دمشق تودّع قبضاي الحارة الشامية "أبو صيّاح"

دمشق تودّع قبضاي الحارة الشامية "أبو صيّاح"

ترتبط ذاكرتنا في العالم العربي بمبدعين كثر مرّوا وتركوا أثراً لا يمحى بسهولة. عدد منهم آثر الرحيل في أكثر الأوقات مأسويةً، كرفيق سبيعي الذي غادرنا قبل ساعات.

من منّا لا يتذكر "أبو صيّاح" أو "فنان الشعب" كما أطلق عليه الوسط الفني السوري؟ عرف بعفوية تمثيله وقربه من الشارع الدمشقي القديم، فترك أثراً كبيراً لدى المشاهد السوري.

توفي رفيق سبيعي، ابن حي البزورية الشامي، عن عمر ناهز الـ87 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض. أصيب سبيعي بمرضين خلال سنواته الأخيرة، الأوّل جسدي، والثاني نفسي ووجداني متمثّل في الحرب السورية. "أوصيكم بسوريا خيراً"، آخر عبارة قالها خلال تكريم أقيم له في بيروت في العام 2015.

تخلّى سبيعي اليوم عن عباءة القبضاي السوريّ، وعن زيّه الفولكلوري الذي اعتدنا أن نراه فيه، ورحل هادئاً، بشيبته التي لم تغب أخيراً عن الشاشة السورية، إذ شارك في مسلسلي "بنت الشهبندر" و"حرائر"، وفيلم "سوريون" للمخرج باسل الخطيب في العام 2015.

عندما ألِفَ المسرح "أبو صياح"

كانت بداية سبيعي على مسارح دمشق، التي اعتلاها لتقديم مقاطع كوميدية مرتجلة، قبل أن ينتقل إلى الغناء والتمثيل في الفرق الفنية، منها فرق علي العريس، وسعد الدين بقدونس، وعبد اللطيف فتحي. كذلك ساهم بتأسيس عدد من الفرق المسرحية الأولى بعد الاستقلال.

Rafiq-Subaie

لم يمحُ ابتعاده عن المسرح بسبب العمر والمرض ذكرياتنا عنه، خاصةً عندما وقف إلى جانب دريد لحام. فبعد سنواتٍ قليلة من انطلاقة عمله المسرحي، ومع اشتهاره بأدوار أبو جميل وأبو رمزي، ثم أبو صيّاح (في مقالب غوّار)، تأسس المسرح الحر في دمشق، وبدأ سبيعي بتقديم مسرحيات إلى جانب فقرات غنائية. ومن أبرز أعماله المسرحية في تلك الحقبة: "بالمقلوب"، و"مرتي قمر صناعي".

ألِفه المسرح، واعتاده جمهوره، خاصةً أنه من أبرز المؤسسين للمسرح القومي في العام 1960، وقدم عليه مسرحية "الإخوة كارامازوف" المقتبسة من رواية الكاتب الروسي فيودور دويستويفسكي، في العام 1964.

"أبو صياح" و"فيروز"

في العام 1966 شارك سبيعي في فيلم "سفربرلك" للراحلين منصور وعاصي الرحباني إلى جانب السيدة فيروز، ثم في فيلم "بنت الحارس" في العام 1971. مثّل سبيعي في هذا الفيلم شخصيته الشهيرة "أبو صياح" لأوّل مرة في مشواره الفنيّ إلى جانب فيروز، التي تباهى في كل مقابلاته الصحفية بالعمل معها، مؤكداً أنّه "لا يسمع صوتاً آخر غيره". ويذكر أن صيّاح قدم أيضاً العديد من الأفلام السينمائية التي تجاوز عددها الخمسين.

مونولوج وأغنيات اجتماعية

لم يعرف سبيعي بتمثيله فقط، بل بصوته وأغانيه التي لامست الجمهور العربي لسنوات طويلة. "شرم برم كعب الفنجان" و"العيشة صارت مرّة" و"زمن العواطف" وطبعاً "لا تدور ع المال" و"شروال وميني جوب" و"داعيكم أبو صيّاح معدل ع التمام". أغانٍ حفظها الكثيرون عن ظهر قلب، وضحكوا لدى سماعها، كما كانوا يبتسمون عندما يستمعون إلى صوته الإذاعي، حين قدم على مدى سنوات عدة برنامج "حكواتي الفن"، إذ كان فعلاً حكواتياً بارعاً في التمثيل والغناء.

الموقف السياسي"

الفصل بين مواقف الفنان السياسية وفنه ليس أمراً سهلاً في أوقات الحرب كالتي تمر بها سوريا. لكنها ضرورية في بعض الأحيان، خاصة إذا ما كان للفنان شخصية رمزية. إذ يصبح جزء من الإرث الثقافي والشعبي للبلد، ومن ذاكرة أهلها التي لا يمكن سلخها. ولقد كان لرفيق السبيعي موقفاً مؤيداً للنظام السوري، وقد غنى لبشار الأسد وأعلن دعمه الكامل له ولسياسته، الأمر الذي أخذه عليه الكثيرون.

وقد كان لإبنه البكر عامر السبيعي، الذي توفي في مصر عام 2015، موقفاً مخالفاً. إذ أعلن معارضته للنظام واضطر لترك البلاد. تسبب ذلك في شرخ ما في العلاقة بين أفراد العائلة، سيما أن إبن رفيق السبيعي الأصغر، سيف الدين، اتخذ موقفاً موالياً للنظام أيضاً.

غالباً ما كان سبيعي يبكي خلال احتفالات تكريمه، خاصةً حين يتذكر دمشق. وقد رحل في المدينة التي رفض أن يغادرها.

التعليقات

المقال التالي