دانئيل بطل ملحمة أوغاريت، ودانيال نبي الكتاب المقدس

دانئيل بطل ملحمة أوغاريت، ودانيال نبي الكتاب المقدس

دانئيل هو بطل ملحمة عثر عليها في رأس شمرة "أوغاريت"، شمال غرب الساحل السوري، نقشت على ألواح أوغاريت. واعتماداً على الأدلة الأثرية، يُرجح أن دانئيل كان ذا مكانة مرموقة عند قومه، أو حتى زعيماً وملكاً عليهم. أما دانيال، فهو من الأنبياء العبرانيين في أسفار العهد القديم. له سفره الخاص، مكتوب بالعبرية والآرامية، كما يذكره النبي العبراني حزقيال في سفر العهد القديم الذي يحمل اسمه.

فما علاقة هاتين الشخصيتين إحداهما بالأخرى؟ وما الذي تشترك به سيرتاهما لكي يرى الخبراء أن قصة دانيئل هي الأساس لقصة دانيال؟ وما يعني أن تكون لسير أنبياء الكتب المقدسة خلفيات ثقافية أسطورية؟

اعلان


دانئيل ملحمة أوغاريت

في ربيع عام 1928، علق محراث أحد المزارعين في شمال الساحل السوري، بحجر كبير، قاده إلى اكتشاف عظيم: سقف مدفن تحت الأرض، وكان بداية لاكتشاف حضارة أوغاريت. في ربيع العام التالي (1929)، بدأت بعثة علماء آثار فرنسية، ترأسها كلود شيفير، بالتنقيب في رأس شمرة، التي أطلق عليها اسم أوغاريت، ومعها بدأت دراسة الحضارة الأوغاريتية ولغتها، ولكلتيهما أهمية عميقة في فهم فترة ازدهارها.

وجد شيفير وفريقه في الموقع قصراً من طابقين، وعدداً من الألواح أطلق عليها ألواح أوغاريت، ومنها بدأ دراسة الأبجدية الأوغاريتية، التي تشبه إلى حد بعيد العبرية، والآرامية والفينيقة. واعتبرت من اللغات الأم، أو على الأقل اعتبر أنها أثرت بالعبرية، وكانت تلك بداية لاهتمام الباحثين بتاريخ أوغاريت، التي ازدهرت بين عامي 1450 قبل الميلاد، حتى 1200 قبل الميلاد، ومقارنته مع العهد القديم. خصوصاً أن الألواح تحدثت عن ديانة الكنعانيين وإلههم، الذين كانوا يطلقون عليه اسم "إيل" أو "إيلوهم"، التي أمل الباحثون أن تساعد في فهم قصة إبراهيم في سفر التكوين. ومن العالم العربي، قدم الباحث السوري فراس السواح عدداً من الدراسات القيمة، في مقاربة تاريخ أوغاريت بتاريخ حضارات وأديان الشرق القديم.

لنفهم الملحمة، علينا أن نتعرف إلى الفترة التي دونت فيها، وأن نتذكر أيضاً أن رأس شمرا (أوغاريت)، كبقية مدن المنطقة، كانت تعتبر مدينة ودولة في آن واحد، وهو ما يطلق عليه "دولة المدينة". في رأس شمرا، وجد الباحثون أعداداً كبيرة من الألواح: معظمها نقش عليه باللغة الأكادية، التي كانت تعتبر وقتها، كالعربية في العصور الوسطى والإنكيزية اليوم، لغة التواصل المشترك التي انتشرت على نطاق واسع في الشرق القديم، في القرن 14 قبل الميلاد. ووجد أيضاً ألواحاً باللغة المصرية، والحثية، والحورية. وقد عُدَّ تعدد اللغات هذا دليلاً على ازدهار أوغاريت اقتصادياً، ودليلاً على أهمية مكانتها جغرافياً، فكانت تتنافس حولها ممالك ميتاني والحثيين والمصريين.

أقوال جاهزة

شارك غردما الذي يعنيه أن تكون لسير أنبياء الكتب المقدسة خلفيات أسطورية؟ مثل دانئيل بطل ملحمة أوغاريت ودانيال النبي


لكن الاكتشاف الأهم كان اعتماد لغة (أو لهجة) محلية، أطلق عليها الباحثون اسم "اللغة الأوغاريتية"، وعددها 1325 نصّاً، ومنها الألواح التي نقشت عليها ملحمة آقهات.

نصوص أوغاريت ليست كاملة، ولغتها ليست مفهومة بالكامل، خصوصاً لأننا نفتقر لمراجع لمعاني الكثير من المفردات. لذا فإن المقاربة الأهم هي التحليل التاريخي المقارن للغات، وبالطبع تاريخ الثقافة في منطقة الشرق القديم. في الملحمة طقوس، قد يكون بعضها ممارساً وقت تدوينها، أو أنه مما كان مألوفاً عند سكان المدينة وليس بالضرورة متبعاً. وفيها خيال مبدع يوظف أدوار الشخصيات، والآلهة، لتخدم القصة أدائياً، ولتغني مضمونها. يقدر الباحث الهولندي ماينديرت ديكسترا أن النص في شكله الذي وصلنا، كان مخصصاً لتتم تلاوته برفقة طقوس احتفالية رأس السنة الأوغاريتية، وهي من بين عدة تأويلات للدور الذي لعبته أسطورة آقهات.

القصة:

تدور أحداث الملحمة حول دانيئل (أو دانيل)، وتفتتح مكانياً في معبد يمكث فيه دانئيل، ستة أيام، يقدم الأضاحي، ويتضرع للآلهة لكي تهبه ولداً. وصل صوته إلى الإله بعل الذي بدوره أوصل رجاءه لكبير الآلهة إيل:

"لتقويه يا خالق الخلائق

فيكون له ابن في بيته وذرية وسط قصره"

استجاب إيل، وبارك دانئيل، وأرسل إلى بيته إلهتي الخصب، اللتين منحتاه وزوجته ولداً سماه أقهات. عندما كبر ابنه، أقام له دانئيل وليمة احتفالية، وباركه، ودعا الآلهة ليشكرهم. في الاحتفال، يقدم دانئيل قوساً وجعبةً ونبالاً من إله الحرف الذي أبدع في صنعها خصيصاً لأقهات احتفالاً بشبابه. كانت الإلهة عناة من بين المدعوين، وقد رأت قوس أقهات فاشتهته لنفسها، فعرضت على أقهات الكنوز والعز، مقابل القوس، ورمت كأسها بحماس صارخة:

اسمع يا أقهات، أيها الفتى البطل:

اطلب فضة مني أعطيك،

اطلب ذهباً أهبه لك،

ولكن اعط قوسك لعناة،

اعطها جعابك ونبالك!

كما أنها تعده بالخلود:

اطلب الحياة يا أقهات، اطلب أيها البطل،

اطلب الحياة أعطيكها، والخلود أهبه لك،

فتستوي مع بعل بسنوات الحياة،

وتستوي بالشهور مع أبناء إيل!

إلا أن أقهات يرفض عرضها، ويجرح مشاعرها، ويوبخها صارخاً أنه لن يكون لبشري خلود الآلهة! فيغضبها بجنون، وتتوعد بقتله: "سأصرعك تحت قدمي يا أجمل الناس وأشدهم!". بداية، تطلب الإلهة عناة إذن كبير الآلهة إيل لقتل أقهات، وعندما تحصل عليه، تدعو أقهات لأن يقيم وليمة احتفالية. تحلق عناة في السماء فوق وليمة أقهات، بين النسور، وترسل أحد أعوانها، الذي اسمه يطفان، من أعالي السماء، ليسرق لها القوس والنبال، لكنه ينقض على رأس أقهات ويقتله، ولا يحصل على القوس والنبال.

لحظة موت أقهات، تنتحب الطبيعة، وتذبل الأرض متأثرة بفقده، وتصاب بقحط يدوم سبع سنين. تبكيه الإلهة عناة، وتعد بإعادته للحياة.

بموت أقهات يهتز نظام التواصل المتبادل بين البشر والآلهة بكامله، وتتوقف الطقوس الاحتفالية لتقديم القرابين لسبع سنوات. والقسم الثاني من الملحمة يمكن قراءته كمحاولة إعادة التوازن له.

Danel_epic_Tablet لوح من الملحمة محفوظ في متحف اللوفر الفرنسي

دانئيل وابنته يلاحظان ما حل بالأرض من دون أن يعرفا بأن أقهات مات، ويبتهلان للسماء، ويصليان ليهطل المطر. وعندما تصله أنباء وفاة ابنه، يقوم دانئيل بطقوس تعبدية، ويطلب أولاً استعادة جثمان ابنه التي بدأت تنهشه النسور، وأن تلعن النسور والأرض التي قتل فيها أقهات. تتدفق على داره نساء باكيات نائحات ورجال معزون، وأيام العزاء تصبح شهورأ، والشهور تغدو سنوات! بعدها تطلب ابنته بوغة مباركة أبيها لتثأر لأخيها أقهات، وتبدأ مهمتها فتتنكر على شكل عناة، وتزور يطفان، وتقدم له الخمر. مع هذه التفاصيل الأخيرة، تنتهي القصة في ما وصلنا من الألواح، وقد ضاعت نهايتها.

هناك أربعة تكهنات بنهاية القصة: أولها، أن الآلهة تمنح دانئيل ولداً آخر، ويعود مجده الأول، وتعود المياه لمجاريها، والاحتفالات والقرابين مقابل رضى الآلهة ومباركتها. الخاتمة الثانية، تقترح نجاح بوغة بالانتقام لأخيها، وبهذا تختتم المأساة، وتنتهي الملحمة. والثالثة، تقترح أن بوغة تأخذ مكانة أخيها، وتصبح هي، كما كان أقهات، وبهذا تكون الآلهة قد أرضت دانئيل. وهناك أيضاً فرضية أن عناة تنجح بإعادة أقهات للحياة.

تتخلل أحداث القصة طقوس احتفالية، تتكرر وتعكس بعضها البعض بتناغم ساحر، إلا أنها ليست تكملة للنص، هي التي تتحكم بمعنى القصة ومسارها. فلها دورٌ مفتاحيٌ في تشعبّ الحبكة، كما أنها المسرح الذي نتعرف فيه على شخصيات الملحمة في أول ذكر أو ظهور لها، باستثناء وحيد، هو الإلهة عناة وعميلها غبطان، وهما الشخصيتان الوحيدتان اللتان تقدمان على أعمال مؤذية. كما أن طقوس تقديم القرابين تتماشى مع البعد العاطفي لأحزان الشخصيات، فعندما يصل دانئيل خبر وفاة ابنه، يتغير طلبه ويتشعب إلى أكثر من هدف واحد، بعد أن كان طلب هطول المطر. كما أن الطقوس التي يؤديها دانئيل تمنحه طفلاً يصبح محور القصة، وفي أحدها تم فقده.

من العهد القديم

في سفر حزقيال يتكرر ذكر "دانيل" ثلاث مرات (ليس ككتابته في سفر دانيال، وإنما أقرب لـ"دانئيل" ألواح أوغاريت). في القرن العشرين، ومع اكتشاف نصوص ألواح أوغاريت، اهتم باحثو العهد القديم واللغة العبرية بمقارنة النصوص، واستقراء تأثير ثقافات الشرق القديم على الثقافة العبرية، والعهد القديم. وكان أولها تفسير ذكر "دانيل" في سفر حزقيال، الذي رجح الباحثون اتكاءه على بطل أسطورة أوغاريت. وقد عزز هذا التوجه ذكر "دانيل" مع النبيين نوح وأيّوب، وكلاهما، مثله، ليسا من بني إسرائيل. وبهذا تكون الإشارة إليه متناسبة مع أصله الأوغاريتي. مع أن الخلاف لا يزال قائماً، لأن هناك شكوكاً بهذه المقاربة، والتقاطع بين ملحمة أقهات والعهد القديم أوسع من التفاصيل الأحادية. بداية ملحمة دانئيل دون شك تشترك مع عدد من قصص سفر التكوين في العهد القديم. وقصص الأنبياء الذين يتضرعون للآلهة لتمنحهم ذرية، كما أن طقوس التضرع والابتهال لا تقتصر على الملحمة، بل تتشارك بها مع طيف واسع من المعتقدات الغيبية، وتقديم الشكر مقابل المباركة كشرط لاستمراره فكرة تكاد تكون عالمية في انتشارها، بأهمية خاصة في الأديان السماوية.

هذان الاسمان المتشابهان، وغيرهما من مئات التقاطعات التي نجدها بين شخصيات تاريخية، واقعية وخيالية، تقودنا إلى التأكيد على فكرة قديمة، ننساها أحياناً: هي أن المجتمعات تنتج أفكاراً متشابهة في ظروف متشابهة. والتاريخ كله متصل ومتواصل لتأثيرات ثقافية مشتركة. وعلى هذا الأساس لا يوجد ما يمنع التفكير جدياً في أن ثقافات الشرق القديم متداخلة، من دون أن ترتد واحدة منها إلى الأخرى تماماً.

إيناس خنسه

إيناس خنسه باحثة سورية مختصة بشؤون العالم العربي. عملت كأكاديمية ودبلوماسية في عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حاصلة على شهادة دكتوراه من جامعة جورج تاون وعلى منحة زمالة ميلون من جامعة هارفارد. إيناس تكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
العالم ثقافة

التعليقات

المقال التالي