محمد فوزي... الفنان الذي دعم الثورة فأكلته

محمد فوزي... الفنان الذي دعم الثورة فأكلته

الأجواء في مصر ملبدة، احتلال عسكري، كساد، فقر، ظلم اجتماعي... كانت مصر حبلى بثورة عام 1918، وفي العام التالي اندلعت ثورة 1919.

عام 1918، ولد جمال عبدالناصر، وزكريا محيي الدين، وحسين الشافعي وجمال سالم، وأنور السادات، الذين غيروا، ومعهم بقية الضباط الأحرار, شكل الحياة السياسية في مصر عام 1952.

وفي العام نفسه ولد الفنان الشيخ إمام عيسى، أشهر مغنٍ سياسي في مصر، وليلى مراد إحدى أيقونات الغناء العربي الجديد. وفي السنة نفسها، ولد الموسيقار والمطرب محمد فوزي، الذي أحدث ثورة في عالم الموسيقى، وساند ثورة 1952، ثم انقلبت عليه تلك الثورة.

كفاح ومثابرة

في قلب الريف المصري الفقير والبعيد تماماً عن المدنية، ولد محمد فوزي عبدالعال الحو، في قرية كفر أبو جندي بمركز قطور في محافظة الغربية، لأب يعمل قارئاً للقرآن، متزوج 3 نساء. كان فوزي الأخ الرقم 21 بين أبناء الشيخ فوزي الحو، البالغ عددهم 25 أخاً وأختاً.

حب الأب الفقير للقرآن شجعه على تعليم ابنه، وكان التعليم حينها ليس مجانياً. وليساعد الابن أباه، كان يغني في الموالد والأفراح، بعد أن تعلم الموسيقى على يد محمد الخربتلي، صديق والده الذي كان يعمل في المطافئ. ثم سافر إلى القاهرة، والتحق بمعهد الملك فؤاد للموسيقى، أو ما أطلق عليه بعد ذلك معهد الموسيقى العربية.

كانت والدة فوزي ترسل إليه من القرية جنيهاً واحداً كل شهر ليعيش منه، ولم يكن يكفيه، فكان يغنّي في الملاهي الليلية. كما اتفق مع صاحب محل حلواني مواجه لمنزله، على أن يتناول يومياً وجباته الثلاث (حليب وكنافة)، على أن يسدد ثمنها في آخر الشهر، وحين تتحسن حالته المادية قليلاً، كان يكافئ نفسه بوجبة من اللحم.

وأثناء تعاقده مع أحد ملاهي الإسكندرية، اكتشف بائع لحوم على عربة أمام الملهى، وأعجب كثيراً بما يقدمه من طعام. فأصبح بمرور الأيام زبوناً دائماً لتلك العربة. ينتهي من الغناء ليلاً ثم يخرج لتناول (سندويشات اللحمة)، ويدفع للبائع 5 قروش. في إحدى الليالي، خرج من الملهى فلم يجد البائع، ولما سأل عنه أخبروه أن الشرطة ألقت القبض عليه، لأنه كان يبيع لحم حمير. فصرخ فوزي قائلاً: "على كده، أنا أكلت من عنده حمارين”.

أقوال جاهزة

شارك غردعن صاحب "ذهب الليل طلع الفجر” التي نحفظها كلنا…

شارك غردمحمد فوزي، أول موسيقار عربي قدم لحناً بلا آلات موسيقية، يعتمد فقط على الأصوات البشرية، وهو ما عرف بفن "أكابيلا"

بعد سنوات من المعاناة منذ قدومه إلى القاهرة، ابتسمت الدنيا لفوزي والتحق بفرقة بديعة مصابني، صانعة النجوم كما كان يُطلق عليها. بعدها أسند له يوسف وهبي دوراً في فيلم "سيف الجلاد" عام 1944، لتبدأ انطلاقته السينمائية، ويؤسس عام 1947، شركة أفلام محمد فوزي، ويصبح محمد فوزي الثائر على أحواله الاجتماعية، نجم الشباك، والفتى الأول في السينما منذ هذه الفترة حتى نهاية الخمسينيات تقريباً.

التجديد الموسيقي

فوزي المولود في زمن "أمان يا لالالي"، أكمل ما بدأه سيد درويش ومحمد عبد الوهاب، من ثورة على الموسيقى القديمة. فكان له دور بارز في التجديد الموسيقي، وأول من قدم لحناً بلا آلات موسيقية، يعتمد فقط على الأصوات البشرية بتنوعاتها من السوبرانو إلى الباص، وهو ما عرف بفن "أكابيلا"، وكانت أغنية "كلمني وطمني" تعبيراً حياً عن هذا الفن.

بعد تجربة لم تنل حظها من الشهرة لأم كلثوم، حين غنت "نامي يا ملاكي"، يعتبر فوزي أول من غنى للأطفال بشكل مؤثر، ولا تزال أغنيته "ذهب الليل وطلع الفجر"، من الأيقونات الغنائية المقدمة للأطفال.

وكان من أبرع من قدم قالب الدويتو الغنائي. يقول رفيق الصبان، إن الدويتو بدأ مع عبد الوهاب في أغنية "حكيم عيون"، لكنه وصل إلى النضج مع محمد فوزي حين غنى مع ليلى مراد "شحات الغرام"، حتى أنه لقب وقتها باسم الدويتو.

وبرع في الأغنية الخفيفة ذات الجمل الموسيقية البسيطة، والتي وصفها محمد عبد الوهاب بـ"بسيطة لدرجة التعقيد، خفيفة تمس المشاعر بلا انتظار لترجمة معانيها. بقيت كالرصاصة تبهر الموسيقيينالجدد ليعيدوا توزيعها". وأضاف: "كان يتسول النغمات من كل دقائق الكون".

توزيع حديث للحن "طير بينا يا قلبي"

في التمثيل، قدم فوزي 35 فيلماً، بحسب الناقد الفني أشرف عبد الرحمن، امتازت جميعها بالطابع الغنائي خصوصاً الاستعراضي. أشهرها: ورد الغرام، بنات حواء، ثورة المدينة، الحب في خطر، وكل دقة في قلبي. وقدم خلالها عروضاً غنائية بالغة الأهمية، مثل "استعراض الزهور".

و"فين قلبي"

ارتبط بأكثر من سيدة، أولاهن الراقصة "لولا"، لدى عملهما في كازينو بديعة مصابني، التي كانت تمنع إقامة أي علاقة عاطفية بين العاملين لديها. طردت مصابني لولا فور علمها بعلاقتها بفوزي، فاستقال من العمل حين رفضت أن تعيد لولا إلى العمل مرة أخرى.

في بدايات شهرته، تزوج فوزي بالسيدة هداية، التي فرت من الإسكندرية مع أهلها إلى القاهرة، أثناء الحرب العالمية الثانية، وأنجب منها 3 أولاد. وبعد زواج استمر 9 سنوات، انفصل عنها ليتزوج الفنانة مديحة يسري عام 1952، وأنجب منها طفلاً، واستمر زواجهما نحو 8 سنوات، وانفصلا بسبب غيرتها الشديدة عليه وشعورها بخيانته لها.

عام 1960، تزوج "كريمة"، التي كانت تعشقه منذ طفولتها، وتزوجت قبله من رجل كان يكبرها بسنوات. كانت تحب الفن، وتعرف عليها فوزي عن طريق صديقه الملحن الشاب وقتها بليغ حمدي، فقررت ترك حلمها الفني من أجله. أنجب فوزي من كريمة ابنته الصغرى إيمان، وظلت معه حتى وفاته.

كاد فوزي أن يتزوج الفنانة شادية، وعرض على والدها أن يعقد قرانه عليها. فحين كانت شادية مراهقة تخطو بداية خطواتها في عالم الفن، وعمرها لا يتجاوز 17 عاماً، قدمها فوزي في فيلم (العقل في إجازة)، وكان والدها في ذلك الوقت يصحبها أثناء ذهابها للتمثيل. وكان هناك مشهد في الفيلم لفوزي (منتج الفيلم وبطله)، وهو يُقبّل شادية، فاعترض والدها، فعرض فوزي عليه أن يتزوجها، لكنه رفض لفارق السن الكبير بينهما، بحسب ما نشر في مجلة الكواكب عام 1977.

ساند الثورة فردت له الجميل

ساند محمد فوزي ثورة 23 يوليو مع اندلاعها، وشارك في فعاليات "قطار الرحمة"، التي كان هدفها جمع تبرعات من المواطنين في سائر المحافظات، لدعم الجيش المصري عام 1952، وغنى:

وحين أطلق جمال عبد الناصر سياسته لتمصير الاقتصاد المصري، ليستغني عن الأجانب الذين كانوا يتحكمون فيه، كان فوزي من أول من استجابوا للدولة، وأسس "مصرفون" عام 1958، وهي أول شركة مصرية شرق أوسطية لإنتاج وصناعة الأسطوانات. كانت تنتج الأسطوانة بسعر 35 قرشاً، غير قابلة للكسر، في حين كانت تبيعها الشركات الأجنبية بضعفَي هذا الثمن. وافتتحها وزير الصناعة حينها عزيز صدقي، وأشاد بالفكرة التي كانت توفر على مصر إنفاق العملة الأجنبية الصعبة في الاستيراد.

الشركة كانت ملء السمع والبصر حينها، وكانت تنتج لكبار المطربين وعلى رأسهم أم كلثوم نفسها، ما شجع عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب لتأسيس شركة صوت الفن عام 1960، للغرض نفسه تقريباً.

ولكن عام 1961، وبعد صدور القوانين الاشتراكية تم تأميم شركة مصر فون وضمها للدولة، وعيّن محمد فوزي مديراً براتب 100 جنيه على الشركة التي أنفق عليها كل ما يملك، واضطر لبيع عقارات وأصول ثابتة من أجلها. لم يشمل التأميم شركة صوت الفن في ذلك الوقت. وأرجع البعض سبب ذلك لقرب عبد الحليم حافظ من جمال عبد الناصر.

بالطبع تأثر فوزي وتأزم. يقول المصور الشهير فاروق إبراهيم في مذكراته، إن فوزي ذهب لشركته، ففوجئ بجلوس رجل كفيف في مكتبه، وتخصيص مكتب صغير له كان في السابق غرفة للساعي الذي يخدمه. رفض فوزي الجلوس في المكتب وعاد إلى بيته، ليفاجأ بآلام شديدة في بطنه، استمرت تأتيه بين الحين والآخر، ليذهب في رحلة مع مرض استعصى على الأطباء تشخيصه. سافر للعلاج في بريطانيا وألمانيا، ولكن المستشفى الألماني الذي كان يتعالج فيه أعلن أن المرض الذي أصيب به نادر، ولم يصب به في العالم إلا 5 أشخاص، حتى أنه عرف وقتها بـ"مرض فوزي"، لندرته. اكتُشف لاحقاً أنه كان تليفاً في الغشاء البريتوني الداخلي للبطن.

هذه الصورة التقطها فاروق إبراهيم لفوزي قبل وفاته بفترة قصيرة بناءً على طلبه، بعد أن تضاءل حجمه وفقد معظم وزنه. ونقل إبراهيم عنه قوله لحظة التقاطها: "صور كويس يا فاروق.. مش عايز المعجبات يضيعوا زي صحتي ما ضاعت".

image (5)

وكتب فوزي حينها كلمات نشرها فاروق إبراهيم في ما بعد، هي: "منذ أكثر من سنة تقريباً، وأنا أشكو من ألم حاد في جسمي لا أعرف سببه، بعض الأطباء يقولون إنه روماتيزم والبعض يقول إنه نتيجة عملية الحالب التي أجريت لي، كل هذا يحدث والألم يزداد شيئاً فشيئاً، وبدأ النوم يطير من عيني واحتار الأطباء في تشخيص هذا المرض. كل هذا وأنا أحاول إخفاء آلامي عن الأصدقاء إلى أن استبد بي المرض ولم أستطع القيام من الفراش، وبدأ وزني ينقص، وفقدت فعلاً نحو 12 كيلوغراماً، وانسدت نفسي عن الأكل حتى الحقن المسكنة التي كنت أُحْقَن بها لتخفيف الألم بدأ جسمي يأخذ عليها وأصبحت لا تؤثر فيّ، وبدأ الأهل والأصدقاء يشعرونني بآلامي وضعفي وأنا حاسس أني أذوب كالشمعة... الموت علينا حق... إذا لم نمت اليوم سنموت غداً، وأحمد الله أنني مؤمن بربي، فلا أخاف الموت الذي قد يريحني من هذه الآلام التي أعانيها، فقد أديت واجبي نحو بلدي وكنت أتمنى أن أؤدي الكثير، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة والأعمار بيد الله، لن يطيبها الطب، ولكنني لجأت إلى العلاج حتى لا أكون مقصراً في حق نفسي، وفي حق مستقبل أولادي الذين لا يزالون يطلبون العلم في القاهرة. تحياتي إلى كل إنسان أحبني ورفع يده إلى السما من أجلي... تحياتي لكل طفل أسعدته ألحاني... تحياتي لبلدي... أخيراً تحياتي لأولادي وأسرتي... واختتم الرسالة: لا أريد أن أُدفن اليوم، أريد أن تكون جنازتي غداً الساعة 11 صباحاً من ميدان التحرير، فأنا أريد أن أُدفن يوم الجمعة”.

ويقول فاروق إبراهيم، إن المثير بحق أن ما شعر به محمد فوزي كان صحيحاً، إذ وافته المنيّة في اليوم نفسه الذي كتب فيه رسالته، وهو الخميس 20 أكتوبر 1966، عن عمر ناهز الـ48 عاماً، ليدفن يوم الجمعة كما تمنى.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

كلمات مفتاحية
الزمن الجميل مصر

التعليقات

المقال التالي