الجرأة في الفنون الشعبية السودانية وأغاني التراث

الجرأة في الفنون الشعبية السودانية وأغاني التراث

يحفل السودان، الذي يتحدث أهله نحو مئة لغة ولهجة، فضلاً عن العربية، بتنوع ثقافي فريد يشكّل مادة خصبة للفنون الشعبية، خصوصاً فنّي الغناء والرقص، اللذّين يحملان تعبيرات ثقافية وعاطفية جريئة في مقاربة الجنس وكشف أحواله.

ويُعد فن الرقص الطقوسي المختلط بين الجنسين، والمصحوب بالغناء، من أهم الفنون الشعبية السودانية. وهو يرتبط بحياة الناس، حتى الوقت الحاضر، رغم أنه يأخذ طابعاً مختلفاً أدائياً وسياقياً باختلاف الثقافة المنتجة له، ويرتبط دائماً بالخصب، حصاداً وأعراساً. لذا من السهل جداً القول بوجود طابع جنسي معبر عنه بجرأة.

"الجنس بحد ذاته مقدس في ثقافات قسم كبير من أهل السودان، وفي بعض الطقوس توجد رقصات جنسية"، يقول أستاذ الفلكلور بمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، عباس الحاج الأمين، لرصيف22. ويضيف أن الفنون الشعبية السودانية عبرت عن أنماط المجتمع، مشيراً إلى أن الرقص سلالي/ عرقي، ومرتبط بطقوس وسياقات أبرزها السياق الاقتصادي (الحصاد)، والسياق الديني، والسياق الاجتماعي.

أقوال جاهزة

شارك غرد“دق الباب وجانا وأنا جريت ليه حفيانة، دق الباب بشدة، وأنا جريت ليه مستعدة” الجرأة في التراث الغنائي السوداني

شارك غردتحمل الفنون الشعبية السودانية تعبيرات جريئة في مقاربة الجنس وكشف أحواله... جرأة لا يسهل تخيلها في مجتمع محافظ!


ففي كل سياق رقص معين، وفي كل رقص سياق معين. يحمل كل أداء شعبي دلالات ثقافية، منها عكس هوية الجماعة، ودلالات دينية، ودلالات جنسية. فيصف الشاعر أبو صلاح جمال إحداهن: "الصدير أعطافك فتّرا (أتعبها) والنهيد باع فينا واشترا، عالي صدرك لي خصرك برا، فيهو جوز (زوج) رمان جلّ البرا (الباري)، الخطيبة وردفك منبرا، الشعور البسطل عنبرا". هذه الأبيات من أغنية بدور القلعة، غناها الفنان السوداني المخضرم محمد الأمين. وهي من تراث "الحقيبة"، التي ظهرت مدرستها الفنية في مطلع القرن العشرين، بمدينة أم درمان، غربي العاصمة.

بينما تعكس أغنية آمنة التراثية، حالة روحية وآيروتيكية معاً، شديدة الفتك بصاحبها، إذ يقول: "في عينيها عالم تاني ما شفتوها، زي لون آمنة ما لاقاني، ما شفتوها، في إيدي الحرير مسّاني، ومن يوم داك (ذلك اليوم) جاني الجاني، ما شفتوها يا خلاني". ثم يقول إن الذي حدث له يمنعه من أن يعود كما كان قبل تلك المقابلة، التي ألهبت مشاعره. ثم يمضي في شيء من العذاب وكثير من البوح إلى عوالم جسدها: "دي الموقدة العباد بي نارها ما شفتوها، دي المن النسيم تضارى ما شفتوها، الصديرها عام في الدارة، وخلت ناس فلانة حيارى، ما شفتوها يا خلاني... عامت (رقصت) وانتنت زي بانة ما شفتوها، ساقيها الندى ورويانة ما شفتوها، دا الكمل صبرنا وأذانا، شفتو عيوني في سيقانها، ما شفتوها... واحدين قالوا شفنا الشامة ما شفتوها، واحدين قالوا ضامر هافا، براي بجيد أوصافها وسادل ديسها لي أكتافها، ما شفتوها يا خلاني".

"أغاني البنات" الجريئة

إن الفن الشعبي السوداني، وتحديداً الغنائي منه، ليس أسير حالة ذكورية. فهناك ما يعرف محلياً بأغاني البنات، التي أنتجتها عناصر ثقافية مجهولة المبدع، بمعزل عن التعبير الحسي والجنسي. فإحداهن تُعبِّر عن لهفتها لحبيبها قائلة: "دق الباب وجانا وأنا جريت ليه حفيانة (جريت ليه عريانة في الأصل)، دق الباب بشدة،  وأنا جريت ليه مستعدة". أي أن حبيبها عندما نقر باب بيتها، هرولت إليه حافية القدمين، ويزداد المشهد درامية حين نقر على الباب لكن بقوة هذه المرة، هنا يكتمل المشهد إثارة، إذ تقول إنها أعدت العدة للقائه.

وكذلك تحتشد أغنية "البنسلين يا تمرجي" التراثية، بإشارات جريئة، وهي من أغاني البنات أيضاً، تقول: "البنسلين يا تمرجي، نادوا الحكيم يا تمرجي، أنا ما بنوم يا تمرجي، بعد النجوم يا تمرجي... الليلة حاسي يا تمرجي، الليلة لوستي، سكونو كوستي يا تمرجي... ودا القيافة، دا أخضر قيافة، ودي النحافة يا تمرجي، لونك بياض يا تمرجي، أحب البياض يا تمرجي... أنا بفهم، والله بفهم يا تمرجي، بريدو أكرم يا تمرجي... كابتن صلاح يا تمرجي، شايل السلاح تاح تراح يا تمرجي".

فن هابط؟

هذا التعبير عن الحب داخل سياق الثقافة الشعبية، يعدّه البعض فناً هابطاً وينتقده باستمرار، بإسقاط قيمه هو عليه. لكن الفنون الشعبية بطبيعتها تعبر عن نفسها بسهولة، فهي ممارسة تلقائية، لا تلقي بالاً لكل ما يدور خارجها، فأغاني البنات كأداء لديها وظائف، "منها حاجة الإنسان للتنفيس والتعبير عن أي كبت"، بحسب الأمين.

تملك الثقافة الشعبية القدرة على إنتاج نفسها باستمرار، والتماشي مع الحاضر. كما بإمكانها الظهور بدون حرج باعتبارها ثقافة حرة، كل شيء فيها يسير بشكل طبيعي، ولو أراد البعض أن يحاكمها قيمياً. "قد يتخيل الكثيرون أن هناك خطباً ما حين يتم تداول مفردات جنسية مثلاً بين النساء، لكنه أمر اعتيادي في الثقافة الشعبية"، يقول الأمين.

الحب المرموز له جنسياً في التراث الغنائي الشعبي، قد لا يخطر في بال الكثيرين وجوده في فن مجتمع يوصف بالمحافظ. يقول الشاعر سيد عبد العزيز، في مقطع  من قصيدته "السمحة أم عجن"، غناها الفنان عبد الله الماحي وشارك في أدائها فنانون كثر منذ سنوات طويلة:

"كيف أسلى عينيك والوجن، يا البسمتك نور الدجن، جسمك حرير ناسجه العجن، ناضر وباللون انعجن... ما أحلاك يا الجيدك شدن، يا العمري فيك ضائع سدىً، أنا عندي شوفتك يا اللدن، أحسن من الروح في البدن".

وغنى محمد وردي، وهو أحد أبرز المغنيين السودانيين، أغنية "القمر بوبا" التراثية، التي تصور في أحد مقاطعها جمال جسد إحداهن.

"القديما (القدم) قديما الحمام، الوزين في موجو عام، يا مرايقة قليلة كلام، وا حلاتا تقول السلام، القمر بوبا عليك تقيل... سيسبان عودك منظم، شمعدان نفسك مختم، البرتكان (البرتقال) نهدك مدردم (مدور) القمر بوبا عليك تقيل".

في الغناء الحديث، عبّر السودانيون أيضاً عن حب محتدم، فغنى الفنان حمد الريح للشاعر والدبلوماسي السوداني صلاح أحمد إبراهيم، أغنية "يا مريا"، يقول مقطع منها:

"ليت لي إزميل فدياس وروحاً عبقرية، وأمامي تل مرمر

لنحتّ الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك تمثالاً مكبر

وجعلت الشعر كالشلال، بعض يلزم الكتف، وبعض يتبعثر

وعلى الأهداب ليلا يتعثر، وعلى الأجفان لغزا لا يفسر

وعلى الخدين نورا يتكسر، وعلى الأسنان سكر

وفماً ـ كالأسد الجوعان ـ زمجر، يرسل الهمس به لحنا معطر

وينادي شفة عطشى، وأخرى تتحسر، وعلى الصدر نوافير جحيم تتفجر

وحزاماً في مضيق، كلما قلت قصير هو  كان الخصر أصغر.

قاص وروائي سوداني. حائز على جائزة الطيب صالح التقديرية للرواية في عام 2013 . عمل سابقا محررا بعدد من الصحف، ويعمل حاليا في الصحافة الإلكترونية.

كلمات مفتاحية
السودان فن

التعليقات

المقال التالي