رسائل إلى شباب العالم الإسلامي

رسائل إلى شباب العالم الإسلامي

كيف نتعامل مع العنف والحروب التي تهز العالم اليوم، ويرتبط ذكرها والحديث عنها بالإسلام؟ ماذا يعني أن نكرر عبارة "الإسلام دين سلام"؟ من أين يأتي هذا البحث عن "الإسلام الحقيقي"؟ هذه الأسئلة الصعبة يقدمها عمر سيف غباش في كتابه "رسائل إلى مسلم شاب"، الذي صدر حديثاً باللغة الإنكليزية، ليشارك في نقاش قضايا تشغل العالم من وجهة نظر مستقلة تأتي من قلب العالم الإسلامي.


بعد دخول ولديه إلى المدرسة، فوجىء بتعليق أحدهما عليه، فقد كان يقول له إن بعض ما يقوم به من تصرفات لا ينسجم مع "الإسلام الحقيقي". هذه المواجهة مع طفل بريء أثارت في داخله التساؤل المر وما يشبه الرعب. فقد استوطن في نفسه خوف من أن يذهب ولداه في المستقبل إلى العراق أو سوريا للقتال في صفوف المتطرفين. وهكذا تولدت عنده أسئلة متشابكة عن الإسلام الصحيح وعن الإسلام المسالم، وعن الإسلام الجهادي، فقرر أن يحاور الشباب المسلمين عبر رسائل تتناول هذه القضية الشائكة، بهدوء أولاً وبأسلوب سلس مباشر لا تعقيد فيه.

اعلان


إن الكتاب بكامله يشبه مؤلفه، فهو يأخذ شكل سيرة ذاتية له ولبلده، الإمارات العربية المتحدة، التي صادف أنه ولد في عام تأسيسها 1971. والمؤلف عمر سيف غباش يكتب من منظور بلده وشخصه بعينين تعشقان الأدب والفن والثقافة، فهو دبلوماسي رفيع، يعمل سفيراً  للإمارات العربية في روسيا، ويرى المسلمين جزءاً من عالم واسع غني بالتنوع والاختلاف. إنّ كتاب "رسائل إلى مسلم شاب" هو دعوة لكي يكون للمسلمين، اليوم وفي الغد، دور مثمر في مستقبل الحضارة الإنسانية قاطبة.

هل للإنسان أن يغير العالم؟

أجمل ما يميز الكتاب أنه يجمع بين السيرة الذاتية، مروية بقصص ونبذات في رسائل دافئة اللهجة، وتتقاطع في تفاصيلها مع هموم عالمية، وأحداث هزّت العالم في السنين الماضية. تفاصيل حياة الكاتب ـ الراوي، تأخذ بتسلسل مشوق، أبعاداً سياسية، وفي صميمها، تطرح سؤالاً ملحاً: هل يكون لأفكار الإنسان دور في تغيير العالم؟

في الانتقال من الذاتي للسياسي نقترب، كقراء، من عالم الكتاب، ونتذوق الأسلوب الذي يخلط التجربة المعاشة مع المحاور السياسية. في عيد ميلاده الثالث والأربعين، على سبيل المثال، يعرض الكاتب قلقه وتطلعه لبلوغ هذا اليوم، ونتوقع تفسيراً شخصياً، ولكننا نُفاجأ بالسبب: لقد كان والده في نفس العمر (43 عاماً) عندما فارق الحياة إثر اغتيال سياسي عام 1977 م. ومنه نعود إلى الذاتي، فرحيل والده المبكر ترك أثراً عميقاً على شخصيته، وأجبره على مواجهة أسئلة صعبة، كونت فلسفته في الحياة، ونظرته للعالم.

الذاكرة والماضي الذي نبنيه

يشاركنا غباش في رسائله بمحاولته لملمة الآثار الباقية لحياة والده، إذ تأخذه رحلته في البحث عن تفاصيل تساعده في تصور قصة حياة والده إلى ألمانيا وروسيا ومصر، البلدان التي سافر والده إليها ليدرس ويعمل، قبل أن يتزوج والدته الروسية الجنسبة، ويعود إلى الإمارات، ولكنه لا يجد ما يكفي لينسج قصة متكاملة. ماذا عن الفترات من حياة والده التي لم تترك أي أثر مادي يمكن اقتفاؤه؟ هنا نلتمس عاطفة عميقة، فكتاب غباش ورسائله هدية لولديه يتمنى لو أنه حصل على مثلها من والده، وفيها رجاء مستحيل: لو أن والده قد ترك له أفكاره ومشاعره مسطورة على الورق، ليقرأها ويتعرف عليه عن قرب.

في استعادة ذكرياته، وفي قصص جيل والده وجده، سؤال عن علاقتنا بالماضي، وكيف نصوغه ونبنيه، وفي الوقت ذاته، إضاءات مهمة على تاريخ الخليج في بدايات القرن العشرين التي قلما نقرأ عنها أو نعرفها، ومن منظور جديد، تحليل لأحداث سياسية يربطها غباش بأناقة بالغة بتداعياتها الأبعد، كقيام منظمة التحرير الفلسطينية، وغزو العراق للكويت، وحرب العراق وإيران، وغزو أمريكا للعراق، وهجمات 11 سبتمبر.

الإسلام والعالم اليوم

مع أن الأولوية هي لولديه اللذين تخاطبهما رسائله، إلا أن الأسئلة التي يطرحها غباش تخاطب الشباب في كل العالم الإسلامي. بالتحديد، يقدم غباش في رسائله بديلاً للدروس والتعاليم التي تغزو حياتنا من صفوف المدارس، إلى محطات الأخبار إلى آلالف الصفحات على الإنترنت، التي تصبغ الإسلام بصبغة العنف، وتبني صورته بالتأكيد على العداء للغير، وتدعو جيلاً كاملاً للالتزام بتعاليم إقصائية للوصول إلى ما تسميه "الإسلام الحقيقي".

أقوال جاهزة

شارك غرد"عمر سيف غباش": الإسلام يعبر عن نفسه بـ"شكل حقيقي" عندما يتجسد بشكل مختلف في كل زمان ومنطقة

شارك غردإنّ كتاب "رسائل إلى مسلم شاب" هو دعوة لكي يكون للمسلمين، اليوم وفي الغد، دور مثمر في مستقبل الحضارة الإنسانية

تأخذ إعادة النظر بهذا التوجه، ومقاربة الدعوة للبحث عن صيغة واحدة "للإسلام" حيزاً هاماً من صفحات الكتاب. مع هذه الدعوة، كما يكتب غباش، تبدأ ممارسات التمييز والتشدد، ومنها أيضاً يولد العداء تجاه غير المسلمين وتجاه المسلمين الذين لا يتبعون أسلوب الحياة نفسه، أو الذين لا ينتمون للنهج نفسه. هذه الأصوات تتبنى خطاباً يصور العالم كله متآمراً ضدّ الإسلام، ويستثمر الانتقادات للإسلام والمسلمين، و"الإسلاموفوبيا" حول العالم. بذلك يقدم العالم على أنه "ملوث" بالمعاصي والضلالات، وبحاجة لـ"التطهير"، ومن هنا، يبدأ الحكم على الآخرين، وتقييمهم وتجريمهم وإلغاؤهم.

"لا تعط قَدَرك للآخرين!"

وهذه فكرة تتكرر وتشكل همّاً جدياً للكاتب، الذي يدعو ولده: "لا تسمح للآخرين أن يتخذوا قراراً بالكراهية عنك. الخيار لك وأنت وحدك قادر على أن تجعل العالم أفضل باتباع كل ما هو عكس الكراهية!". ويتكرر ذلك في رسالة أخرى يكتب غباش فيها: "لا تعط قَدَرك للآخرين!" وفيها أيضاً دعوة لولديه، ولكل الشباب، للتأمل بمفاهيم الانتماء، والمسؤولية، ودعوة لنبذ التعصب والتشدد والتمييز، وختاماً، دعوة لتكوين آرائهم بأنفسهم، متخذين "التفكير" و"الاختيار" ممارسات ستكون صمام أمان لسلوكهم وحياتهم في الأيام القادمة.

في الأسئلة التي شغلته، في بحثه عن تاريخ والده الذي خطفه الإرهاب، وفي نقاشه للإسلام، وفي مناجاته لولديه، يكتب غباش بصراحة وصدق. ويتجلى في أفكاره الأثر الذي تركه سفره، وعمله، واطلاعه على ثقافات مختلفة، وينعكس فيها، كما في صفحات الكتاب كلها، التزام عميق بمستقبل الإنسانية.

بدلاً من البحث عن إسلام مجرد، يدعو غباش قراء كتابه، من خلال رجائه لولديه، أن يؤمنوا بأن الإسلام يعبر عن نفسه بـ"شكل حقيقي" عندما يتجسد بشكل مختلف، في كل زمان ومنطقة، وفي حياة كل جماعة مسلمة، من جنوب آسيا إلى مدن أمريكا، إلى جامعات العالم، وبقية العالم الإسلامي الكبير. عندما نقبل ذلك، يكتب غباش، تتماهى ملامح الإسلام مع أعمق مبادئ الإنسانية، في الخير والرعاية والكرم والمعرفة والعدالة.

إيناس خنسه

إيناس خنسه باحثة سورية مختصة بشؤون العالم العربي. عملت كأكاديمية ودبلوماسية في عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حاصلة على شهادة دكتوراه من جامعة جورج تاون وعلى منحة زمالة ميلون من جامعة هارفارد. إيناس تكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي