"طائفتي الجميلة" سخرية روائية مبدعة من الطائفية

"طائفتي الجميلة" سخرية روائية مبدعة من الطائفية

يقارب "مرتضى كزار" في روايته الأخيرة "طائفتي الجميلة" موضوع الطائفية في العراق بعد الاحتلال الأميركي، ولكن دون أن ينظّر عن الموضوع أو يعالجه بشكل مباشر فجّ، بل اعتمد على حس ساخر لاذع، وشخصيات فكاهية، وأحداث غرائبية.

السخرية والفكاهة تبدآن منذ المقطع الأول، عندما تباشر الشخصية الرئيسية في الرواية تعريفنا عن نفسها، "يستطيع أي إنسان تعريف نفسه بطريقة ما. إلا أكثم رائد شهاب حيران كلافة. ومن هو أكثم رائد شهاب كلافة؟ إنه ببساطة أنا. سأختصر لكم وأقولها من البداية، أنا ذلك الشاب الذي أيقظوه في الساعة الثالثة فجراً في الخامس من آذار سنة 2003. لم ينهض بسهولة فرفسوه ثم ضغطوا رأسه بالبسطال. كان عليه أن يقول آخ مرة واحدة. فقال آخ سبع مرات، لأن وجهه استطال وتربع وتقوس".

و"أكثم" طبيبٌ بيطري، كان يعمل في مستشفى بيطري خاص تابع لديوان الرئاسة، ومن المهمات الموكلة إليه، إضافة إلى الإشراف على حيوانات الرئيس وطبابتها، مهمة تتعلق بإخراج الحيوانات التي يمكن أن تعلق في تماثيل الرئيس المنتشرة في أرجاء البلاد، إذ تلجأ هذه الحيوانات للاختباء فيها طلباً للدفء أو الحماية، وتكون مهمته إخراجها بأي طريقة حتى لو اضطر إلى بتر أعضائها.

تدور أحداث الرواية في فترة زمنية قصيرة نسبياً، تبدأ قبل شهر من احتلال العراق، وتنتهي بعده بأشهر قليلة، غير أن الزمن الروائي يمتد على مساحات أوسع، فالكاتب يستخدم ذاكرة شخصياته ليعود بنا في لقطات سريعة إلى الماضي، مختاراً منه ما يدفع حبكة روايته إلى الأمام، محاولاً التركيز على المرحلة الفارقة في الحياة العراقية، وهي مرحلة التغيير وتبدل الأحوال، مرحلة ما بعد سقوط بغداد التي فجّرت كل الاضطرابات اللاحقة، وفتحت باب العنف على مصراعيه، فوجد الناس أنفسهم في مواجهة لا علاقة لهم بها. من هنا تبرز إشكالية بطله الذي يرمز إلى شريحة كبيرة من العراقيين الذين تقع عليهم كل الأسئلة دون أن يسمع أحد رأيهم، "أنا لا علاقة لي بما جرى. أنا عشيرة من البشر اسمها الذين لا علاقة لهم. تقع عليهم آلاف الأسئلة وتهرسهم. تدهسهم وتفرم عظامهم، ولديهم جواب واحد قديم هو لا علاقة لنا. اقلبني وانزع ملابسي واكشط جلدي ستجد تحته عبارة لا علاقة له محفورة ألف مرة. انتصرتم أو انهزمتم. حزنتم أو فرحتم. نمتم أو استيقظتم. أنا لا علاقة لي أو لا علاقة لي".

يرسم "كزار" في روايته شخصيات لافتة، وتكاد لا تمر شخصية من الشخصيات دون أن يكون في اسمها أو في حكايتها أو في تصرفاتها نوعاً من الغرائبية أو الفكاهة، بدءاً بشخصية "جميل يحترمني" وزوجته التي تحمل اسماً ذكورياً "زغل" بعد أن تم تغيير جنسها أيام الحرب العراقية الإيرانية، وهذان الزوجان يتحولان إلى مفسري أحلام في الإذاعة، ولهما برنامج أسبوعي يختص بتفسير الأحلام التي فيها حيوانات حصراً، ومن الشخصيات الأساسية أيضاً الكلب "خاكي" المثلي الجنس، والطبيبة "راجحة" التي تبحث عن ابنها تحت النهر، و"عديسة" وعائلته التي تعرضت للإشعاع المسرطن، والذين يعيشون في مقبرة الحمير، وأما أكثر الشخصيات إثارة للتساؤلات فهي "حكم" الأعمى الذي يطوف باحثاً عن أماكن الانفجارات، ليلمس الثقوب التي تخلفها على الجدران ويقرأها ويجيب عليها في لغة لا يفهمها إلا هو وحده.

تتخذ الرواية شكل التقطيع السينمائي التجريبي، فهي مكونة من عدد كبير من الفصول الصغيرة الحجم، يشكّل كل واحد منها مشهداً سينمائياً ساخراً، غير أن ما يجمعها كلها في قالب واحد هو الفكرة العامة التي تدور حولها الرواية، والتي تكثف ما تريد قوله، وهي قرار "أكثم" بتأسيس طائفة خاصة به، رداً على اتساع مدّ العنف الطائفي، هكذا يحضّر لطائفة النحل الجميلة، التي تضم نحلاً كيّف نفسه للعيش بجوار نهر دجلة، هذه الطائفة تنتج نوعاً من العسل بمواصفات عالية، لكن كل قطرة منه تحتاج إلى انفجار كي تنزل، "برأيك كيف يمكن لنحلة أن تعرف بأنها تنتمي لطائفتك وتنضم إليك؟... هذا سؤال جميل، في البداية أنا أحتاج لوقت طويل حتى أزرع الانتماء في نفوس النحل لو صحت هذه العبارة. وفي كل الأحوال سوف لن ترى النحلة وتسمع بطائفة غير طائفتها، لن يكون هناك مجال للتعارف والاختلاف وفهم معنى الطائفة الأخرى، أنا في الواقع أتعامل في البداية مع بيوض ونحل جديد لم يسمع بغيره، وسيجد نفسه داخل طائفتي منذ بداية حياته ولن يخرج منها".

مرتضى كزار روائي وسينمائي عراقي، ولد في الكويت سنة 1982. وتخرج من كلية الهندسة بجامعة بغداد. له أربع روايات: "كومبيوتانيا صفر واحد"، "مكنسة الجنة"، "السيد أصغر أكبر"، "طائفتي الجميلة". وله في السينما فيلم روائي "الكعب الذي رأى"، وفيلم روائي قصير "ربّ اغفر لنديمة".

الناشر: منشورات الجمل/ بيروت - بغداد

عدد الصفحات: 160

الطبعة الأولى: 2016

يمكن شراء الرواية من موقع نيل وفرات، أو من موقع متجر الكتب العربية جملون.

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي