العرب وآثار مصر: أساطير وتنقيب ولعنات

العرب وآثار مصر: أساطير وتنقيب ولعنات

تضمنت كتابات المؤرخين والرحالة العرب عن الآثار الفرعونية بعد دخول الإسلام مصر الكثير من الأساطير. وقد دفع ذيوع هذه الحكايات كثيرين إلى التنقيب عن هذه الكنوز التي استغلها بعض الحكام في توطيد حكمه واتساع رقعة دولته.

الأهرام وطوفان نوح

All Giza Pyramids All Giza Pyramids

شاعت حول أهرام مصر أقاويل ونظريات كثيرة اعتنقها الرحالة والمؤرخون العرب القدامى.

وقال الدكتور عمرو عبد العزيز منير في كتابه "مصر في الأساطير العربية" الذي سنعتمد عليه في هذا الموضوع، إنهم تركوا سيلاً من الافتراضات تتناقض في ما بينها، خصوصاً عندما كانوا يشيرون إلى أسباب تشييدها والكيفية التي شيدت بها وإن دارت كلها حول قصة الطوفان.

واتفق المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" وجلال الدين السيوطي في كتابه "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة" على أن من بنى الأهرام هو سوريد بن سلهوق بن شرياق ملك مصر، وكان ذلك قبل الطوفان بثلاثمئة سنة، وسبب ذلك أنه رأى في منامه كأن الأرض انقلبت بأهلها، وكأن الناس هاربون على وجوههم، وكأن الكواكب تساقطت، ويصدم بعضها بعضاً بأصوات هائلة، فأغمه ذلك وكتمه، ثم رأى بعد ذلك في منامه كأن الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صورة طيور بيض، وكأنها تخطف الناس تلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأن الجبلين انطبقا عليهم، وكأن الكواكب النيرة مظلمة.

جمع بن سلهوق رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر، وكانوا مئة وثلاثين كاهناً، فدرسوا ارتفاع الكواكب وأحوالها، وأُخبروا بأمر الطوفان، فأمر الملك عند ذلك ببناء الأهرام وملأها طلسمات وعجائب وأموالاً وخزائن وجميع ما قاله الحكماء وجميع العلوم الغامضة، وأسماء العقاقير ومنافعها ومضارها.

وفي كتابه "الآثار الباقية عن القرون الخالية" يروى المسعودى أكثر من رواية لبناء الهرمين، منها أن النبي يوسف جعل الأهرام هرياً (مخزناً) وجعل فيها الطعام والميرة (ما يدخره الإنسان من طعام) لسنوات القحط.

وتناولت كتابات المؤرخين العرب أيضاً ما يسمى بـ"الأرصاد الحافظة للأهرام من أي عبث"، فيذكر ابن أبي حجلة التلمساني في كتابه "سكردان السلطان" أن من بنى الأهرام هو ملك يقال له سلموق بن درمسيد الذي أغرقه نوح بالطوفان، وأنه لما بناها وكّل بكل هرم منها روحانياً يحفظه، فوكّل بالهرم البحري روحانياً في صورة امرأة عارية مكشوفة الفرج، ولها ذوائب تصل إلى الأرض، فإذا أرادات أن  تستفز الإنسي ضحكت في وجهه وجرّته إلى نفسها، ووكّل بالهرم الذي إلى جانبه روحانياً في صورة غلام أمرد أصغر عارٍ، ووكّل بالثالث وهو الصغير روحانياً في صورة شيخ في يده مبخرة وعليه ثياب الرهبان.

أبو الهول الذي يتنبأ بالغيب

Great_Sphinx_of_Giza_-_20080716a

أفاضت المصادر التاريخية العربية في الحديث عن أبو الهول ووظيفته وأسباب بنائه وأحاطته بالخرافات والأساطير. قال القاسم بن يوسف التجيبي السبتي في كتابه "مستفاد الرحلة والاغتراب" إن المصريين يزعمون أنه طلسم للريح، وانه لو ذهب لأتلفت الريح مصر.

وذكر زكريا بن محمد بن محمود القزويني في كتابه "آثار البلاد وأخبار العباد" أن أبا الهول طلسم للرمل لئلا يغلب على منطقة الجيزة، فالرمال هناك كثيفة شمالية متكاثفة، فإذا انتهت إليه لا تتعداه.

روايات أخرى سلكت مسلكاً مخالفاً. ذكر الرحالة أوليا جلبي في كتابه "سياحتنامه مصر" أن أبا الهول كان في الزمن الماضي يكلم القادمين والرائحين من الزوار، وقد جُعل له طلسم ينبئ عن هجوم عدو على مصر، أو ظهور قحط أو غلاء ونزول المطر أو امتناعها، ومقدار فيضان النيل أو عدم فيضانه أو موت أحد أو حياته.

تشويه أنف أبي الهول كان له نصيب في كتابات المؤرخين. ذكر المقريزي أن أحد الأشخاص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر وكان يتبع صوفية خانقاه سعيد السعداء (الخانقاه مكان يجتمع فيه الصوفية للانقطاع للعبادة) قام سنة 807 هجرياً لتغيير أشياء من المنكرات، وسار إلى الأهرام وشوّه وجه أبي الهول وشعّثه، ومنذ ذلك الحين غلب الرمل على أراض كثيرة في الجيزة، وأهل تلك النواحي يرون أن سبب ذلك فساد وجه أبي الهول.

ومن بوابات الأسطورة دخلت بعض الروايات لتفسير تشويه وجه أبي الهول. ذكر جلبي أن النبي موسى ذهب إليه - أي إلى أبي الهول - وقال له إنك قادر على التحدث، فيجب عليك أن تؤمن بي أنا رسول الله الحق، فقال له أبو الهول إني أؤمن بإدريس ولا أؤمن بغيره، فغضب موسى وكان عاتياً، وضرب أبا الهول بعصاه وثلمه عدة ثلمات (أحدث به شقوق)، وخدش فمه وأنفه وقال: "اسكت يا ملعون"، وانصرف، ومن ذلك اليوم صمت أبو الهول، ولم يعد يتكلم.

المومياوات تشفي الأمراض

Egyptian_mummy_(Louvre)

ساد بين المؤرخين العرب اعتقاد بأن المصريين الذين صنعوا تلك الآثار أناس غير طبيعيين يتمتعون بقدرة فائقة على الإتيان بالخوارق ما أدى إلى ذيوع أفكار ممزوجة بخرافات روج لبعضها المؤرخون والرحالة. ذكر جلبي أنه عثر في الطريق على عظمة ساق في جلدها، يبلغ طولها واحداً وسبعين شبراً من أشباره، وترقد في مغارة كبيرة جثث آدمية مكفنة يبلغ طول الجثة الواحدة منها سبعين أو ثمانين خطوة.

ومن الحكايات الشعبية في ذلك ما ذكره القزويني من أن عبد العزيز بن مروان حاكم مصر في خلافة أخيه عبد الملك أراد إعادة بناء الإسكندرية، فذهب قوم من الناس إلى مقبرة وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة ووزنوا سناً من أسنانه، فوجدوها عشرين رطلاً على ما بها من النخر والقدم، فقالوا: جئنا بمثل هؤلاء الرجال حتى نعيدها إلى ما كانت، فسكت".

وفي العصور الوسطى شاعت فكرة بين عدد من الشعوب مفادها أن قليلاً من طحين أو مسحوق مومياء مصرية قديمة كفيل بشفاء جميع الأمراض مهما كانت مستعصية، وقد أشار إلى ذلك أبو عبد الله بن محمد الحميري في كتابه "الروض المعطار في خير الأقطار" وذلك في سياق حديثه عن مدينة قوص (تقع في صعيد مصر) بقوله "منحوت في جبال منها قبور الأموات، لا يعلم لها عهد، وتستخرج منه المومياء الطبية، وهم يجدونها فى رممهم وبين أكفانهم".

ويشير عبد العزيز في كتابه إلى أن ابن سينا هو الذي ذكر المومياء ودافع عن استخدامها في علاج عدد من الأمراض، منها الخُراج والطفح الجلدي والكسور وارتجاج المخ والشلل واضطراب نبض القلب، واضطراب الطحال والكبد، وكانت وصفته ينبغى أن تؤخذ - لجعل طعمها سائغاً - في خلطة من النباتات مثل البردقوش والزعتر والبلسان والشعير والعدس والزعفران والبقدونس.

كنوز فرعون ومفاتيحها في أوروبا

tutanchamun-grabkammer3 بعض الكنوز من مقبرة توت عنخ آمون

يعرج المقريزي إلى أحد العلوم التي تأسست في مصر بفضل كنوزها وهو "علم الكنوز"، مشيراً إلى أن وثائق هذا العلم كُتبت فيها الأماكن التي توجد الأموال والذخائر فيها، وقد نقلها الروم لما خرجوا من مصر والشام وأودعوها في كنيسة القسطنطينية.

واختلفت الآراء في أصل تلك الوثائق، فرأي يقول إنها وثائق الروم ورأى يقول إنها آلت إليهم عن ملوك وحكام البلاد التي استعمروها من القبط واليونانين والكلدانين.

أقوال جاهزة

شارك غردتضمنت كتابات المؤرخين والرحالة العرب عن الآثار الفرعونية أساطير كثيرة فيها كنوز ولعنات... إليكم بعضها

شارك غردمن أبو الهول الذي يتنبأ بالغيب، إلى المومياوات التي تشفي من المرض.. جولة على الأساطير التي ربطها المؤرخون بآثار مصر

انتشار أخبار تلك الكنوز وظهورها في بعض الأماكن كانا كفيلين بأن يسعى الخيال الشعبي إلى تفسيرها، فقال السيوطي في كتابه "كوكب الروضة" إن فرعون كان يدخر جزءاً من كل قرية فيدفن ذلك فيها لنائبة تنزل أو حائجة بأهل القرية، فى حين رآها البعض كنوز النبي يوسف وكنوز الملوك من قبله وبعده، لأنه كان يكنز ما يتبقى من النفقات والمؤن تحسباً لنوائب الدهر وذلك حسبما أشار شمس الدين محمد النواجي في كتابه "حلبة الكميت".

المطالبية والتنقيب عن كنوز مصر

ذيوع الأساطير حول آثار مصر دفعت الناس للتنقيب عنها عبر أناس يطلق عليهم "المطالبية". واحترف أعضاء هذه الفئة مهنة البحث عن كنوز مصر ودفائنها، وكان لهم ثيابهم الخاصة، ومعهم أدواتهم التي يستعينون بها على أداء عملهم.

وتجمع المطالبية وكوّنوا فريقاً يمارس عمله بعيداً عن أعين الحكام، إلى أن علم بذلك أحمد بن طولون، فأمرهم أن لا يمارسوا عملهم ذاك إلا بعد أن يأذن لهم، ويعيّن من رجاله من يراقب عملهم، ويمكن القول إن هذه أول إشارة إلى ما يمكن اعتباره تنظيماً رسمياً لعملية التنقيب.

حكام ومُنقبّون

وكان التنقيب عن كنوز أهل مصر القدامى وهدم وتخريب آثارهم مجالاً لتفكير ولاة وحكام مصر، إذ غلبت على أكثرهم فكرة وجود كنوز مدفونة فيها.

عثمان ابن صلاح الدين الأيوبي

بحسب رواية الرحالة عبد اللطيف البغدادي في كتابه "الإفادة والاعتبار" حاول عثمان بن صلاح الدين الأيوبي هدم واحد من الأهرام الصغيرة ليستغل حجارته في بعض مشاريعه العمرانية، ولكنه اضطر إلى العدول عن هذه المحاولة الصعبة المنال.

الخليفة المأمون

ذكر محمد بن حوقل البغدادي في كتابه "صورة الأرض" أن الخليفة المأمون أرسل جيوشاً من الحفارين للبحث والتنقيب حتى استطاع بعضهم دخول الهرم الأكبر في عهده، إلا أنهم لم يستطيعوا قلع حجر واحد منه.

عبد العزيز بن مروان

يروى المقريزي أنه عندما كان عبد العزيز بن مروان والياً على مصر جاءه رجل وقال له بالمقبرة الفلانية كنز عظيم، وقدم الدليل على صدق كلامه، فأمر عبد العزيز بنفقة لأجرة من يحفر من الرجال، وبدأت تظهر تماثيل وصور أشخاص ذهبية وديك عيناه ياقوتتان.

قرر الوالي أن يشرف بنفسه على الحفر. ولكن عندما قام أحد العمال بوضع قدمه على درجة نحاس ينتهي إلى التماثيل، ظهر سيفان عاديان عن يمين الدرجة وشمالها فالتقيا على الرجل وجزآه قطعاً، وهوى جسمه. فلما استقر على بعض الدرج اهتز العمود، وصفر الديك صفيراً عجيباً وحرك جناحيه، وظهرت تحته أصوات، ومس الدرجات شيء فانقلبت وتهاوى الرجال إلى أسفل تلك الحفرة، وكان فيها ألف رجل ممن يعملون في الحفر فهلكوا جميعاً.

خرج عبد العزيز حينها وقال: "هذا ردم عجيب الأمر، ممنوع النيل نعوذ بالله منه، وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما أخُرج من هناك من التراب على من هلك من الناس، فكان الموضع قبراً لهم".

أحمد بن طولون

في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" ذكر المؤرخ المصري محمد ابن إياس الحنفى القاهري أن أحمد بن طولون اكتشف كنزاً عظيماً استطاع به أن يشيد جامعه العظيم بالقاهرة وأنه قد أصاب فيه من المال ما كان مقداره ألف ألف دينار، ومنه أنفق على الجامع مائة وعشرين ألف دينار، وعلى البيمارستان ستين ألف دينار، وضرب ديناراً باسمه سمي بـ"الأحمدي".

ويروى التلمساني أن جماعة في أيام أحمد بن طولون دخلوا الهرم الأكبر، فوجدوا في إحدى حجراته جام (إناء) زجاج غريب اللون والتكوين، وحين خرجوا فقدوا واحداً منهم، فدخلوا يبحثون عنه إلا أنه رجع هارباً إلى الداخل، فعلموا أن الجن استهوته، وشاع أمرهم، فحكوا لأحمد بن طولون القصة، فمنع الناس من دخول الهرم، وأخذ منهم ذلك الجام لنفسه.

وروى ابن إياس أن أحمد بن طولون خرج يوماً على سبيل التنزه نحو الأهرام، وبينما هو يسير غاصت قوائم فرسه في الأرض، فأمر بكشف ذلك المكان، فإذا به دنانير يوسفية (نسبة إلى النبي يوسف، والذي كان يعتقد أنه خزّن أموال وكنوز مصر في الأهرام) فنقلها إلى خزائنه على ظهور الجمال بالشكاير، واتسع حاله، فأخذ في بناء الجامع المعروف باسمه.

وربط ابن إياس موت ابن طولون بتحطيمه تمثالاً مصرياً كان قائماً في منطقة المطرية (غرب القاهرة) راوياً أنه كان هناك صنم على قدر خلقة الرجل المعتدل القامة، وكان ابن طولون ينظر إليه، فنهاه بعض الكهان عن رؤية هذا الصنم، وقال: أيها الأمير لا تنظر إلى هذا الصنم، فما نظر إليه أحد من ولاة مصر إلا وعُزل في عامه، فلم يعبأ بهذا الكلام، وركب وتوجه إلى ذلك الصنم ورآه، ثم أمر بقطعه قطعاً فلم يبق له أثر، فلما رجع أصابته الحمى من يومه ولزم الفراش، ومكث في مرضه نحو عشرة أشهر حتى مات.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي