بطل السيرة الهلالية في كل بلد: شجاع أو خائن أو فارس

بطل السيرة الهلالية في كل بلد: شجاع أو خائن أو فارس

تنفرد السيرة الهلالية عن باقي السِيَر التي رصدت تاريخ الشعوب أو حياة بطل، بأنها عمل فني قبل أن يكون رصداً تاريخياً، وهو ما جعلها مستمرة حتى الآن تتعايش وتتجانس مع الحاضر، لما بها من قيم ومعانٍ يسعد بسماعها الجمهور.

ما يميز السيرة الهلالية هو عدم ارتباطها حرفياً باسم بطل واحد، فكل شخص ومنطقة تختار بطلها. في بلاد المغرب البطل هو الزناتي خليفة، فيما نجد أبو زيد الهلالي هو البطل في المشرق العربي، وفي الجنوب هو ذياب بن غانم.

وتعد "السيرة الهلالية" الملحمة الشعبية الأكثر ثراءً وتشويقاً في وجدان المستمع لما تحتويه من بطولات متنوعة ومغامرات. وتتكون من مليون بيت شعر يرصد حياة القبائل الهلالية في شبه الجزيرة العربية في الجزئين الأول والثاني، وفي جزئها الثالث الأشهر (التغريبة) تتناول انتقال 450 ألف شخص تقريباً إلى تونس للبحث عن أرضٍ جديدة. وقد جرى ذلك خلال حكم الخليفة المستنصر بالله في عهد الدولة الفاطمية.

وكتب ابن خلدون أن الانتقال من نجد إلى تونس جرى بتحريض من الخليفة المستنصر بالله حتى يضعف الدولة الصنهاجية في المغرب العربي بعد خروجها من كنف الدولة الفاطمية.

وقد جعل تنوّع الأحداث وانتقال الصراع بين أبطالها السيرة الهلالية تتربع على عرش السير الشعبية.

العرب و"أبو زيد" ناصر "الغلابة"

أبو زيد الهلالي بكل تأكيد هو صاحب النصيب الأكبر من السيرة الهلالية لما بها من رصد لحياته بداية من مولده وصراعه مع أهله والانتقال إلى تونس وقتله ثم أخيراً أخذ ابنه زايد بالثأر من قاتله.

عاش أبو زيد الهلالي حياة عصيبة منذ ولادته، فأنكر أبوه نسبه واتهم أمه خضرة الشريفة بالزنا، وطردها من القبيلة.

لم تتأثر الأم وعلمت أبنها الفروسية والقتال، وبعد أن يتم أبو زيد بلوغه يعيد أمه إلى القبيلة بعد أن يقتل عمه. فحياته المليئة بالمآسي والصعاب والاضطهاد الذي ناله للونه الأسود جعلت منه بطلاً يدافع عن المظلوم ويسعى لنظرة الحق.

"الهيمنة الكبرى لأبي زيد الهلالي لأن السيرة تُنسب له من بداية الرحلة بأرض نجد مروراً بالعراق ثم بلاد الشام ثم فلسطين وصولاً إلى مصر حتى وصل إلى بلاد المغرب، وبعض الروايات تقول إنه وصل إلى بلاد الأندلس، وتأييد محبي السيرة لأبو زيد يعود لقوته وشجاعته في أرض المعركة بالإضافة إلى علمه بالنجوم والفلك"، بحسب الباحث في الأدب الشعبي مسعود شومان.

وأضاف شومان لرصيف22، "البطل يحمل قيم الشعب الذي يروي سيرته، فإنه يرتدي زي كل مكان يمكث فيه، ويلبس روح الطبيعة الثقافية والجغرافيا. ففي فلسطين منذ وقت قريب لم يكن أبو زيد الهلالي يحمل سيفاً ولكنه كان يمسك مسدساً، ليحرر أرضه، فالأمر يتطور ويواكب كل عصر، السمات الجيدة لشخصية أبو زيد جعلت كل مجتمع يستدعيه عندما يحتاج إلى بطل شجاع ليخلص الناس مما يعانون منه، في صورة تتوافق مع وضعه الحالي".

ويرى شومان أن الجماعة الشعبية إذا لم تجد بطلاً لاخترعت بطلها الخاص لتنتفض به، فيحمل هذا البطل الهموم والحكمة والقضايا والأحلام والعادات والتقاليد والقيم نيابة عن جماعته، وبالتالي فعندما تنتصر منطقة أو مجموعة من الأفراد لشخصية الزناتي خليفة أو أبو زيد الهلالي أو دياب بن غانم، فإنهم يرون أن هذه صورة البطل التي يجب أن يكونوا عليها.

تونس و"الزناتي" رادع الغزاة

الزناتي خليفة أو أسد المغارب شخصية أسطورية تجسدت فيها ملامح الحاكم القوي، الرافض للتنازل عن أرضه أمام العرب الغزاة خلال حصار دام 14 عاماً. تجلى اسمه في جزء من السيرة الهلالية وهو ما دفع التوانسة إلى تنصيبه بطلاً للسيرة الهلالية بدلاً عن أبو زيد الهلالي، بالرغم من أن تجليه كان في الجزء الثالث المعروف باسم "التغريبة".

أقوال جاهزة

شارك غردالسيرة الهلالية، الملحمة الشعبية الأكثر ثراءً وتشويقاً في الثقافة العربية..

شارك غردتعيد كل ثقافة رواية السيرة الهلالية على طريقتها، ففي فلسطين، لا يحمل أبو زيد الهلالي اليوم سيفا بل مسدسا

"كل منطقة جغرافية تؤيد بطلها الذي يحمي أرضها من أي غازٍ ويردع أي دخيل، وهذا يظهر في اختيار بلاد المغرب لشخصية الزناتي خليفة كبطل للسيرة الهلالية، فالزناتي كان يدافع عن الأرض ضد العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية لغزو تونس والعيش فيها"، هكذا اعتبر الدكتور صلاح الراوي، الأستاذ بمعهد الفنون الشعبية.

وأضاف لرصيف22 أن كل من روايتي مصر وتونس لها وجهة نظر لترجح البطولة، فأنصار أبو زيد يحزنون لموت الخفاجي عامر إبان رحلته من العراق إلى تونس، بينما التوانسة لا يحزنون لأنه شخصية غازية، فيما يحظى الزناتي خليفة بتأييد جماهيري داخل مصر، لما أبداه من تقدير واحترام لخصمه أبو زيد ولدفاعه المستميت عن أرضه طوال 14 عاماً، بالإضافة إلى تمنيه الموت على يد خصمه أبو زيد الهلالي.

يقول الزناتى والزناتى خليفة..  نفس الفتى لا بدها من زوالها

يقول وقلبه طار من مستقره.. الأيام والدنيا سريع زوالها

الأيام والدنيا كفى الله شرها.. تطوى عزيزاً ثم تطوى أرذالها

في رملة البيضا ودنية منيتي.. في يد دياب ليت أبا زيد نالها

ألا يالزناتيات ابكوا خليفة.. وقولوا وا خراب الدار عقب اعتدالها

وأحياناً، يغلب حب البطل على حب الذات. وروى شومان حكاية طريفة مفادها أن أحد الأشخاص في صعيد مصر، بعد أن باع بقرة في السوق بملغ مالي، حضر مجلساً تُحكى فيه السيرة الهلالية. وخلال سرد الرواي لمعركة انتصر فيها الزناتي خليفة على أبو زيد الهلالي، ظل يرمي هذا الرجل ماله على الرواي في كل مرة يفوز بها الزناتي خليفة، حتى نفد كل ماله ورجع خاوي اليدين.

"ذياب" حلة الصعود والتأييد العرقي

لعلّ شخصية ذياب بن غانم أكثر الشخصيات جدلاً لما اقترفه من مكائد وخيانة وخسة في السيرة، لكن محبيه يعتبرونه بطلاً يسعى بأي شكل للوصول إلى السلطة.

وكان ذياب بن غانم الهلالي الهوزاني من أمهر وأشجع فرسان بني هلال، وانتقل مع أبوزيد الهلالي إلى تونس وكان على رأس قبيلة زغابة، ويذكر أن له الفضل في دخول تونس بعد أن قتل الزناتي خليفة.

أغلب الروايات تعتبر ذياب بن غانم خائناً، إلا أن هناك تأييداً ليس بقليل لبطولاته وانتصاراته جنوب الوطن العربي، وهو ما فسره الباحث في الأدب الشعبي مسعود شومان قائلاً: "يكون ذلك بدافع عرقي غالب على أفعاله الظاهرة، ونجد ذلك لدى قبائل الهوارة التي تنتشر في سوهاج وقنا بصعيد مصر".

"ذياب بطل في السيرة لكنه لم يرتق ليصبح بطلاً شعبياً يحتذي به الجميع، إلا أن روايات السيرة في صعيد مصر وتشاد ونيجيريا جعلته بطلاً لوجود أصول عرقية لقبيلة الزغابة، ولبراعته في الفروسية ومهارته القتالية، وفي المقابل كثرة خيانته ومكره وقتلة للسطان حسن ولأبناء قبيلته ليستولي على الحكم في تونس جعلت منه مثلاً للغدر، ويذكر ديوان الأيتام في السيرة أنه كاد يقتل النساء الحوامل حتى لا يخرج منهن رجل يقتله، إلا أن الجازية استطاعت أن تخفيهن" بحسب أبو الليل.

وقال الراوي إن: "الاختيار القبلي والعرقي يسيطر على رغبات المستمعين في أحيان كثيرة، لكن دون إنكار لبطولات الشخصيات الأخرى داخل السيرة، ففي صعيد مصر يوجد تأييد كبير لشخصية ذياب بن غانم، بالإضافة إلى محافظة مطروح لأنهم أمتداد لقبيلة "سليم" التي انتقلت مع قبيلة هلال من نجد إلى تونس".

وبالرغم من قلة انتصاراته أيضاً يجد البعض فيها انتصاراً مجازياً، فهو ليس صاحب شأن كبير كأبي زيد الهلالي ولا يملك حب من حوله في السيرة. يحاول أن يسعى من أسفل إلى أعلى، فيعتبرون أن ذلك تجسيد لحياتهم البائسة، ويتم تبرير أي من أفعاله بفعل الطبيعة القبلية والعرقية.

وفسر شومان ذلك بأنه وجهات نظر، ففي أي معركة بين طرفين ينتصر خلالها كل فرد لذاته أو للطرف الذي يراه على صواب. بالرغم من أنه خائن، فإن محبيه يعتبرون أفعاله حنكة وبراعة، فالحرب خدعة، وانتصار "ذياب" يمثل انتصاراً للشخصيات الحقودة التي تخدع من حولها لتصل إلى السلطة والحكم مهما كان السبيل.

"سكة أبو زيد كلها مسالك"

واتفق مع شومان الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة، ومؤلف كتاب "السيرة الهلالية دراسة للراوي والرواية"، في أن وجهة نظر الجماعة تتغلب أحياناً على الواقع، فبالرغم من أن "ذياب" أكثر فروسية ومهارة من أبو زيد إلا أن الأخير يحتذى به في الكرم والوفاء وأطلق عليه "منصف الغلبان" لأن المعارك التي خاضها كانت لتحقيق الكرامة والحق، الأمر الذي جعل العامة تصنع من تاريخه أمثالاً.

لماذا تتغير الرواية والبطل؟

قال شومان: "يوجد تغيير في الرواية وفي طريقة الحكي بين بلاد المغرب وبلاد الحجاز ومصر لأن السيرة ليست تاريخاً"، فبالرغم من أنها تحتوي على جزء تاريخي إلا أنها عمل فني، وبعض الأحداث مفتوحة أمام الراوي للإبداع بها. لكن الشخصيات الأساسية لا تتغير مطلقاً مثل أبو زيد الهلالي، وشيحة، والجازية، وأبو القمصان، والزناتي خليفة، وتسمى "عضم القصة"، أما التغيير فهو في الحكايات الفرعية أو حكايات الطريق.

ويذكر صلاح الرواي أن السيرة تتضمن أجيالاً كثراً ومناطق جغرافية كبرى، وشخصيات متعددة، فهي سيرة أجيال وشعوب، بدءاً من انتقال القبائل من نجد في (المملكة العربية السعودية) إلى بلاد المغرب (تونس) وفي بعض الروايات إلى الأندلس (إسبانيا) ودخول أبو زيد مع اليهود والروم في حرب ومعارك، واختلاف البيئة الجغرافية واحتكاكهم بثقافة مغايرة، كل ذلك خلق تنوعاً لسمات الشخصيات وتناولها من جانب كل مجتمع بحسب رؤيته.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي