الطائفية في الأدب المصري

الطائفية في الأدب المصري

لطالما وُجدت الطائفية في كل المجتمعات رغم أن شكلها يختلف من مجتمع إلى آخر، باختلاف قيم التسامح فيه. ولربما هذا ما جسده الأدب المصري عن ملف الطائفية في مصر.

الطائفية منذ 100 عام

بحسب الناقد الأدبي أحمد الخميسي، تناول الأدب المصري الطائفية منذ أكثر من مئة عام. فهنالك رويات مبكرة تناولت الطائفية، ولكن باعتبارها ظاهرة أخلاقية أكثر منها ظاهرة اجتماعية. وقد تناول هذه المسألة الدكتور عبد المحسن طه بدر في كتابه "تطوّر الرواية العربية الحديثة في مصر: 1870-1938".

وأضاف الخميسي لرصيف22، أن هناك بعض التناولات للطائفية من زاوية أخرى، من منظور إرساء المحبة بين المسيحيين والمسلمين، كرواية إحسان عبد القدوس "الله محبة"، وعبدالحميد جودة السحار حين كتب في الوقت نفسه عن الرسول محمد والمسيح.

ومن الروايات التي تناولت الطائفية وحياة الأقباط في الأدب المصري:

"قسمة الغرماء" و"قطار الصعيد"

صدرت رواية  "قسمة الغرماء" للأديب الكبير يوسف القعيد عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بعد أن صدرت عن دار الساقي في لندن ومنعت من النشر في مصر لفترة طويلة.

عبود جرجس، مواطن مصري مسيحي يعمل مديراً لإحدى الشركات في محافظة أسيوط، يحاربه متشددون من المسلمين ويضطهدونه في عمله، لمجرد أنه مسيحي، ويعترضون على أن يترأسهم، فيضطر إلى ترك وطنه، ويترك زوجته مرام وابنه ماجد، ويكتفي بإرسال مبلغ ضئيل من المال شهرياً مع مهرة عبدالجليل، صديقته القديمة، وهي فنانة مسلمة معتزلة ومحجبة، وهذا يعد الحدث الأبرز الذي تدور حوله الرواية.

ويدرس ابنه ماجد الهندسة، ويكون طالباً متفوقاً، وبالرغم من ذلك، يواجه مجموعة من التناقضات في المجتمع، ورفض لوجوده، فيصبح حلمه هو الآخر الهجرة. وتشده تلك التناقضات إلى أشياء غير منطقية بالنسبه إليه، ويقع في علاقة جنسية مع مهرة الفنانة المسلمة، التي تعد في عمر والدته. ويختم القعيد روايته بهذا المشهد ليضع تساؤلات عديدة حول المستقبل من جوف هذا الحاضر الذي عرضه في الرواية.

قال القعيد لرصيف22 إن "الهم الطائفي هو الهم الجوهري في رواية قسمة الغرماء". مشيراً إلى أنه أراد من خلال عنوان الرواية، أن يظهر للمجتمع أنه ليس هناك منتصر وخاسر في قضية الطائفية، إذ إن الجميع مهزوم. ولفت إلى أن التسمية تأتي من أن التجار حين يخسرون يقيمون قسمة غرماء في ما بينهم، ويتبادلون الخسارة. وهو أشار إلى المسيحيين والمسلمين كغرماء في المجتمع، سيقتسمون الخسارة في حال سيطرة الطائفية.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف تناول الأدب المصري مسألة الطائفية؟

شارك غردتناول الأدب المصري الطائفية منذ أكثر من مئة عام، إليكم أبرز إنتاجاته...

أما رواية "قطار الصعيد"، فصدرت عن دار الشروق للنشر، وتدور أحداثها في الصعيد، وتكشف جوانب الحياة المعقدة والمهملة وقضايا الثأر والطائفية.

يقول القعيد لرصيف22 أن المحرك الذي دفعه لكتابة "قطار الصعيد" كان هموم هذا الواقع ومشاكله، خاصة أن الطائفية موجودة في الصعيد برغم كل ما يقال عن نفيها. ولفت إلى انه ولد وعاش في قرية تابعة لمحافظة البحيرة، وفيها كنيسة. وهذا ما جعله قريباً من هموم المسيحيين، وشاهداً منذ طفولته على الاحتقان الطائفي في المجتمع المحيط به.

كل شيء هادئ فى الجنوب

صدرت رواية "كل شيء هادئ في الجنوب"، للروائي حمدي البطران عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. تدور أحداثها حول ضابط شرطة من القاهرة، نقل للعمل في الصعيد، يتعرف إلى طبيب قبطي ويصبحان صديقين. ويحكي الطبيب للضابط عن مشاكله في العمل، وما يواجهه من تهديد بالقتل بسبب ثأر قديم، إذ يلاحقه بعض الرجال الذين قتلوا أختهم لعلاقتها غير الشرعيه بأحد الرجال، ويهددونه بالقتل إن أثبت في تقريره الشرعي أنها ماتت مقتولة. يطلب من الضابط المساعدة فيقُبض على هؤلاء الرجال ويتم تقديمهم للمحاكمة. وبما أن الضابط أثبت نجاحه، يطلب منه مدير الأمن أن يكتب تقريراً حول الحالة الأمنية في الصعيد ليرفعه للوزارة.

يأخذ الضابط إجازة ليزور القاهرة، وهناك يتلقى خبر مقتل صديقه الطبيب على يد جماعات متطرفة، وقد برّر مدير الأمن هذه الجريمة بأنها أتت بسبب علاقات الطبيب النسائية. يكتب الضابط التقرير ويختمه: "كل شيء هادئ في الجنوب" فيتخذ الكاتب هذه الجملة عنواناً لروايته ليظهر التطرف والطائفية وعادات الصعيد والخلافات المعقدة فيه وتعامل السلطات الأمنية مع الأحداث وتبريرها للجرائم.

التمييز يطارد زمردة في وطنها

صدرت "أوراق زمردة أيوب" للروائي بدر الديب عن دار الكرامة. زمردة أيوب، مواطنة قبطية مصرية تستدعي ذكرياتها بعد وصولها لسن الخمسين. تتذكر حياتها قبل السفر إلى أميركا، فتعود إلى بلدها مصر. وهناك، تصطدم بمعاملة الناس لها بتمييز ديني، وتبدأ بالتساؤل هل تعود إلى أمريكا أم تستمر في مصر وتحاول الإصلاح في قضية الطائفية. ويطرح الروائي أسئلة متعددة هل الهجرة هي الحل أم الإصلاح في التخلص من الطائفية.

وقال الناقد أحمد الخميسي لرصيف22 إن هذه الرواية من أهم الروايات التي تناولت الطائفية، وأشار إلى أن بدر الديب من الروائيين القلائل الذين تجاوزوا فكرة الطائفية كموقف أخلاقي، وربطها بتحولات اجتماعية ووعي اجتماعي محدد، واستطاع أيضاً أن يربطها بالفساد وبجوانب اقتصادية وسياسية.

المجتمع غارق في التشوه

صدرت رواية "صياد الملائكة" للروائي هيدرا جرجس عن دار الربيع العربي. يسكن "حنا" الشاب المسيحي ابن الخامسة والثلاثين عاماً بمفرده في شقته. يقنعه صديقه بأن يمارس الجنسة مع فتاة منقبة تدعى "صفية". يأتي اليوم المنتظر وتذهب "صفية" لمنزل حنا. تشك ابنة البواب في صعود صفية المسلمة عند حنا، فتصرخ منادية ويجتمع الناس ويقتحمون الشقة.

وقال الكاتب والروائي أحمد سراج لرصيف22: "الرواية تناولت الطائفية كقشرة لتشوه المجتمع، وأن الفكرة ليست فقط أن رجلاً مسيحياً يقيم علاقة جنسية مع فتاة مسلمة، وأغضب الأهالي، بل هناك أسئلة اجتماعية كثيرة خلف ذلك. مثلاً هذه الفتاة ترتدي النقاب، وتنتمي لأسرة تعيش في مدينة أشبه بالقرية المتسامحة. فكيف تلجأ للدعارة حتى تستطيع العيش؟ هذا تشوه وخلل، فأين الأشخاص الذين يساعدون المحتاج؟ وكيف لمجتمع تكافلي بطبيعته أن ينهش لحم (يستغلها جسدياً) فتاة كهذه؟".

التكفير بداية الهلاك

صدرت رواية "خير الله الجبل" للروائي علاء فرغلي عن دار "العين" للنشر. وتدور أحداثها حول نشوء وتحولات واحدة من أشهر العشوائيات في القاهرة، وهي عزبة خير الله منذ الثمانينيات، عبر شخصية صالحين، وإخوتها، وطموحها في الارتقاء الاجتماعي عبر تعليمهم. وهي تتعامل طوال الوقت مع كل جيرانها بشكل طبيعي، بمن فيهم "أم بطرسة" المسيحية. إلى أن يفتي لها أحد مشايخ العزبة، أن صداقة المسيحيين وأكل طعامهم وتهنئتهم بأعيادهم حرام شرعاً ﻷنهم كفار، فتبدأ صالحين بمقاطعة أم بطرسة والتهرب من التعامل معها.

وبحسب الناقد الأدبي عمر شهريار، تحاول الرواية أن تطرح كل جوانب الوعي الشعبي، وتحديداً في العشوائيات، وما ينتج عن هذا الفقر المدقع من سلوكيات العنف والخوف والعيش بطريقة مستقلة عن أي قوانين أو تطبيق لمعايير المواطنة. إذ يرفض السكان أي تعامل مع الدولة، ويصبح دخول "الحكومة" (الشرطة) إلى العزبة نذير شؤم على أهلها، ومعناه كارثة محققة تتمثل في طردهم من منازلهم غير المرخصة أو القبض على أحد السكان، ومن ثم يتعاطى هؤلاء المنسيون دوماً مع الدولة بمبدأ "يا نحلة لا تقرصيني ولا عايز عسل منك" ويحتمون بالفتوة "الضبع" الذي يمثل رأس دولتهم الخاصة رغم ما يفرضه عليهم من إتاوات".

وأضاف شهريار لرصيف22، أنه من ضمن ما ينتجه هذا المجتمع العشوائي، بخلاف الفقر والخوف والمرض والجهل، هو التدين العشوائي. خصوصاً مع هيمنة شيوخ التطرف، فتتحول العزبة إلى طوائف (الصعايدة والبحاروة والغجر، والمسلمين والمسيحيين)، وكل طائفة تحتمي بأهلها.

وتابع: "برغم هذه الطائفية فإن منطق المصالح المشتركة يهدم الحواجز المفتعلة، فعندما يتجه المحامي المسيحي (الذي يسكن في غرفة استأجرها في بيت صالحين) إلى المسجد ويقتحمه ويمسك بالميكروفون ليعلن أنه سيحرك دعوى قضائية ضد الحكومة حتى لا تطردهم من اﻷراضي التي وضعوا أيديهم عليهم، لا يعترض أحد، ويذهبون إليه ويحررون توكيلات له، فيتحد الجميع ضد الحكومة. لكن هذا الاتحاد لم يمنع "الشيخ يونس" مؤذن الجامع من أن يغسل الميكروفون مرات كثيرة بعضها بالتراب ليزيل عنه أثر نجاسة المسيحي”.

ويقول شهريار إننا، إذن، أمام التقاء نفعي مؤقت للتوحد ضد الدولة، لكن العقيدة الشعبية الراسخة في الوجدان تظل مسكونة بالوعي الطائفي اﻹقصائي.

الفقر والجنس يشوهان بدور

صدرت رواية "سانت تريزا" للروائي والناقد الدكتور بهاء عبد المجيد عام 2001 عن دار "اكتب" للنشر. تتناول الرواية التعايش بين المسلم والمسيحي واليهودي في مصر. وتدور أحداثها في "شبرا" في فترة الخمسينيات والثمانينات، حول فتاة مسيحية اسمها بدور.

تتناول الرواية علاقة المسلمين بالمسيحيين في مصر من خلال علاقة بدور بصديقتها المقربة "سوسن" الفتاة المسلمة التي تحب الذهاب إلى الكنيسة مع والدتها من وقت لآخر لمشاركة المسيحيين صلاتهم. ثم تتوتر علاقة بدور وسوسن بعد عدة احداث سياسية في الدولة تمس الأمن العام فيحدث شرخ في صداقتهما.

ولم تتح الظروف لبدور أن تكمل مراحل تعليمها فتوقفت عند المرحلة الإعدادية، وتتزوج "جرجس وتتعرف على "لوكا"، اليهودي صاحب الأتيلييه الذي يقيم علاقة مع بدور بعد ذلك، ويتغاضى عنها جرجس كثيراً ثم يقتله في النهاية حفاظاً على شرفه.

يقول الروائي بهاء عبد المجيد لرصيف22: "حاولت أن أدفن الطائفية وأقتلها في روايتي، وأؤكد أن المسلمين والمسيحين في مصر يجب أن لا يؤمنوا بالطائفية".

الحب الممنوع

صدرت رواية "جسد ضيق" عن دار "الراية" للروائية هويدا صالح. تدور أحداثها في صعيد مصر، حيث تنشأ علاقة عاطفية بين محمود المسلم وفردوس المسيحية.

وكانت جدة فردوس (أم أمها) قد تزوجت بعد وفاة جدها من رجل مسلم وأعلنت أسلامها ليلاحق ابنتها العار بسبب ذلك، فتعيش دميانا أم فردوس قلقاً دائماً وخوفاً من أن يلاحق ابنتها مصير جدتها.

وتجبر العادات والتقاليد الصعيدية فردوس ومحمود على التخلي عن حبهما فيتزوج محمود ابنة عمه ويستمر في زواجه مرغماً رغم تعاسته وتتزوج فردوس من شاب مسيحي تكتشف أنه عاجز جنسياً.

وقال الناقد سيد الوكيل لرصيف22، إن الرواية تركز على مجموعة أطروحات وإشكاليات مجتمعية، كالهامش الاجتماعي بكل أشكاله، ويظهر في الرواية على ثلاثة أشكال، "الأول، تمركز أحداث الرواية في الصعيد الذي يعد مهمشاً، والثاني أن معظم شخصيات الرواية تدور حول عنصر النساء، والمرأة ذات وضعية مهمشة في مجتمع ذكوري. أما العنصر الثالث فعن المسيحيين، وهو الهامش الديني".

وأوضح الوكيل أن الكاتبة تتمتع بقدرتها على خلق سياقات درامية لكل شخصية ولكل مستوى من الهامش، لافتاً إلى أن الرواية تحمل مضامين إجتماعية ورسائل حول موضوع الهامش في العموم، وهذا يجعلها نمطاً من الروايات الهادفة أو ذات مغزى.

ومن الروايات الأخرى التي تناولت بعض الأمور المرتبطة بالطائفية في مصر: "خالتي صفية والدير" لبهاء طاهر، "شبرا" لنعيم عطية، و"صمت الجبال" لماهر مقلد، و"لا أحد ينام في الإسكندرية" لابراهيم عبدالمجيد، وغيرها.

 

كلمات مفتاحية
ثقافة مصر

التعليقات

المقال التالي