هل يصلح الراب العربي خليفة للشعر؟

هل يصلح الراب العربي خليفة للشعر؟

يتجه الشعر العربي أكثر فأكثر إلى التخلص من الأوزان والقوافي، وبالتزامن مع التخلص من الشروط التقليدية للشعر، يصعد فن آخر يتولى مهمة إنشاء القوافي والأبيات الموزونة (وإن وفقاً لتعريف مختلف). ويضع لنفسه شروطاً أكثر صعوبة، وإن كان معظمها يقع في ساحة اللهجات العامية الأكثر مرونة من العربية الفصيحة. حكاية هذا الفن بدأت في السبعينات المبكرة في حي برونكس في نيويورك، ليصبح اليوم من أكثر الفنون الموسيقية انتشاراً في العالم، معروفاً باسم موسيقى الراب أو الهيب هوب.

شاعر أم مؤدٍ؟

في فيلم "هيب هوب المقلاع" للمخرجة الفلسطينية/الأمريكية جاكي سلوم، يعرض تامر نفار من فرقة (دام) على الكاميرا دواوين الشعر في غرفته، كجزءٍ من الإرث الذي يبني موسيقاه عليه. في ظل غياب إرث طويل من موسيقى الراب العربية، لا يبدو أمام مغني الراب سوى الشعر العربي لاكتشاف المزيد من المفردات والقوافي في اللغة العربية.

أقوال جاهزة

شارك غردفي ظل غياب إرث طويل من موسيقى الراب العربية، لا يبدو أمام مغني الراب سوى الشعر العربي لاكتشاف المزيد من المفردات والقوافي

شارك غردشعر العصر الحديث...

مغني الراب الفلسطيني السوري (المقيم في السويد) "ابن حواري"، يقول: "الشعر هو أكبر القواميس التي أعتمد عليها، لا يوجد بنك مفردات أوسع من اللغة العربية الفصحى، حين بدأت بغناء الراب كنتُ أجرب غناء قصائد من الشعر العمودي لأنها موزونة". وبالفعل تصلح الكثير من بعض بحور العروض للأداء الموسيقي بطريقة الراب، واستفاد كثيرون من هذا الأمر، كأغنية "Sufi Hop" لـ"هالو سايكاليبو" التي تستخدم كلمات قصيدة "لبيك لبيك" للحلاج، في مقطع الراب الوحيد في الأغنية. أضف لذلك الروح التي تملكها موسيقى الراب وملكها الشعر العربي سابقاً، ففي حين لا نسمع اليوم بشعراء يتبادلون الهجاء كالأزمنة السابقة، يمكن أن تشاهد يومياً معارك راب جديدة في القاهرة أو بيروت أو غيرهما من المدن العربية.

ولكن كيف يمكن تقييم جودة الكلمات في هذه المساحة الملتبسة بين الشعر وكلمات الأغاني؟ البعض يرى أن طبيعة الراب الاحتجاجية تفرض النظر إلى الموضوع كعنصر أساسي في تقييم الكلمات، ولكن في الوقت نفسه يظل للذكاء في تأليف الكلمات والابتعاد عن المعالجة البديهية أو المباشرة للموضوع، الأثر الأكبر على التقييم. في أغنية "غريب في بلادي" لفرقة (دام) يرد في المقطع الثالث من الأغنية أسماء الشهداء الثلاثة عشر الذي سقطوا في الاشتباكات مع قوات الاحتلال سنة 2000، في ما يعرف اليوم باسم هبة الأقصى، مثلاً: "علاء وطنا، عماد وطنا، أكتوبر الأسود أثبت أنو الإياد بدمنا، إذا الكل فيهم وليد تحت الاحتلال، كيف مش رامي الماضي بل رامي حاله كالسيف الماضي". هذا التخليد غير المباشر الذي يقوم به تامر نفار يتباين مثلاً مع المعالجة المباشرة التي قام بها "طعم الألم" للحوادث نفسها في أغنية "13 شهيد".

النغمات تهزم الكلمات

الجانب اللغوي في الراب العربي يتعرض لضغطٍ من جهتين، الأولى تأثره بالشعر العربي وبالتالي لغة الآداب من ناحية، والثانية التركيز على الجوانب الموسيقية، بما قد يرافقه من تقصير في الناحية اللغوية. فمن الواضح أن تركيز التجارب العربية حتى اليوم هو على الجانب الأول، ورغم ذلك ما زال الناتج "يعد معظمه إعادة إنتاج مشوهة"، وفقاً لتعبير رامي أبادير (موسيقي ومنتج مصري) في مقاله على معازف. فيؤدي مثلاً لخروج معالجات مباشرة لغوياً لشتى القضايا كمجرد مرافق أو إتمام لكوتا الإنتاج الموسيقي محط التركيز، كمعالجة قضية الإسلام السياسي في أغنية "إسلامي" لـ"الراس" و"الناظر". فترد عبارات مكرورة عن القضية مثل "حسب كيف بيفهم الإسلام" و"مش إسلام خميني (..) مش إسلام وهابي (..) مش إسلام أخواني (..) مش إسلام دواعش"، أو حتى التضحية بوضوح الكلمات سمعياً لصالح الاعتبارات الموسيقية، كما هي الحال مثلاً في ألبوم "حيوان ناطق" لـ"مقاطعة".

إذا قبلنا استخدام موسيقى الراب في الثقافات الأخرى، خصوصاً الأمريكية، كمقياس، فإن الاختلاف شاسع من ناحية نوعية الكلمات. ففي حين تميل أغاني الراب عادةً لاستخدام اللهجات العامية وقاموس الشارع، والأحياء الفقيرة خصوصاً، يميل الراب العربي إلى استخدام لغة أكثر فصاحة وبعداً عن لغة الشارع نفسها، وحتى إنتاج الكثير من الأغاني بالعربية الفصيحة، مثل "طريقك طريقة" لـ"الدرويش". أضف لذلك الخجل الموجود حتى الآن من استخدام الكلمات النابية أو التحدث صراحةً عن المواضيع التي تعجز عادةً الموسيقى التقليدية معالجتها. رأيٌ يخالفه ابن حواري الذي يستعد لإصدار ألبومه الأول "الخروج إلى الداخل" في بداية العام المقبل، فهو إذ يعترف أن "الشعر العربي يتفوق بمسافة مريحة على الراب العربي"، فإنه يعتبر العرب أفضل على مستوى الكلمات، ويقتصر التفوق الأمريكي على الأداء.

هوية غير مطابقة

في حال استمررنا بالمقارنة مع الثقافات الأخرى، وهذه المرة غير الأمريكية، التي استقبلت الراب كفن دخيل (موسيقياً) على ثقافتها، شرق أوروبا خصوصاً، سنجد الاختلافات متباينة أيضاً، من ناحية أن معظم مغني الراب العربي، يعملون ضمن موجات الموسيقى البديلة والمستقلة في بلادهم، أكثر مما يشكلون حصة مستقلة من الإنتاج الموسيقي. ويمكن رصد ذلك من التعاونات الكثيرة بين مغني الراب وأصحاب المشاريع القائمة على توطين أنواع غربية أخرى، كالجاز والروك والموسيقى الإلكترونية. كما يبدو حتى اليوم، بعكس طبيعة الانتشار المعتادة، الراب العربي منفصلاً عن مجتمعه، سواء من ناحية اللغة التي تكلمنا عنها سابقاً، أو الانتشار. فجمهور الراب العربي هو غالباً شريحة من جمهور الموسيقى البديلة، أكثر مما هو من الجمهور العربي للراب الأمريكي. كما يفتقد حتى الآن الوقوف موقف المواجهة مع السلطات المختلفة باسم المجتمع. فالراب العربي هو إما معلق منفصل عن الأحداث السياسية الحاصلة في الدول العربية، أو جزء من الحراكات الاحتجاجية، لكن بوصفه خادماً لا محرضاً للاحتجاج، كما هي الحال في أغنية "رئيس البلاد" للتونسي "الجنرال" الذي سجن على إثرها في يناير 2010.

يمتد هذا الانفصال أحياناً إلى الجغرافيا، فالكثير من محترفي الراب السوريين (مثل الدرويش، بوكلثوم، ابن حواري، وتر...) مقيمون اليوم خارجها، أمر يمكن قياس أثره عند مقارنة الكلمات المكتوبة في الخارج، والتي يمكن وصفها بالرومانسية، بنظيرتها المكتوبة في الداخل بمباشرتها وجلاء الغضب من آثار الحرب فيها. ففي حين يقول بوكلثوم في أغنيته (مع رامي جي بي) "نجمة الصبح": "أنا كاره المرايا، أنا خبز حلفايا، أنا الفجر شدّ الجيم، فأصابعي شظايا". فولكينو المقيم داخل سوريا، والذي لا يخجل في أغانيه من الحديث عن مشاركته في أنشطة حربية، يقول في أغنيته "نعوة": "ما عاد في ثقة، بهالدمار تفسح، بتستنتج أنو اللي خري عالثورة بالحكومة مسّح"، والنتيجة انتشار أوسع لصاحب الكلمات الأخيرة (نحو 80 ألف مشاهدة للأولى مقابل 362 ألفاً للثانية).

ربما يمكن تبرير معظم العيوب أو الارتباكات في موسيقى الراب العربية بحداثة عهدها، وعدم وجود إرث محلي كبير يمكن البناء عليه. ولكن لا بد من استغلال الفرصة التاريخية للعب دور كبير في المشهد الموسيقي والاجتماعي العربي. فمن ناحية تخلي الشعر العربي بهذا الشكل الواسع عن القافية والوزن مدعوماً بلغة الراب العامية الأكثر مرونة، يترك للراب "سوقاً غير مشبعة" قليلة المنافسين، بالتزامن مع التطورات التكنولوجية التي قللت من دور شركات الإنتاج الموسيقي الكبرى في الانتشار.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي