من لا يعرف قصص جحا... لسان حال العرب المقهورين؟

من لا يعرف قصص جحا... لسان حال العرب المقهورين؟

أمير البلد كان يزعم أنه شاعر، وما أكثر الذين نافقوه حتى صدق أنه شاعر الشعراء، وحدث أن أنشد ذات يوم قصيدة، فهلل المنافقون وشرعوا يتلمسون أوجه البيان والإعجاز فيها، بينما ظل جحا صامتاً، فسأله الأمير: ألم تعجبك؟ أليست بليغة؟ فقال جحا: ليست بها رائحة البلاغة، فثارت ثائرة المنافقين حتى غضب الأمير، فأمر بحبسه في الإسطبل، فمكث محبوساً مدة شهر، وفي يوم آخر نظم الأمير قصيدة وأنشدها وكان جحا حاضراً، فقام مسرعاً، فبادره الأمير: إلى أين يا هذا؟ فقال: إلى الإسطبل يا مولاي. (في مفاق الحاكم وفساد حاشيته).

بصرف النظر عن الخلاف حول أسطورية الشخصية أو حقيقتها، يظل جحا حاضراً دائماً في عهود الظلم والاستبداد، تستعيده العقلية الجمعية لتقول على لسانه ما لا تستطيع البوح به عبر نوادره التي تعبر عن أحوال الناس مهما اختلفت عصورهم.

وجحا موجود في كل الثقافات وبأسماء مختلفة، ففي الأدب الفارسي معروف باسم الملا نصر الدين، والأدب التركي نصر الدين خوجة.

قالت الدكتورة إيناس محمد عبد العزيز أستاذ الأدب الفارسي في جامعة القاهرة لرصيف22 إنه رغم اختلاف الثقافات، إلا أن نوادر جحا وأمثاله قريبة جداً بعضها من بعض، بل إن عدداً منها مجرد ترجمة من ثقافة لأخرى، وهذا معناه أن الشعوب تتشابه فيما بينها في المعاناة والأزمات والانكسارات.

وأوضحت أن نوادر جحا تختلف باختلاف الزمن، فهناك نوادر تعبر عن شيء ما في العصر الحديث، وأخرى عن العصر المغولي، وثالثة عن العباسي، ولذلك اختلف المؤرخون على تاريخ ظهور جحا التركي والعربي والفارسي، وذهب فريق إلى أن شخصيته أسطورية وليست حقيقية، فليس من المعقول أن يظهر فرد واحد في أزمنة متباعدة وعبر شخصيات متنوعة.

ربما وجدت شخصية جحا بالفعل في أحد العصور، ولكن الناس نسبوا إليها حكايات ونوادر وقالوا على لسانه ما لم يكونوا يستطيعون قوله لأسباب عديدة منها الخوف من السلطة، قالت عبد العزيز.

أقوال جاهزة

شارك غردنوادر جحا الضاحك المضحك، الشخصية الشعبية التي عبّرت عن بطش السلطات في العالم العربي

في كتابه "جحا العربي" قال الدكتور محمد رجب النجار إنه لم يكن عبثاً، أو من قبيل المصادفة أن يربط الوجدان العربي بين نموذجه الجحوي وبين تيارات الحياة العامة السياسية والاجتماعية، وأن يقول على لسانه رأيه في ما يدور حوله من أحداث، وأن يسجل باسمه موقفه من السلطة السياسية في عصور البطش والاستبداد.

بطش الحاكم ومسؤولية الناس عما حل بهم من بلاء

نوادر الرمز الجحوي مع السلطان تجسيد حي لكل ما تمر به عصور الظلم والاستبداد من قهر وكبت وخوف، إلا أنها في الوقت نفسه تحمّل الناس مسئولية البطش بهم وسلبهم لحرياتهم، بحسب النجار.

عندما استولى تيمورلنك على بلاد الأناضول أحضر علماء البلدة وفضلاءها وسألهم: أعادل أنا أم ظالم؟، فإن أجابوه "إنك عادل" ذبحهم، وإن قالوا "إنك ظالم" قتلهم، فضاق ذرعهم، وقصدوا جحا لما عرف به من الأجوبة السديدة الحاضرة، وقالوا له: لن ينقذنا من شر هذا الظالم غيرك... وبكل حيطة جاء إلى قصر تيمورلنك، وأعلموه أنه قد حضر من يقدر أن يجيب على سؤاله، فاحضروه أمامه وأورد عليه ذلك السؤال، فأجابه جحا: أنت لست ملكاً عادلاً، ولا باغياً ظالماً، فالظالمون نحن، وأنتم سيف العدل الذي سلطه الواحد القهار على الظالمين، فأعجب تيمور بهذا الجواب، وسر من شجاعة الشيخ واتخذه نديماً خاصاً له.

يذكر الرواة أن جحا استطاع أن ينقذ بلده ومواطنيه من بطش تيمورلنك وبغي عساكره، لكنه من أجل ذلك حمّل الناس المسؤولية عن واقعهم وعما حل بهم من بلاء.

وفي كتابه "أخبار جحا" أورد الدكتور عبد الستار أحمد فراج نادرة أخرى تدور في فلك الفكرة نفسها تقول إنه عندما استولى تيمور على الأناضول فر السكان من ظلمه واعتصموا بالجبال، وكان جحا وزوجته وولده مع الهاربين، وبينما شرعوا يذكرون مظالم المغول، اشترك جحا في الحديث فأخذ يعدد ما سيصيب الظالمين من العقاب في الآخرة، ويؤيد كلامه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبينما هم يتحاورون اندفع إليهم شخص كان يسمعهم خفية وقال بصوت جهوري: كلا أيها الشيخ، فإن ما قرأته من الآيات والأحاديث لا ريب فيه، ولكن سيف النقمة الإلهية لا يتسلط على من ذكرت، وإنما سلطه الله على أمثالكم ممن نزعت حميتهم، وضعفت همتهم، وقلت غيرتهم وأصبحوا لا اتفاق بينهم ولا اتحاد، فلما سمعوا هذا الكلام خافوا وذهلوا.

ونظر جحا إلى ذلك الرجل يتأمله ثم سأله: من أي بلاد أنت؟ وما اسمك؟ فصاح الرجل مزمجراً: أنا داهية ما وراء النهر واسمي تيمور، وما أتم كلامه حتى طار صواب جحا وقال له (متحامقاً): وهل يقترن باسمك خان أو مان؟ فزأر بغضب: أجل، فالتفت جحا إلى من حوله وقال: يا أمة محمد هلموا فصلوا على صلاة الجنازة.

أوضح النجار أن هذه النادرة تشير إلى ظلم المغول وبطشهم إلا أنها تبين أيضاً جبن جحا والناس، فهم في مقاومة سلبية، ولجأوا للجبال واعتصموا بالدين ملاذاً في أوقات الحرج، وبالأمل في عقاب الآخرة.

هل تعلم يا جحا أن خلفاء بني العباس كان لكل منهم لقب اختص به، فمنهم الموفق بالله، والمتوكل على الله، والمعتصم بالله، وما شابه ذلك، فلو كنت أنا واحداً منهم فماذا كان يجب أن أختار من هذه الألقاب، فأجابه جحا على الفور: يا صاحب الجلالة لا شك بأنك كنت تدعى بلقب "العياذ بالله".

القيمة الحقيقية للطاغية

نوادر عديدة تبرز القيمة الحقيقية للحاكم المستبد في نظر شعبه. ذكر عباس محمود العقاد واحدة منها في كتابه "جحا الضاحك المضحك". قال تيمورلنك لجحا يوماً: أتستطيع أن تخبرني كم أساوي من المال، فنظر جحا إليه متردداً ثم قال له: لا أظنك تساوي أقل من ألف دينار، فضحك تيمور حتى استلقى على ظهره ثم قال: إنك لم تبلغ في جوابك شيئاً، إن ملابسي وحدها تساوي ذلك المقدار من الدنانير. فقال جحا: لقد صدق ظني إذن، فما كنت أنظر من تقدير ثمنك إلا إلى هذه الملابس.

التحذير من التعاون مع السلطة

حذرت نوادر جحا من مصير المقتربين من السلطة أو المتعاونين معها. روى العقاد نادرة جاء فيها أن تيمور أراد أن يصادر أموال الحاكم بمدينة "آق شهر" فاتهمه باختلاس أموال الديوان، وأبرأ الحاكم بذمته بالحساب المكتوب على دفاتر من الورق السميك، فأخذها تيمور من يده ومزقها وأمره بابتلاعها، ثم أحال حكم المدينة إلى الخوجة نصر الدين.

وحان موعد الحساب، فجاءه الخوجة بجلود مطوية نشرها فوجد في طيها رقائق من الخبز مكتوباً عليها الحساب بالحلوى، فقال له تيمور: ما هذا؟ قال الخوجة: هذا الذي يحتمله جوفي يا سيدي، لأنني شيخ فانٍ ولست فتى شاباً كحاكمك القديم.

عدم سداد رأي الحاكم

كثير من النوادر أشارت إلى حماقة الحكام والمسئولين وسفههم واتخاذهم للقررات غير الصائبة. اصطحب تيمور جحا معه في أحد أيام الربيع ليحضر تعليم الجند رمي القوس والنشاب، وفي أثناء التدريب أراد تيمور أن يعبث به، فأمره أن يرمي هو أيضاً، وأن يصيب الهدف وإلا فالويل له، فاعتذر جحا فلم يقبل منه بل أجبره على الرمي، فأخذ القوس ورمى الهدف أول مرة فلم يصبه. فقال: وهكذا يرمي رئيس الشرطة عندنا، ثم صوب مرة أخرى فلم يصبه. فقال: وهكذا يرمي حاكم بلادنا، ولما رأى الثالثة صادف أن أصابت الهدف صاح قائلاً في افتخار: هكذا أرمي أنا. ذكر النجار.

مفاسد القضاء

ذكر النجار أن نوادر جحا صوّرت مدى الجور الذي يلحق بالناس عند غياب القانون إبان عصور القهر السياسي والعسكري، فأبرزت كثيراً من مفاسد القضاء والقضاة، واضطراب العدالة واختلال ميزانها.

في كتابه "نوادر جحا الكبرى" روى خليل حنا تادرس نادرة تقول إن بلدة جحا كان بها قاض سكير، خرج يوماً إلى المزارع، وسكر فخلع جبته وعمامته وألقاهما جانباً، وخرج جحا إلى التنزه فرأى القاضي على هذه الحال فاختطف الجبة ولبسها وذهب، ولما انتبه القاضي ولم يجد الجبة، رجع وكلف الحاجب أن يحضر له السارق.

بحث الحاجب فوجد جحا لابساً إياها فأخذه إلى القاضي، فسأله من أتيت بهذه الجبة؟ فقال جحا: ذهبت أمس مع بعض أصدقائي إلى المزارع فوجدت رجلاً سكيراً ملقى على الأرض في حالة مزرية، فأخذت جبته ولبستها، ويمكنني أن أثبت ذلك بشهود وأريك وأري الناس من هو هذا السكير، فقال القاضي لا نريد معرفة هذا السفيه، فالبس الجبة كما تشاء ولا شأن لي بصاحبها.

القاضي المرتشي

كان ببلد جحا قاض مشهور بالارتشاء، وكان لجحا عقد بيع يريد تصديقه من القاضي، وقد اتخذ كل الوسائل فما أمكنه أن يصدق عليه، فقدم جرة عسل كبيرة للقاضي، وعندما رآها القاضي خرج إلى محل الضيوف، وقابل جحا بكل ترحاب وختم العقد، فتناوله جحا وسار بعد أن نظر للقاضي نظرة ذات معنى، ولم يمض يومان حتى أهدى بعضهم إلى القاضي شيئاً من القشدة، فأسرع إلى الجرة وأدخل فيها المعلقة قاصداً إخراج شيء من العسل فلم يجد غير قطعة من الطين قد يبست في أسفل الجرة، فغضب القاضي وقال لحاجبه: أسرع وائتني بجحا، فذهب الحاجب إلى جحا وقال له: يا سيدي لقد وقع في تصديق العقد نقص، ويريد أخوكم القاضي إصلاحه وإعادته. فتبسم جحا في استهزاء وقال: ليس في العقد شيء من النقص، وإنما النقص في عقل مولانا القاضي، فأرجو أن يصلحه الله. روى النجار.

وفي حكاية أخرى قال أحد الأثرياء لجحا: إذا بصقت على وجه فلان وهو عدو لي فلك كذا درهم، فوافق جحا على ذلك، وذهب إلى الرجل وبصق على وجهه، فذهب بجحا إلى القاضي، ولما سأله، أجاب جحا قائلاً: إن لدي فرماناً يخول لي الحق في ذلك. فتعجب القاضي من ذلك وقال له: أرني الفرمان فدفع جحا إلى القاضي كيساً وفيه نصف المبلغ الذي أخذه من صاحبه الثري، وما إن أخذ القاضي الدراهم حتى ولى وجهه إلى الشاكي وقال له: حقاً لقد أبرز خصمك فرماناً يخول له الحق في أن يبصق على وجهك، وعلى وجوه الناس، بل على وجهي كذلك.

انهيار الأمن وسرقة الوطن

شاء الوجدان العربي أن يكون البيت الجحوي هدفاً دائماً للصوص، وأن يكون جحا مسروقاً لا سارقاً، وأن يكون في النهاية بيته رمزاً للبيت الكبير وهو الوطن الذي تعرض للسطو والنهب على يد شرذمة من الأجانب والدخلاء، حتى أصبح خاوياً لكثرة ما تناوب عليه اللصوص، حسبما قال النجار.

وروى النجار أن لصاً دخل بيت جحا وسرق جانباً من الأثاث، ولما خرج أخذ جحا بقية الأثاث وتبعه فالتفت السارق وراءه فوجده فقال له: ماذا تريد يا رجل؟ قال جحا: أنتقل من بيتنا إلى بيتكم، أنت أخذت جانباً من الأثاث وأنا حملت الباقي، وإن شاء الله غداً عند طلوع الشمس يجيء الأولاد والنسوان كلهم، إنهم فرحون جداً لأنهم سيتركون بيتنا الخرب، فتحيّر اللص وقال: خذ مالك وأرحني من شرك.

وفي نادرة أخرى ذهب جحا ليستحم في النهر، فنزل وترك ملابسه على الضفة فسرقها اللصوص، فعاد إلى منزله عرياناً، وبعد أيام ذهب إلى النهر ونزل فيه بملابسه فقال له أصحابه: ما هذا يا جحا؟ فقال: لأن تبتل ثيابي على خير من أن تكون جافة على غيري.

التعليقات

المقال التالي