في هذه الرواية، روائح كثيرة تختزن حكايات جريئة

في هذه الرواية، روائح كثيرة تختزن حكايات جريئة

تطرح الكاتبة "دلع المفتي" في روايتها "رائحة التانغو" العديد من القضايا الإشكالية التي تتعلق بالمرأة وبالإنسان بشكل عام، وذلك من خلال عدة شخصيات ثانوية تتقاطع مع الشخصية الرئيسة في العمل، ورغم أنه من الصعوبة تحديد فكرة واحدة للرواية يمكن القول إن قسماً كبيراً منها يثير مسألة الظلم الذي تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا الشرقية.

بطلة الرواية "زهرة"، امرأة في سن النضج، تعيش فراغاً عاطفياً كبيراً بعد أن كبر ولداها وذهبا ليدرسا في باريس، وبقيت هي تصارع الضجر والوحدة وعدم اهتمام زوجها "عادل" بها، وبلادة مشاعره، فهو لا يحب "الأسلوب الشرقي في الحب"، ولا يقيم وزناً للمشاعر، كما أنه دائم الانشغال بعمله الذي لا تعرف زوجته عنه شيئاً. "كل شيء فيه يقتلها، بروده، صمته، بعده، فظاظته. يا لهذا الوجع الذي لا ينفكّ يعصر روحها كلما تذكرت عدد الأيام التي عاشتها بانتظار لفتةٍ منه، كلمة حنونة أو همسة بسيطة كانت ستكفيها لتزيل عنها غبار الروح. ماذا سيضيره لو احتضن شغفها وغافلها بقبلة؟ كم كانت تتمنى وتتمنى، حتى تعب التمني منها. حتى جرّها ببلادة مشاعره لأن تعيش معه كالكنبة أو كاللابتوب الذي يستعمله".

اعلان


تشغل "زهرة" وقتها بافتتاح صالة عرض فني (غاليري) في وسط العاصمة، وإدارته، وإقامة معارض فيه، وهذا ما سيفتح أمامها فرصاً كثيرة لإدخال بعض الحياة إلى أيامها، وستتعاطف مع ما يجري في سوريا بعد أن يقام في صالتها معرض لرسوم أطفال سوريين يخصص ريعه لإرسال مساعدات إلى الشعب السوري. هكذا تتطرق الرواية إلى الأزمة السورية وأثرها على الأطفال كما تثير قضية الجمعيات الخيرية التي صارت هي الوسيلة القانونية الوحيدة لمساعدة الناس في الكوارث، رغم أن رائحة الفساد والسرقة تفوح من معظمها.

أقوال جاهزة

شارك غردروائح مثل الياسمين، دهن العود، البصل، السيجار، وقصص كثيرة ومثيرة خلفها، في رواية رائحة التانغو لدلع المفتي


نقطة التحوّل الكبيرة التي ستغيّر مجرى أيام "زهرة" الرتيبة، وكآبتها هي تعرّفها على رجل أميركي "بيل" لديه عدة عقود عمل مع زوجها، وتجتمع به في بضع مناسبات، فترى فيه الشخصية النقيض لزوجها، وخاصة من ناحية الاهتمام بها وبتفاصيلها. يتبادلان الإعجاب، وتتطور علاقتهما بعد أن تسافر إلى بيروت ويتبعها هو، ليلتقيا هناك ويدعوها إلى رقصة تانغو، تدرك أثناءها أنها وقعت في حبه وانتهى الأمر. "باغتها الفرح بعد أن نسيت طعمه. وجدت نفسها بين ذراعيه دون أن تعي. تمنت لو يتوقف الوقت عند تلك اللحظة. ضمّ خصرها بيد وبالأخرى أمسك بيدها، همس في أذنها: "التانغو يشعل الحميمية بين المحبّين ويحرر مشاعرهم، فتحرري!"، أحست بحرارة أنفاسه على مسام رقبتها فغشيتها قشعريرة عارمة. شدّها بعنف نحوه، والتصق بها. شعرت بأنهما صارا واحداً. سرت كهرباء جسده الغريب في كامل حواسها مروراً بأدق تفاصيلها".

تعطي الكاتبة مساحة كبيرة في روايتها للأزمة السورية، فرغم أن بطلة الرواية كويتية وتعيش في الكويت، فهذا لن يشكل عائقاً أمام إحساسها بألم الآخرين، وبخاصة حين ترى أثناء إقامتها في بيروت طفلاً سورياً نازحاً يبيع الورد وينام على قارعة الطريق، فتعطف عليه، وتخطط لزياره أمه وإخوته في مكان إقامتهم. ومن خلال قصة هذا الطفل، وبعض الحوارات في الرواية بين "زهرة" وصديقاتها، وبينها وبين "بيل" سنقرأ عن بعض معاناة السوريين، وكيف يستغل تجار الدم، ومن بينهم زوجها، هذه الحرب لزيادة أموالهم.

تقسّم الكاتبة روايتها إلى عدة فصول، تعطي كل فصل منها اسماً متعلقاً برائحة ما، تكون هي الرائحة المذكورة ضمن هذا الفصل، والتي تشبه أحداثه: (بصل، ياسمين، دهن العود، نعناع، سيجار، (بدون) رائحة....). ومن خلال هذه الفصول لن تكتفي بملاحقة الحبكة المتعلقة ببطلتها، بل ستتفرع يميناً ويساراً لتمسّ العديد من الموضوعات الإشكالية، وذات الحساسية في المجتمع، كموضوع المثلية الجنسية، وموضوع التشدد الديني، وموضوع سفاح القربى، وموضوع جرائم الشرف، وموضوع الإرهاب، وموضوع البدون في الكويت، وذلك من خلال العديد من الشخصيات الثانوية التي تدور في محيط البطلة، والتي تشكّل بحكاياتها الخلفية الموضوعية للحكاية الأساسية.

دلع المفتي: كاتبة كويتية. تخرجت في جامعة فلوريدا سنة 1982 بشهادة في هندسة الديكور. تكتب عموداً أسبوعياً في جريدة القبس الكويتية بعنوان "ابتسامة خجلى". وقد صدر لها كتاب في المقالات عنوانه: "هل تسمحون لي"، ومجموعة قصصية "عورة"، وروايتان: "هن لسن أنت"، و"رائحة التانغو".

 

الناشر: دار مدارك/ دبي

عدد الصفحات: 190

الطبعة الأولى: 2014

يمكن شراء الرواية على موقع نيل وفرات وموقع متجر الكتب العربية جملون

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
ثقافة رواية

التعليقات

المقال التالي