لا مساحة للرسم السياسي الساخر في تونس

لا مساحة للرسم السياسي الساخر في تونس

الرسم السياسي الساخر فن شبه مغيّب في تونس، ولكن لا أحد يستطيع إخفاء قيمته الجمالية، أو إنكار سطوته في التأثير الجماهيري.

أسئلة عديدة تطرح أمام ازدراء هذا الفن، فما الذي يجعل فناً جماهيرياً مثل الكاريكاتير مستبعداً وغير مرغوب فيه إلا عند الضرورة القصوى؟ ولماذا يلقى تهميشاً وإقصاء؟

ما يمكن ملاحظته بيسر، خلال قراءة عجلى لمدونة الكاريكاتير في تونس، أن جل الرسامين الساخرين، يجدون قبولاً في الصحف الناطقة باللسان الفرنسي، وهي قليلة الانتشار.

في مقابل ذلك تكاد الصحف الصادرة باللغة العربية تهمل الكاريكاتير. وحتى إن حفلت به، فمستوى الرسوم متواضع فنياً، أو مساحتها ضيقة وغير مبرزة.

ما بعد 14 يناير 2011، تاريخ هروب الرئيس السابق بن علي، سجلت صحيفة "المغرب" إقبالاً محتشماً على الرسم السياسي الساخر، فأصبحت رسوم الرسامين الساخرين التونسيين تحتل الصفحة الأولى وبالألوان الزاهية.

هذه التجربة الرائدة التي أعطت الرسم الساخر مركز الصدارة، تراجعت سريعاً في الصحف العربية، وتعززت في الصحف باللغة الفرنسية كصحيفة "الجرأة" L'Audace.

"زاد" إمضاء مخفي ما بعد الثورة

تكاد حالة الرسام الساخر "زاد" المقيم بفرنسا، تلخص بدقة وضع الكاريكاتير في تونس. فهو إلى اليوم لا يزال يمضي أعماله بحرف "زاد" Z، وهو الرمز نفسه، الذي كان يتخذه في زمن بن علي.

ورغم إقامته الدائمة بباريس، يتخذ "زاد" من المواضيع السياسية الساخنة للبلاد مواضيع لرسومه. ويبدو أن مسألة إخفاء اسمه، ساعدته على العمل بحرية أكثر، والتعمق في طرح المزيد من الإحراجات لرجال السياسة.

112062109

وينفي "زاد"، صاحب مدونة Debatunisie، أن يكون عمله بالمهجر متعلقاً بضرورات منع، أو سلامة حياته، بل يرجعه إلى انشغاله بمجال الهندسة المعمارية بفرنسا، في حين يبقى الرسم الساخر من اهتماماته الثانوية.

ويعلل سبب عدم استساغة الصحف العربية لرسومه، وعدم  نشرها، بأنه لا يعود إلى الصحف المكتوبة باللغة الفرنسية في حد ذاتها، بل إلى مكانة الرسامين الكاريكاتوريين في الثقافة الفرنكفونية.

وهو يرى أن المخاوف من الرسوم في الصحافة، لا ترتبط بالمشاكل التي أثارها الاستهزاء من بعض المواضيع الدينية، مثل استفزازات المجلة الفرنسية الشهيرة شارلي هيبدو، بل إن الصحافة العربية بقيت لسنوات طويلة تخشى من ريشة الفنان الكاريكاتيري في أزمنة الدكتاتورية ومقص الرقابة.

فنان أو "عجلة خامسة"

أما الرسام توفيق عمران المقيم في تونس والعامل بشكل حر، فيرى أن الصحف المشغلة للرسامين، تنقسم مناصفةً تقريباً بين اللغتين العربية والفرنسية. والواقع أن الصحف المعنية هي مؤسسات موحدة. فصحيفة الصباح مثلاً تصدر نشرة لها بالفرنسية، هي "Le Temps"، وجريدة الصحافة تصدر "La Presse"، وصحيفة الأخبار لها نشرة فرنسية أيضاً هي "Tunis Hebdo".

Omrane2

ويتيح ذلك لهذه الصحف، ضرورة أن تقيم معادلة، أي أن تشغل رسامين لكل طبعة من منشوراتها. ومشكلة الكاريكاتير في تونس تكمن في أن ممولي الصحف لا يريدون تشغيل رسامين، لقناعتهم أن "الكاريكاتوريست" هو "عجلة خامسة"، لا يتم اللجوء إليه إلا لسد الفراغ بالصحيفة.

تجاه هذا المأزق، يفضل توفيق عمران أن يعرض رسومه لمستخدمي فيسبوك مجاناً، ليتخلص من الخط التحريري والضغوط التي تملى على فنان الكاريكاتير.

DSC_0863

ويوضح عمران أن المدرسة التقليدية تعتبر أن الصحيفة تتكون من النص والصورة، بينما النظرة الحداثية تتمسك بأن الصحيفة تتكون من النص والصورة والكاريكاتير.

وبتحليل وضع الرسم الساخر في الإعلام التونسي، نستخلص أن الممول لم يرتقِ إلى مصاف الحداثة، وبقي كلاسيكياً، لم يقتنع بدور "الكاريكاتيريست". لذلك يعتبر عمران أن: "التيار سيجرف من لا يواكب الحداثة، ويكون مآله التلاشي".

المدونات الشخصية ملاذاً

مثل "زاد"، وجد الرسام الساخر "أدونوف" ضالته في المجلات الصادرة باللغة الفرنسية في فترة محدودة. واختيار "أدونوف" لهذا الاسم هو دلالة صارخة على مدى الاحتشام والحيطة والتوجس، من مزالق فن الكاريكاتير.

فمن ناحية، يتعلق الرسام بعمله وبالريشة والألوان، ومن ناحية أخرى، يدرك تماماً قلة رواجه، والخشية مما قد يترتب على الخوض في مجالات واسعة للحرية والجرأة، والمناورة والنقد.

حتى الصحف الناطقة بالفرنسية، التي تشكل ملاذاً لهؤلاء الفنانين، هي بدورها رهينة عبث مسيرها، وعسر رواجها في فضاء معولم، يعتمد على صورة الفضائيات والألواح الرقمية. ويؤدي هشاشة العمل في الصحف، إلى البحث عن قناة توصيل مضمونة بعض الشيء، لدى فنان الكاريكاتير، ليمارس إبداعه.

تتميز رسوم "أدونوف" بالجنوح إلى التبسيط في تقنية العمل، من خلال استعمال قلم الرصاص، ثم قلم تلوين أسود، ثم القيام بتحسين الرسم بواسطة المعالجة الرقمية للصور، بعد طبعها على ورق خاص.

وإذا كانت الصحافة المكتوبة لا تشكل مستقبلاً منظوراً للرسم الكاريكاتوري، فإن معظم الرسامين الكاريكاتوريين، ينشرون أعمالهم عبر حسابات على الإنترنت، بدل نشرها ورقياً، ما يوفر لهم انتشاراً واسعاً، ويجعلهم في متناول عدد كبير من القراء.

فلا تستطيع أي جهة نافذة أو تسلطية، السيطرة على الفنان، لا سيما إذا نشر أعماله عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وهو الخيار نفسه، الذي اتبعته نادية ذهب، صاحبة مدونة La Bulle de Dlog.

16107236_1200314240006123_2127591629728818293_o

تستفيد نادية من مشاركاتها في بعض نشاطات التجمع التونسي للرسوم المتحركة Lab619، وهو مخبر يعتمد الصور المتحركة وليس الكاريكاتير.

يصدر هذا المخبر أعمال الفنانين في مجلة تحمل الاسم نفسه، وهي مجلة حديثة، ترى لأول مرة في تاريخ تونس، ظهرت سنة 2013.

أما عن الإقصاء الذي يعيشه رسام الكاريكاتير، فتقول نادية: "إن الرسم الساخر ليس عملاً محجراً، بل مهنة دائمة التصادم مع التابوهات المجتمعية، ذات الصلة بالدين والسياسة والجنس والعري، إضافة إلى وقوفها سداً منيعاً ضد تجاوزات بعض المسؤولين".

أما نضال الغرياني، فينشر أعماله في صفحته eRevolution.tn على فيسبوك، وبعض الصحف الإلكترونية مثل نواة Nawat. ويقول إن هناك مواقع إلكترونية أوقفت التعامل معه، على الرغم من أنه يقدم لها أعمالاً مجانية، وذلك لأن بعض رسومه تنتقد بعض الممولين لهذه الصحف.

وينشط الغرياني ضمن مجموعة Lab619 التي تضم نحو 30 رساماً منذ نشأتها. وبالإضافة لنادية ذهب، تضم المجموعة عدة وجوه مثل معز طابية وعبير قاسمي وصدري خياري وندى دقدوق وغيرهم.

إزاء عدم رواج فن الكاريكاتير أو المنع وتكثيف الرقابة، يجد الرسام الساخر نفسه مجبراً على القيام بعمل آخر غير فنه، كفن الصور المتحركة أو التصميم. كما أن بعض فناني الكاريكاتير توقفوا تماماً عن الرسم، مثل عادل زازة الذي شارك في تحرير صحيفة "القطوس"، التي لم تعمر طويلاً.

رشيد الحسني

كاتب صحفي ومهتم بالنقد السينمائي والتشكيلي. باحث جامعي يعد رسالة تتعلق بالصحافة العربية في المهجر. عمل محررا بعدة مواقع الكترونية وترأس اقساما بصحف محلية ودولية. كما عمل مراسلا اذاعيا ومعدا لبرامج ثقافية تلفزيونية.

كلمات مفتاحية
تونس ثقافة

التعليقات

المقال التالي