الخلافات التي تصاعدت بينهما على خلفية شائعات تدور عن علاقات رشدي بأخريات، إضافة إلى إدمانه شرب الخمور.

اعتزال وعودة ثم اعتزال

اعتزلت سامية جمال الرقص في أوائل السبعينيات وكانت وقتها في أواخر الأربعين من عمرها، وعندما كثرت أزماتها المالية وتراكمت الديون عليها اضطرت للموافقة على العرض الذي قدمه لها الفنان سمير صبري بالرقص في أحد الفنادق مع فرقة محمد أمين الموسيقية، وكانت في الستين من عمرها، حسبما ذكر طعيمة.

وبعد أن قامت سامية بجمع مبلغ من المال يؤمّن لها العيش بكرامة طوال الفترة الباقية من حياتها اعتزلت مرة ثانية عقب تكريمها في مهرجان تولوز بفرنسا.

الموت بالأنيميا

تسبب حرص سامية جمال على رشاقتها في أن تبتعد عن الطعام وتكتفي بوجبتين فقط في اليوم كان معظمها من الخضروات واللبن، لتصاب بالأنيميا، مما أدى إلى دخولها المستشفى قبل أربعة أشهر من وفاتها، إذ عانت من هبوط حاد في نسبة الهيموجلوبين بالدم.

وبسبب عنادها وإصرارها على الخروج من المستشفى دون استكمال العلاج أصيبت بجلطة في الوريد المغذي للأمعاء أدى إلى حدوث غرغرينا. وتطلّب الأمر إجراء عملية جراحية لاستئصال الأمعاء، إلا أن حالتها لم تتحسن وازدادت سوءاً حتى توفيت في الأول من ديسمبر 1994، بحسب طعيمة.

كلمات مفتاحية
فن مصر

التعليقات

المقال التالي