"كتاب الاعتبار" لأسامة بن منقذ: أول سيرة ذاتية في التاريخ العربي

"كتاب الاعتبار" لأسامة بن منقذ: أول سيرة ذاتية في التاريخ العربي

أمير، فارس مقاتل، أستاذ لفنون القتال والصيد، أديب، مؤرخ، دبلوماسي. هو مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن منقذ الكناني الشيزري (1095-1188).

في عصر شهد تفكك الدولة العربية الواسعة، واقتطاع الإفرنج أجزاء منها لتكون "إمارات صليبية"، نشأ الأمير أسامة بن منقذ في قلعة شيزر، الواقعة شمالي مدينة حماة السورية. تلك المقاطعة، التي حكمها آل منقذ المنحدرون من قبيلة كنانة العربية، تنازل والده الزاهد في الحكم، المحب للعلم، عن الحكم لأخيه الأصغر الأمير أبو العساكر سلطان. وتولى الأب تعليم ابنه أسامة الأدب والتاريخ والشعر والفلك والفلسفة، ومختلف العلوم الأخرى. ثم تولى بعده العم رعاية الابن، الذي شب ليكون واحداً من ألمع شخصيات عصره.

قلعة شيزر قلعة شيزر

انتقل أسامة إلى بلاط السلطان نورالدين محمود زنكي في حلب، وشارك في بعض الأعمال الحربية ضد الإفرنج. ثم انتقل إلى خدمة الأمير معين الدين أنر، حاكم دمشق. وتولى عنه المفاوضات مع الجانب الافرنجي، بعدها انتقل إلى مصر في خدمة البلاط الفاطمي، ليعود إلى الشام ويشهد المراحل التالية من الصراع العربي الفرنجي. ويخدم بتقديم الاستشارات والخبرات الثمينة في بلاط صلاح الدين الأيوبي، الذي ورث مُلك الزنكيين في الشام، والفاطميين في مصر. وأخيراً أقطعه صلاح الدين ضيعة في سوريا ليتفرغ هناك للحياة العلمية والتدريس حتى وفاته.

شهد هذا الرجل قيام الإمارات الصليبية، وسقوط القدس، وشهد قيام وسقوط الدولة الزنكية وانهيار الدولة الفاطمية، وصعود الأيوبيين، ثم أخيراً استرداد القدس قبل وفاته بعام.

ارتبط أسامة بن منقذ بمختلف رجال عصره، مسلمين وصليبيين، وربطته علاقة صداقة ببعض أمراء الإفرنج، وزار إماراتهم ومناطق نفوذهم، وراقب ما فيها بعين واعية وذهن يقظ.

وأخيراُ أفرغ ابن منقذ، الذي عُرِفَ بحضور الذهن ونشاطه حتى مع اقترابه من المئة من العمر، في أواخر أيامه كل خبراته الحياتية في مجالات الحرب والسياسة والتاريخ في "كتاب الاعتبار". الكتاب الذي يعتبر أول سيرة ذاتية في تاريخ المكتبة العربية، والذي تُرجِم للإنجليزية والفرنسية والألمانية والدانمركية والبولندية والروسية، وغيرها من اللغات لفرط قيمته التاريخية والثقافية.

تقسيم ومحتويات الكتاب

Kitab_alitibar_derenbourg

بعكس مدرسة الكتابة التاريخية العربية، التي تقسم محتويات المدونات التأريخية على أساس الأعوام أو عهود الحكام، أطلق ابن منقذ العنان لنفسه في التقسيم على أساس الموضوعات. فيبدأ باستعراض بعض الأحداث، تحديداً السياسية والحربية، التي شهدها بنفسه في مختلف الدول التي خدم حكامها. وينتقل للحديث عن أغرب وقائع المبارزات والمعارك، من نجاة بعض المقاتلين من إصابات قاتلة بطبيعتها، أو موت بعضهم نتيجة إصابات تافهة، وهزيمة العدد الضخم من قلة، أو استيلاء فرد واحد على حصن بأكمله. معقباً على تلك المواقف بملاحظاته كمحارب وفارس محنك، ومحلل بارع للمعارك. مقدماً نماذج من معارك خاضها بنفسه، ثم يتحدث بأدق التفصيل عن طبائع وصفات الحيوانات، والخيل الخاصة بالقتال والصيد، والحيوانات المفترسة التي كان يهوى صيدها (كان مولعاً بصيد الأسود). بعدها، يستعرض خبراته بطبيعة الحياة في مجتمعات الإمارات الصليبية في الشرق، محللاً طبائع الإفرنج وعاداتهم، ومدى تأثرهم بالمجتمعات الشرقية، وتأثيرهم فيها، في الطباع ونمط الحياة، وامتزاج الثقافات.

ثم يعود ابن منقذ لحديث "فن الحرب"، في شكل أقرب للمحاضرة في هذا العلم. وينتقل بمرونة للحديث عن سير الصالحين، المرتبطون بالجهاد والقتال تحديداً. وأخيراً يختم أسامة بن منقذ كتابه بحديث مستفيض عن الصيد، باعتباره علماً له قواعد وضوابط. كل تلك الموضوعات، يتحدث فيها ابن منقذ من منطلق تفاصيل حياته ومشاهداته، ضارباً الأمثلة من مواقف عاشها بنفسه، متحرراً في لغته وانتقاله من موضوع لآخر، من القواعد المعتادة في هذا العصر.

ويلاحظ في بعض مقاطع هذا الكتاب، بدايات للهجات عامة معاصرة. يرد مثلاً موقف يقول فيه أسامة لبعض الجند حين أراد الصلاة في مكان ضيق "صلّ بَرّا"، أو يقول عن هروب أسرى إفرنج منه "وياللي ما استطعنا الإمساك بواحد منهم". ما يعطي فكرة عن بداية تطور اللغة منذ العصر الأيوبي، مروراً بالمملوكي، لتصل اللهجات العامية إلى شكلها الحالي.

القيمة العلمية للكتاب

لا يمكن اختصار قيمة كتاب الاعتبار في كونه "الأول من نوعه" بين السير الذاتية، إنما تكمن القيمة الأكبر في أنه من الأعمال النادرة التي تناولت "المسكوت عنه" في تاريخ الحروب الصليبية، سواء طبيعة حياة الإفرنج في المشرق العربي، أو ما كان يجري في دهاليز القوى الإسلامية المتصارعة، والجانب الإنساني من التفاعل بين العرب المحليين والمستوطنين الإفرنج. كما تناول التأثير الثقافي والاجتماعي العربي في الإفرنج، كمثال أحد أمرائهم الذي كان يفخر أمام مؤلف الكتاب، بأنه يرتدي الزي العربي ويكلف طباخته المصرية أن تصنع له أطعمة شرقية خالية من الدم والخمر ولحم الخنزير. أو كالفارس الفرنسي، الذي أعجب بفكرة حلاقة شعر الأعضاء التناسلية في الحمام العربي، فطلب من الحمامي أن يحلق له عضوه ثم أحضر له زوجته في اليوم التالي ليحلق لها. تلك التفاصيل التي يخطئ البعض باعتبارها مجرد "طرائف"، بينما هي تدوين وحفظ دقيق لجوانب أخرى من التفاعل العربي الأوروبي، قل أن تضمنتها كتابات تلك الفترة. ولم يتوقف ابن منقذ عند مجرد عرضها، بل تجاوز ذلك لتحليلها وتفسيرها والتعليق عليها، بشكل يجمع بين سلاسة اللغة وعلمية الأسلوب في آن واحد.

ويُلاحَظ أنه رغم تنقل أسامة بن منقذ بين مناطق نفوذ المحتل الإفرنجي وتعامله معه، فإن أحداً من رجال عصره لم يتهمه في ولائه للقضية العربية والجهاد ضد المحتلين. بل تعاملوا بنضج مع حقيقة كون مشاهداته تمثل سلاحاً معرفياً في مواجهة العدو. الأمر الذي أدركه صلاح الدين الأيوبي، فحرص على تقريب ابن منقذ منه، واستشارته في ما يتعلق بحروبه ومفاوضاته مع الإفرنج.

يعتبر "كتاب الاعتبار" وصاحبه الأمير أسامة بن منقذ، حالة تاريخية ثرية، دفعت المحققون والمدققون في التراث العربي لعرضه وتسليط الضوء عليه كالباحث الدكتور عبدالكريم الأشتر الذي قدم نسخة محققة من هذا الكتاب، أو كالكاتب الراحل جمال الغيطاني الذي أفرد له فصلًا  في كتابه "منتهى الطلب في تراث العرب" حيث يعتبر بحق تجربة سابقة لعصرها زادها ثراءً المحتوى الغني بالخبرات لصاحبها الذي كانت حياته حافلة بالأحداث المثيرة في مرحلة تعتبر من أكثر مراحل التاريخ العربي -والعالمي - دقة وحساسية وازدحامًا بالأحداث الخطيرة.

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. مساهم في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.

التعليقات

المقال التالي