الأغنية الساخرة: طريقة المصريين التاريخية لمواجهة الأزمات الاقتصادية

الأغنية الساخرة: طريقة المصريين التاريخية لمواجهة الأزمات الاقتصادية

تبدل الخطاب الفني الذي يتناول الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت وتمرّ بها مصر كثيراً، عبر الزمن. ومرت الأغنية الاجتماعية المصرية بمراحل تطور عديدة على مدار القرن العشرين، وبدايات الـ21، لكن القاسم المشترك بينها رغم اختلاف المقامات الموسيقية، وتراكيب الكلمات، هو حفاظها على طابعها الساخر الذي يلازم المصريين، في أحزانهم قبل أفراحهم.

سيد درويش

تمخض اللون الموسيقي لفنان الشعب سيد درويش من رحم الأزمات السياسية والاقتصادية، التي مرت بها مصر تحت وطأة الاحتلال البريطاني، وتحديداً في أعقاب الحرب العالمية الأولى بين 1914 - 1919، التي وضعت مصر على المحك بسبب سوء الأحوال الاقتصادية، التي كادت أن تصل بالبلاد إلى حروب أهلية، من أجل رغيف الخبز.

اعلان


فى تلك الأثناء، عرفت أغانى سيد درويش طريقها إلى رواد المقاهي، التي يقصدها العامة من الأفندية وأصحاب الحرف وغيرهم، ليخاطب الإسكندراني والشيالين (الحمالين) والمراكبية (قادة المراكب)، والموظفين من أجل الثبات وتحمل ظروفهم الصعبة نتيجة الحرب وإرهاصات ثورة 1919، كان من بينها أول صرخة شعبية للتقشف في أغنية "شد الحزام على وسطك". كتب كلمات الأغنية بديع خيري عام 1918، حين عطّل المستعمر الإنجليزي حركة التلغرافات وجعل المرور بين المحافظات عن طريق جوازات سفر عسكرية، ما أدى إلى الاستغناء عن شيالين الحقائب بمحطات القطار، وعرضت ضمن مسرحية " قولوله" التي أدتها فرقة نجيب الريحاني مع أغنيات أخرى للثنائي اللامع بديع خيري وسيد درويش.

ولم يغفل ثنائي بديع ودرويش أوضاع الموظفين، كما طالت ألحانهما الأرزقية (المياومين) وأصحاب الحرف، إذ عصفت الأوضاع الاقتصادية المصاحبة للحرب العالمية الأولى بمدخرات تلك الشريحة حينها، ما حاول درويش تجسيده في أغنية "الموظفين"، لمواساة حالهم الذي يزداد سوءاً مع نهاية كل شهر في انتظار العيد الذي يأتي مع هلال الشهر الجديد.

رغم خروج سيد دروش من الإسكندرية قاصداً المسرح الفني، والفرق الغنائية في القاهرة، فقد بقي مرتبطاً بهموم أهلها في أعماله الفنية، فكتب له رفيق دربه بديع خيري "اقرا يا شيخ فقاعة"، التى عرضتها فرقة نجيب الريحاني المسرحية عام 1919، سخر فيها من ارتفاع أسعار اللحمة في مدينته الساحلية، واستبدالها بأكل لحم الخيل، إذ راجت فتوى بجواز أكله.

"سيد درويش هو مؤسس الأغنية الاجتماعية غير المؤدلجة، وأكثر من عبّر عن اللون الفني الذي يناقش البعد الاجتماعي والاقتصادي في حياة المواطنين"، يقول الدكتور محمد شبانة، أستاذ الغناء والموسيقى في أكاديمية الفنون عن الإرث الفني، الذي تركه فنان الشعب في حياته القصيرة التي لم تتعد 31 سنة.

برزت الشخصية الفنية لسيد درويش في إحساسه بقضايا مجتمعه سياسياً واقتصادياً، كما أن مناخ العشرينيات كان يسمح بتوهج موسيقاه الجديدة، وسط الظروف التي مرت بها البلاد بدءاً من تكريس المحتل البريطاني لحكمه، ثم الحرب العالمية الأولى، ومناهضة المستعمر في ثورة 1919، كما يوضح شبانة.

ويشير شبانة، صاحب دراسة "تجليات شعبية في أعمال سيد درويش"، إلى أن درويش احتل مكانته بين الفئات الشعبية لاستخدام لغة الشارع والطبقة الشعبية والألفاظ التي تناسب كل فئة، وظهر ذلك بوضوح في الأغاني التي خصصها للطوائف الطبقية، مثل الشيالين والصنايعية والموظفين والمراكبية والحشاشين.

محمود بيرم التونسي

من الإسكندرية أيضاً، وفي الحقبة الزمنية نفسها، خرج محمود بيرم التونسي الشاعر المصري ذو الأصول التونسية، بأشعار عامية وأوبريهات تساند قضية مناهضة الاحتلال البريطاني، القضية الأم للمصريين حينها، كما عبر عن أوجاع العمال المصرييين المهدور حقهم في قصيدة "العامل المصري"، التي غنّاها الشيخ زكريا أحمد. وأعاد غناءها الفنان اللبناني سامي حواط.

ويقول محمد شبانة إن بيرم التونسي ملأ الفراغ الموسيقي، بعد انفصال الثنائي بديع خيري وسيد درويش، بعد موت الأخير عام 1932. فاقتربت أشعاره من الفئات الاجتماعية، بجانب أعماله الفنية الوطنية والعاطفية، مع كبار المغنين، مثل أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب.

أقوال جاهزة

شارك غردتطور الأغنية الساخرة من الأوضاع الاقتصادية في مصر: من "اقرا يا شيخ فقاعة" لسيد درويش إلى أغنية "صندوق النقد" الأخيرة

ويضيف: "بيرم وإن كان معبراً عن القضية الوطنية، يميل إلى النخبوية أكثر، بعكس بديع خيري، الذي استطاع بحسه الشعبي الخالص، أن يصل إلى البسطاء من الحرفيين، ويمتلك رصيداً كبيراً مع رفيقه سيد درويش في هذا النحو".

مع وفاة بيرم التونسي عام 1961، انقطعت امتدادات الأغنية الاجتماعية في فترة اتسمت بالغناء القومي، الذي يمجد قادة مجلس قيادة ثورة 1952، وإنجازات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فكان المناخ السياسي في مصر، لا يسمح بظهور أصوات معارضة تندد بسياساته، سواء في منابر إعلامية أو فنية، حتى أفسحت نكسة 1967، المجال لانتقاد السلطة من جديد.

نجم وإمام

مثلما شكل الثنائي سيد درويش وبديع خيري الثورة الفنية في بداية القرن العشرين، جدد شاعر العامية أحمد فؤاد نجم، بصحبة الملحن والمغني الشيخ إمام عيسى، العهد للأغاني الاجتماعية، التي تحمل انتقادات للسلطة والرأسماليين، وتنتصر للفقراء، خصوصاً أن نجم من المحسوبين على التيار الاشتراكي القديم في مصر.

في نهاية 1970، أطلق نجم قصيدته المشهورة "هما مين"، التي غناها رفيقه الشيخ إمام، وحملت رسائل موجهة إلى الحاكم، بشأن اتساع الفجوة بين الطبقات الثرية، التي تحتكر الحياة الجميلة، والطبقات الدنيا التي تسكن "سبعة في أوضة" بسبب سوء إدارة الحكم.

وبلغ الإنتاج الفني للثنائي ذروته في أحداث انتفاضة العيش 18 و19 يناير 1977، في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، حين خرجت التظاهرات الغاضبة من العمال والطلاب، ضد قرار رفع الدعم عن المحروقات والسلع الاستهلاكية، صاحبه موجة غلاء في أسعار اللحوم، قابلها المصريون بالهتاف ضد رئيس مجلس النواب سيد مرعي: "سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه".

تفاعل نجم والشيخ مع الأزمة الاقتصادية، وقدما موالاً عن موضوع الفول واللحمة يسخران فيه من تصريحات مسؤولي الدولة، عن استبدال الفول باللحمة، فجاءت كلمات الأغنية:

وأشار محمد شبانة إلى أن أشعار نجم أحيت الأغاني ذات الحس السياسي والاجتماعي، بعد فترة من انقطاع البث، إذ سخرت فيه الأغنية لخدمة ثورة 1952.

غير أن نجم كان نشطاً في المجتمع الأيديولوجي أكثر منه الشعبوي، الذي عبر عنه سيد درويش في ألحانه. فالأخير كان أكثر اقتراباً من الحس الشعبي، ولم يكن مصنفاً سياسياً، موضحاً الفارق في اختيار الألفاظ التى أظهرت النزعة الاشتراكية لدى نجم.

ظلت أغاني نجم والشيخ إمام حاضرة بقوة في إرهاصات ثورة 25 يناير، واستخدمها شباب الأحزاب والحركات السياسية فى إثارة حماس المواطنين، في بعض الفعاليات الاحتجاجية، ضد غلاء الأسعار وفساد الحياة السياسية، منها إضراب 6 إبريل 2008 في المحلة.

"لا باظت ولا خربت"

لم يكن نجم وحيداً في الطريق إلى 25 يناير، ففي سياق مواز، شارك فنانون على الخط السياسي الساخر من الأوضاع الاقتصادية، في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. برز ذلك فى أغنية "دي لا باظت ولا خربت" من تأليف أيمن بهجت قمر، وغناء مدحت صالح، عرضت في تتر النهاية لمسلسل "سكة الهلالي" إنتاج 2006.

وترصد الدكتورة ياسمين فراج، أستاذة النقد الفني في أكاديمية الفنون في كتابها "الغناء والسياسة في تاريخ مصر"، صعود الأغنية الساخرة من الأوضاع السياسية بعد فوز مبارك في الانتخابات الرئاسية عام 2005. لافتة إلى أن كلمات "دي لا باظت ولا خربت" مثلت رؤية جديدة في الأغنية الاجتماعية، التي تناقش الأوضاع الاقتصادية بلغة عشوائية، تعبر عن تدني اللغة والمستوى التعليمي والثقافي، إذ تطرقت لغلاء الأسعار وارتفاع أسعار الشقق بشكل ساخر.

"مش باقي مني"

وفي إنتاج سينمائي آخر، عرض المخرج خالد يوسف، المعروف بانتمائه للتيار الاشتراكي، أغنية قصيدة "مش باقي مني"، تأليف الشاعر جمال بخيت وغناء أحمد سعد، في فيلم "دكان شحاتة" إنتاج 2009. وهو أحد الأفلام التي تنبأت بخروج المواطنين بثورة على النظام، بسبب غياب العدل وتردى الأداء الاقتصادي للحكومات.

الأندرغراوند

فرقة-بلاك-تيما

انتقلت الأغنية الاجتماعية التي اعتمدت بشكل أساسي على الشعراء والقصائد الوطنية، ونجوم الساسة، إلى عالم الأندرغراوند، الذي استخدم ألفاظاً ومقامات موسيقية تناسب أحلام جيل الألفي. من هذه الفرق فرقة "بلاك تيما"، التي حققت شهرة واسعة في الأوساط الشبابية، وتحديداً شباب الجامعات قبل ثورة يناير.

شمل الألبوم الأول للفرقة النوبية "بحار" في 2010 أغنية زحمة، التي عكست انهيار أحلام الشباب التي تبخرت في ركام الزحام والحياة الاقتصادية الطاحنة.

توضح فراج لرصيف22، أن الأغنية الاجتماعية تلقى رواجاً في ظل المشاكل الاقتصادية التي تشتد قبل وبعد الحروب والثورات والنكسات السياسية للبلاد، ما يترجم صعود وانهيار الأغنية في بعض الفترات.

وتختلف فراج مع شبانة، بشأن سيطرة الأفكار السياسية على العمل الفني. وتقول: "لا يوجد مبدع  مهموم بقضايا وطنه غير مسيس، فالأغنية السياسية مؤدلجة لأنها تعبر عن أفكارك وتوجهاتك السياسية".

لم تتوقف الأغنية الاقتصادية عند ثورة 25 يناير، فكما ذكرت فراج، الأحداث هي من تستدعي الأغاني، وتحرك الشعراء والكتاب، والمغنين لطرح أعمالهم، كما حركت اتفاقية صندوق النقد الدولي، التي سعت جماعة الإخوان لإبرامها في 2012، دوافع ياسر المناوهلي، لتأليف أغنية ساخرة عن عواقب الاتفاقية.

 

التعليقات

المقال التالي