شهادات من الكتاتيب... كيف كان المسيحيّون في مصر يحفظون القرآن؟

شهادات من الكتاتيب... كيف كان المسيحيّون في مصر يحفظون القرآن؟

ثمة روح مصرية توارثتها أجيال وراء أجيال، قبل أن يغزو الفكر الوهابي المنطقة العربية، وتتحوّل معه موروثات التعايش وحب الاختلاف لصدام مباشر.

في مصر، وقبل سنوات طويلة من انتشار النزعة المتشددة، كان مسيحيون يتعلمون القرآن في الكتاتيب (مكاتب لتعليم القرآن وتجويده وتعلم اللغة العربية)، إما لتعلم اللغة العربية الفصيحة، والتمكن في النحو والصرف، أو لتعلم مخارج الحروف، أو تقليداً لغالبية الأطفال، الذين يذهبون للكتاتيب، وربما منهم من أراد أن يتعرف إلى طبيعة الكتاتيب، وإلى القرآن عن قرب.

إيفلين تدرس بكتّاب الشيخ أحمد الورقي

البداية مع الفنانة التشكيلية إيفلين عشم الله، التي تروي لرصيف22 كيف كانت علاقتها بالكتاب في مدينة البحيرة، حيث نشأت. تقول إن كتّاب الشيخ أحمد الورقي كان مجاوراً لمنزل أسرتها، فتعلقت به، وكان يتردد إليه الأطفال. وقرر والدها إرسالها للكتّاب، حتى يقوم بتحسين لغتها العربية، وحفظ الآيات المقررة في المدرسة.

تشير إيفيلن إلى أن تلك الآيات التي كانت تدرسها في المدرسة، لم تكن تتعارض مع عقيدتها المسيحية، لذا لم يتردد والدها في إرسالها للكتّاب.

"مصر لم تخلُ يوماً من التعصب حتى في أيام طفولتنا في ستينيات القرن الماضي، لكن الغالبية من الناس كانت تسود بينهم روح الليبرالية، واتصال بالحضارة الأوروبية"، هكذا تفسر إيفلين سماح أهلها لها بتعلم القرآن.

وتضيف أن جدتها كانت تنذر شموعاً لسيدي إبراهيم الدسوقي (إمام متصوف، له مقام في مصر يزوره العوام والمتصوفة). وتؤكد أن جميع أجدادها ذهبوا إلى الكتاتيب وتعلموا فيها اللغة العربية وحفظوا القرآن.

كما لفتت الفنانة التشكيلية إلى أن والدها كان حافظاً للقرآن، ويحب سماع الشيخ عبدالباسط عبدالصمد.

تفسر إيفلين انتشار روح التعصب في مصر بانتشار الفكر الوهاب، في ثمانينات القرن الماضي، بعد أن زادت هجرة المصريين إلى السعودية للعمل فيها، فتأثر المجتمع المصري بتلك الروح البدوية.

علاقة أمير إسحاق بالقرآن

أمير إسحاق اسطفانيوس، هو مهندس مصري مهاجر للنمسا، يروي لرصيف22، كيف كانت علاقته وطيدة بالقرآن: "بدأت علاقتي مع القرآن في مرحلة التعليم الابتدائية، فكان فضيلة الشيخ دسوقي، وهو شيخ أزهري مدرس اللغة العربية بمدرسة أبي بكر الصديق الابتدائية بالمنيا، زميلاً لوالدتي التي كانت تعمل في المدرسة نفسها".

ويقول: "كان يزورنا في منزلنا وكنت طفلاً صغيراً في المرحلة الابتدائية، أجلس عند قدميه قارئاً لبعض آيات القرآن التي كانت مقررة ضمن منهج اللغة العربية في مرحلة التعليم الابتدائي، وهو كان يحسّن لي مخارج الألفاظ والتشكيل وأسلوب الإلقاء".

أقوال جاهزة

شارك غردفي مصر، وقبل سنوات من انتشار النزعة المتطرفة، كان مسيحيون يتعلمون القرآن في الكتاتيب

شارك غردقبل 20 سنة، كان المسيحيون حين تحدث بينهم حالة وفاة، يقومون بإحياء عزاء على طريقة المسلمين ويستمعون للقرآن

يضيف: "أحببتُ اللغة العربية وواظبت على القراءة وحفظ الأشعار وآيات القرآن، خصوصاً التي لا تختلف في محتواها عن عقيدتي المسيحية والتي تسبّح وتعظم الله" .

ويؤكد اسطفانيوس: "في الثانوية العامة كان إذا ما زار فصلنا مفتش اللغة العربية، يختارني مدرس اللغة العربية، وهو شيخ ملتحٍ، لإلقاء آيات القرآن وأبيات الشعر، نظراً لإتقاني اللغة ولحسن مخارج الألفاظ لدي، وإلمامي بقواعد النحو والصرف".

ويضيف: "الآن وبعد مرور أعوام، وتغربي ثمانية وعشرين عاماً في دولة يتحدث أهلها اللغة الألمانية، لا أزال أتقن لغتنا العربية، وأذكر بالفضل والعرفان هذين الشيخين الجليلين اللذين وضعا فيّ بذرة العلم و اللغة".

لكن الأمر لم يدم على استقامته طويلاً، فتعرض اسطافنيوس لسياسة عنصرية من الجماعات الإسلامية في الجامعة مطلع الثمانينات. يقول: "في مارس 1980 تم احتجازي مع عشرة طلاب مسيحيين في مبنى د، بالمدينة الجامعية بأسيوط. وكان شيخ الجماعة عاصم عبد الماجد (قيادي إسلامي هارب خارج مصر)، هو وراء ذلك. وتم وضعنا في غرفة مغلقة من التاسعة مساءً حتى الفجر، ثم عشنا أحداثاً مؤلمة في أسيوط والمنيا".

ويضيف: "لكن ثورة 25 يناير، أظهرت المعدن النقي للشعب، وتضامن المسيحيين والمسلمين، ثم كان لفترة حكم الإخوان خبرتها السيئة لدى سكان المحافظتين الذين رأوا تنامي التيار الراديكالي، الذي انتهى نهاية مؤلمة، بحرق كنائس ومنشآت مسيحية في المنيا، وبعض محافظات الصعيد".

مارينا: حفظت القرآن لضبط الأداء الإذاعي

مارينا جميل المصري، مذيعة مصرية تعمل بإذاعة راديو هيتس، وتقدم برنامج "صباح ON" على قناة ON TV، تحكي أنها كانت تحفظ القرآن الكريم لضبط لغتها الفصيحة، لأن القرآن لهجته فصيحة جداً.

وقالت لرصيف22 إن أي مذيع واجب عليه تعلم القرآن لضبط لغته الفصيحة، وهي كانت تتدرب مع مذيع يدعى أحمد مدني، أوصاها بحفظ القرآن، وبالفعل حفظت بعضاً منه، وقالت إن لغتها الفصحى تحسنت كثيراً.

وتضيف مارينا أنها درست في مدارس راهبات، وكان معها مسلمون، وكانت إدارة المدرسة تجمعهم في صباح كل يوم للصلاة معاً: "نرفع أيدينا للسماء وندعي بأن يحفظنا الإله ويبارك يومنا"، ومن هنا تأسس لديها وعي الانفتاح على الآخر.

وتؤكد أن دراستها للقرآن لم تضايق أهلها، بل على العكس، "فعمق الإيمان، هو أن تصبح مقتنعاً بدينك على الرغم من معرفتك بالأديان الأخرى ودراستك المتأنية لها".

وتفسّر مارينا انتشار ظاهرة التطرف الديني وعدم تقبل الآخر في المجتمع، بأن الخطاب الديني الإسلامي والمسيحي هو السبب في ذلك، متهمة الشيوخ والقساوسة بإذكاء نار الفتن، مع انتشار الجهل وتراجع التعليم. بالإضافة إلى أن القانون في مصر لا يطبق حتى يردع المتجاوزين.

عزاء مسيحي على طريقة المسلمين

متولي محمد، مدرس الخطوط العربية بالمعاهد الأزهرية (تابعة لمؤسسة الأزهر)، يروي لرصيف22، أن في قريته المسماة "الكوم الأحمر"، في محافظة الجيزة (شمال مصر) قديماً، كان المسيحيون حين تحدث بينهم حالة وفاة، يقومون بإحياء عزاء على طريقة المسلمين فيأتون بأحد قرّاء القرآن ذوي الأصوات الجهورية الجميلة، يقرأ من القرآن، ويذهب المسلمون لتأدية واجب العزاء عقب صلاتي المغرب والعشاء.

يضيف متولي أن هذه العادة استمرت فترة طويلة احتراماً للمسلمين الذين يشاركون في العزاء، إلا أنها اختفت في الفترة الحالية.

وبحسب محمد، فإن المقرئ الذي كان يقرأ القرآن في العزاء، كان ينتقي من سور القرآن ما لا يتعارض مع عقيدة المسيحيين، بأن يقرأ مثلاً سورة مريم وغيرها من السور التي تحث على نشر القيم الفضيلة.

يؤكد متولي أن تلك العادة انتهت منذ ما يقرب العشرين عاماً، بعد أن بدأت الفتن الطائفية بنهاية عهد الرئيس السادات، فحينذاك، بحسب ما يروي، بدأ المصريون يدركون أن هذا مسلم وذاك مسيحي، وبدأ بناء جدار عازل بين الطرفين.

كلمات مفتاحية
المسيحية مصر

التعليقات

المقال التالي