العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الرسالات السماوية

العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الرسالات السماوية

شهدت شبه الجزيرة العربية عدداً من العقائد الدينية السابقة على الرسالات السماوية، وقد تأثرت هذه المعتقدات بما حولها من عقائد الحضارات المجاورة وأبرزها حضارتا العراق ومصر.

وقد تناول أهم هذه التأثيرات الدكتور علاء شاهين، رئيس قسم الآثار المصرية بجامعة القاهرة، في بحث رصد فيه أهم العقائد المبكرة في هذه المنطقة خلال الفترة الزمنية التي بدأت من عصور ما قبل التاريخ حتى الألف الثالث قبل الميلاد.

اعلان


معابد ومواقع

من خلال الحصر الأثري والنصي تبيّن وجود منشآت دينية هامة في شبه الجزيرة العربية تؤرخ للعقائد التي سادت في المنطقة حتى الألف الثالث قبل الميلاد. وقد ذكر شاهين في بحثه المذكور والمنشور في مجلة اتحاد الأثريين العرب، في نوفمبر 2006، في 36 صفحة، وهو أحد الأبحاث التي عُرضت في مؤتمر الاتحاد الذي عُقد في مقرّ جامعة الدول العربية في ذلك العام تحت عنوان "دراسات في آثار الوطن العربي، ذكر أنه عُثر على منشآت تعود إلى الألف الثاني ومنتصف الألف الأول قبل الميلاد في بعض المناطق مثل جزيرة "فيلكة" بالكويت، وكانت العبادة فيها مكرّسة لإله المياه المشهور المسمى في النصوص العراقية "إنكي" أو "انزاكي".

أقوال جاهزة

شارك غردعرف عرب شبه الجزيرة العربية الثالوث المقدس: الإله القمري الأب، الإلهة الشمس، ومن زواجهما كان الإبن عثتر

شارك غردكيف تأثرت العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام بمعتقدات حضارات العراق ومصر؟

Antiquities_of_Failaka_island_02 من آثار جزيرة "فيلكة" في الكويت
Antiquities_of_Failaka_island_04 من آثار جزيرة "فيلكة" في الكويت

كما ذكر أن أعمال الحفائر في منطقة جزيرة البحرين كشفت عن العديد من المواقع الأثرية من بينها معابد كانت مخصصة لآلهة مشهورة، وعُثر بين أنقاض تلك المعابد على بعض الآثار التي ارتبطت بالطقوس والشعائر الدينية التي مورست، ولعل أشهر تلك المعابد هو ما عُرف اصطلاحاً بمعابد "بار بار" وأيضاً معبد آخر عثر عليه في موقع "سار".

Barbar-Temple معابد "بار بار" في البحرين

كذلك عُثر، كما كتب شاهين، على معبد يُعرف باسم معبد "شميس" في إمارة "أم القيوين" في دولة الإمارات العربية المتحدة ويعود تاريخه إلى العصر الحديدي، وفي اليمن عُثر على مواقع هامة قدمت نموذجاً للعمارة الدينية بالمنطقة في ذلك الوقت خاصة ما ارتبط بحضاراتها القديمة المشهورة المعروفة باسم "السبئية" و"المعينية" و"القنبانية" و"الحضرمية".

ومن بين أشهر تلك المعابد معبد "مراوح" ومحرم "بلقيس" حيث خُصصت العبادة فيه للإله القمري المعروف باسم "الموقة"، وكذلك معبد "معربم" الذي اكتُشف على مسافة 27 كيلومتراً من مدينة مأرب، ومعبد الإله "عثترم" في موقع "تمنح" وينتمي إلى العصر القنباني، والمعبد المخصص للإله "سين".

1024px-Bar'an_temple_1986-1 محرم "بلقيس" في اليمن

وكشفت أعمال الحفريات عن تماثيل في هذه المعابد لكهنة شاركوا في خدمة تلك الآلهة. وفي حالات استثنائية كان للمرأة دور في تلك الخدمة الدينية. حسبما قال شاهين مشيراً إلى أن مصادر دخل تلك المعابد تنوعت ما بين النذور والقرابين والعطايا الملكية أو عطايا الأفراد، وكذلك غنائم الحرب.

ثالوث ديني

وأوضح شاهين لرصيف22 أن العقائد الدينية في تلك الفترة استندت إلى فكرة أن هنالك قوى خارقة خيّرة وأخرى شريرة تتحكم في مصير الإنسان الذي عليه أن يتواصل ويتقرب إلى القوى الخيرة للاستعانة بها على قضاء حوائجه ولمواجهة القوى الشريرة. وتطورت هذه الفكرة في ما بعد إلى تخيل الإنسان لشكل الآلهة المعبودة ثم ظهرت مرحلة الأوثان والتماثيل إلى أن جاءت بعد ذلك مرحلة الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلامية.

وقد ارتبطت هذه العقائد القديمة بصفة أساسية بثالوث ديني مقدس لعب الإله القمري فيه دوراً هاماً، وعُرف هذا الإله في النصوص الدينية بأسماء متنوعة ولعب دور الأب أو الزوج في مفهوم الأسرة البشرية للإله "الشمس" التي حفظت النصوص اليمنية أسماءها مثل "حر عفر"، ومن زواجهما كان الإبن "عثتر"، مما يعتبر نموذجاً في العقائد اليمينة للثالوث المقدس، حسبما كشف شاهين.

واستُمدّت معظم الآلهة التي كانت معبودة في شبه الجزيرة العربية من مجمع الآلهة العراقية مثل "عشتار" و"انزاكى" و"اينانا". وقال شاهين لرصيف22 إن ذلك يرجع بصفة أساسية إلى أن العراق في ذلك الوقت كان له نشاط بحري ضخم جداً في المنطقة، ومن ثم كان هنالك تواصل دائم عبر التجارة، وساعد ذلك في نقل العقائد العراقية القديمة إلى الجزيرة العربية.

وأوضح أن أغلب المعابد المكتشفة بالمنطقة تتشابه في تخطيطها المعماري مع معابد الحضارة العراقية القديمة.

مصر الفرعونية

وهناك بعض التأتيرات غير المباشرة للحضارة المصرية القديمة على العقائد الدينية في الجزيرة العربية. ويظهر ذلك بوضوح في "الجعران" (نوع من الخنفساء كان يقدسها المصريون القدماء ويضعونها فى مقابرهم)، وقد كان له أهمية كبرى في العقيدة المصرية، ووُجدت مجموعة منه في حفائر أجريت في البحرين والسعودية واليمن، لكن ليس بمفهوم الدلالة العقائدية في الحضارة المصرية، حسبما قال شاهين.

وأضاف لرصيف22 أن تأثير الحضارة الفرعونية وُجد أيضاً في شكل وتصميم المقابر خاصة في منطقة "عالي" بالبحرين، حيث صُممت وفق شكل من أشكال المقابر المصرية القديمة التي وجدت في معبد الوادي في جنوب مصر، واعتمدت فكرة بنائها على الأعمدة المربعة وزاوية البناء إضافة إلى الجذر الذي كان مربوطاً على شكل حرف "L" حتى لا يتشقق المبنى أو يقع.

وفي موقع "شيتان" اليمني، قال شاهين، وُجد أحد أشكال التحنيط لكن ليس على غرار مفهوم التحنيط عند المصريين القدماء الذي كان يقوم على فكرة البعث والخلود والتجدد.

وظهر التأثير في صورة أخرى في ظل ما رجحه بعض علماء التاريخ والآثار القديمة من ارتباط الإلهين المصريين "مين" و"حور" بعقائد شبه الجزيرة العربية.

وأوضح لرصيف22 أن تأثير العقائد المصرية القديمة في عقائد اليمن كان أكثر من تأثيرها في عقائد باقي مناطق الجزيرة العربية، نظراً لوجود علاقات بشرية كانت تربط مصر القديمة بممالك وحضارات اليمن مثل سبأ ومعين وحضرموت.

وتابع أنه عندما نريد الوقوف على علاقة بلد بآخر علينا البحث في أمرين، الأول هو التجارة والثاني هو حالة السلم والحرب، ولم تكن هناك علاقات تجارية بين مصر والجزيرة العربية، ولم تكن أيضاً هنالك أي علاقات سلمية أو حربية خاصة أن المنطقة كانت شبه خالية حتى القرن الثالث قبل الميلاد. ومن ثم اقتصرت العلاقات بالمنطقة على اليمن بحكم وقوعها في طريق التجارة الفرعونية التي كانت تمر إلى بلاد بنت (الصومال حالياً)، ولذلك انتقلت إليها بعض التأثيرات العقائدية المصرية ومنها إلى باقي شبه الجزيرة ولكن التأثير الأكبر كان لبلاد ما بين النهرين بحكم قربها من المنطقة.

ووُجدت بعض النقوش العربية في طريق التجارة بين مصر واليمن سواء في سيناء أو في طريق الصعيد الذي كان يبدأ من منتصف محافظة المنيا ثم يتجه شرقاً ناحية البحر الأحمر مما يشير إلى علاقات قوية بين مصر واليمن قديماً، حسبما يقول أستاذ الآثار.

وأوضح أن بعض تأثيرات مصر الفرعونية انتقلت بشكل غير مباشر أيضاً من خلال الفينيقيين الذين أخذوا من مصر بعض الأفكار العقائدية ونقلوها بدورهم إلى المنطقة بحكم ارتباطهم بهما بعلاقات تجارية.

في دراسته المذكورة، لفت شاهين إلى أن صعوبات كثيرة قابلته أثناء إعداد بحثه. وقال إن بعضها ارتبط بعدم وجود معلومات كافية عن العقيدة سواء نصياً بصفة رئيسية أو أثرياً بصفة جانبية خاصةً خلال معظم فترة الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، إضافة إلى ندرة ما ذُكر عن هذه المعبودات في المراجع الإسلامية، وكذلك قلة ما أوردته نصوص الشعر الجاهلي عن آلهة العرب القديمة وارتباط معظم تلك الإشارات بآلهة في مرحلة زمنية تالية للإطار الزمني للبحث. كذلك لم تتضمّن نصوص القرآن الكريم الكثير من العقائد العربية القديمة، فضلاً عن عدم العثور على نصوص مدوّنة بلغة محلية لأهل حضارات المنطقة.

التعليقات

المقال التالي