عن الجنون في التراث العربي

عن الجنون في التراث العربي

يُحاط مفهوم الجنون في الثقافة العربية والإسلامية بالكثير من العوامل الشائكة، فهو إما وصمة يسقط عن صاحبها واجباته الدينيّة وبعض الدنيويّة، أو وسيلة للنصح والوعظ والنقد السياسي، وأحياناً الترفيه. ليتداخل مفهوم الجنون مع الحمق والبلاهة، لينال البهلول المجنون حقوقاً ما كان غيره لينالها ويحرم من حقوق أخرى.

الجنون لغة متعدد المعاني، فهو إخفاء الشيء أو ستره "جَنَّ الشيء يَجُنُّه جَنّاً: سَتَره"، أو لفظ يطلق على المصاب في عقله بمسّ شيطاني. مع ذلك تتسع المعاني اللغويّة الخاصة بالجنون، وتدور في أفلاك ثلاثة: "الشيء إذا تجاوز الحد، ما استتر وخفى، ما تخلخل ولم يتزن". لكن فهم الجنون بالصورة المتعلقة بالتوصيف العقلي/ المرضي ترتبط بالعقل. فـ"سُمِّي العقل عقلاً لأنه يعْقِل صاحبه عن التّورّط في المهالك أَي يحْبِسه"، العقل يؤسس للقواعد والمفاهيم التي تَضبط الفرد. هو "الحضور" الكليّ المهيمن، أما الجنون "الغياب" فيعني الخروج عن الكليّة، و"الدوغما" التي يفرضها كل عصر عن مفهوم العقل، والتصور المثالي للكائن الإنساني "العاقل".

في التراث العربي التوصيف الطبي قائم على مرجعيتين لإصدار الحكم بالعقل أو الجنون، الأولى دينية ومخالفة الشرع، إلى جانب الدنيويّة ومخالفة أعراف المجتمع.

أنواع الجنون والعقل

تتفاوت أنواع الجنون وتوصيفاته، وترتبط الأنواع بمدّة الجنون ومصدره. فمنه الدائم، ومنه المؤقت كالصرع و"الموتة"، التي تذهب بعقل صاحبها. وهي: "جنس من الجُنون والصَّرَع يعتري الإنسان، فإذا أَفاق، عاد إِليه عقله كالنائم والسكران". ومعناها مرتبط بالغياب، ومن تقع عليه، تسقط عنه تكليفات الحياة.

أما أسباب الجنون فيلخصها الجاحظ على لسان سهل بن هارون، بقوله :"ثلاثة يعودون إلى أجن المجانين وإن كانوا أعقل العقلاء الغضبان والغيران والسكران". والجنون هنا مرتبط بما هو دنيوي، لكن هناك سبباً يعكسه مصدر الكلمة اللغوي، يرتبط بالمصدر "الغيبي". بوصف الجنون مساً، مصدره "الجن" أو الماورائي، الذي يبعد الإنسان عن الديني وفرائضه، ليتحول الجنون أحياناً إلى تهمة سياسيّة-دينية. إذ نقرأ "لقيت بمنى مجنوناً مصروعاً كلما أراد أن يؤدي فريضة أو يذكر الله صرع فقلت على ما يقوله الناس إن كنتم يهوداً فبحق موسى وإن كنتم نصارى فبحق عيسى وإن كنتم مسلمين فبحق محمد صلى الله عليه وسلم إلا ما خليتم عنه، فقالت الجن لسنا يهوداً ولا نصارى ولكنا وجدناه يبغض أبا بكر وعمر فمنعناه من أشد أموره".

المصدر الآخر الأكثر شهرة للجنون، هو الحبّ والوله، بوصفه يكتسح عقل الحبيب ليفقده عقله بعد اتزان. وأسماء العشاق تدل على ذلك، كمجنون ليلى مثلاً، وماني المجنون الشاعر في أحواله وأخباره. إذ ذكر في طبقات الشعراء لابن المعتز "كان ماني المجنون من أشعر الناس شعره ينضح بغنائية وبمعانٍ ليحب الكثير ترديدها".

كان المحب الموله، "يَغشى" لرؤية المحبوب، فيصيبه مس من جنون، وقصص ألف ليلة وليلة تزخر بهذه الحوادث، التي يحضر فيها الجنون/ الحب، بوصفه حضوراً حسياً لا طاقة للمحبوب على احتماله، فيغشى أو يجنّ. هذا الارتباط بالعقل ينسحب على صفات الغزل‏ بوصف الجنون أو المس به سلاحاً كاسحاً تستخدمه المرأة. فاللغة تقول "الرائعُ من الجمال: الذي يُعْجِب رُوع من رآه فيَسُرُّه"، أي تمس الروع/العقل، فامرأة رائعة قد تذهب بروع الرجال وتصرعهم بحسنها.

الجنون في نصوص الأصول

يتعامل النص القرآني مع الجنون في حالتين، الأولى بوصف المجنون يأتي بما يخالف القوم، فهو أشبه بمن يهذي. وهذا التوصيف مستمد من التهمة التي ألصقت بالنبي محمد حين أتى قومه بأحاديث مخالفة لما ألفوه. فالقول: "وَما صاحِبُكُم بِمَجنُونٍ"، من قبل الكفار هو طعن بالنبي وبـ"عقلانيته"، لحديثه بما لم يألفوه. إذ ذكر في تفسير القرطبي: "ما صاحبكم أيها الناس محمد بمجنون فيتكلم عن جنة، ويهذي هذيان المجانين بل جاء بِالحَقِّ وصدَّق المُرسلين". فالجنون يأتي من مخالفة الألفة في هذه الحالة بوصفه اليقين، وهذا ما حدث لاحقاً بعد أن استتب الإسلام. أصبح وصف الجنون لمن يخالف الشرع، ويخالف مفهوم العقل الذي قدمه الإسلام، وهذا ما يؤكده النبي محمد. فهناك جنون يضرب في العقيدة والعقل المرتبط بها، إذ يذكر عن النبي قولين: الأول أنه رأى قوماً مجتمعين على إنسان، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مجنون، قال: هذا مصاب، إنما المجنون الذي يضرب بمنكبيه وينظر في عطفيه ويتمطى في مشيته". الإحالة هنا للهيئة الجسدية وأشكال المجانين وتصرفاتهم، التي تكثر في المؤلفات والتصانيف، لكن الأساس فيها هو مخالفة العقل. إذ يُذكر في رواية أخرى: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، إذ مر رجل، فقال بعض القوم: مجنونٌ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المجنونُ المقيمُ على المعصية، ولكن هذا رجل مصاب". وهذه الحالة التي يكون فيها الجنون مذمّة بوصفه ابتعاداً عن المقدس. وبالرغم من الاختلاف في صحة الحديثين السابقين فهما يرسمان صورة عن وضعية المجنون والتعامل معه.

السياقات الأخرى للجنون ضمن النص القرآني لا تأتي بمناح سلبيّة دائماً، أو افتراء على المقدس السائد بما لم يحدث ولم يُبلغ به. فاقترن الجنون أيضاً ضمن النص القرآني بما هو لا طبيعي. إذ اقترن بالساحر والكاهن، بوصفهما يخبران عما هو بعيد عن إدراك العوام، ويتجاوزان الظاهر نحو البواطن أو المخفي.

سقوط العبادات

يتمكن المقدس من تحديد العقل، ويؤسس لمشروعية ما هو ملائم، وما هو منافٍ لعقلانيته. ويقنن منطقة العقل التي يرسم حدودها، ليكون الجنون حالة ينفى فيها صاحبها من المقدس، لتكون أقرب للموت. المجنون تسقط عنه العبادات والحساب في الدنيا. فالحدث الأشهر يقول: "أتى عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناساً فأمر بها عمر أن ترجم، مر بها على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال ما شأن هذه قالوا مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم. فقال ارجعوا بها ثم أتاه فقال يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يعقل. قال بلى، قال فما بال هذه ترجم، قال لا شيء، قال فأرسلها، فأرسلها فجعل يكبّر".

المجنون لا ينفيه المقدس ويحارب وجوده، بل يتركه بوصفه شبه محايد، وكأنه لم يوجد. لا يخضع للأحكام التقليديّة، بل براءة من التكليف الديني الذي استغله البعض لمصالح شخصيّة. وهذا يرتبط مع ما سبق في الموقف من الجنون، بوصف مرجعية تقييمه ومحاكمته دينيّة. فسقوط العقل الذي يرتبط بإدراك الدين، يجعل المجنون منعتقاً من العبادات وأحكامها، بوصفه لا يمتلك الأداة "العقل" للإدراك.

المجانين والسلطة

مع ظهور مفاهيم الدولة في الحضارة العربية، برز عدد من المجانين، أو بصورة أدق البهاليل والضحّاك. أولئك كانوا بين الناس وأحياناً في بلاط الخليفة، وكان مباحاً لهم مخالفة الجميع، ديناً ودنيا. هم الجانب الوحيد، الذي كانت تسمح السلطات بحريتهم، بل حتى أن الخليفة هارون الرشيد كان له الكثير من القصص مع بهلول. فكان ينصح الخليفة العباسي وأحياناً يمازحه، والخليفة كان يتركه ويستمع إليه.

ويلاحظ أن غالبية هذه القصص تميز البهلول بوصف عاقل بعكس الموقف منه ضمن النصوص. جنونه جعله يزهد في الدنيا، ويقدم رؤاه للمستقبل وصلاح الدنيا، فالعقل الديني هنا لا يتدخل لحجبه، بل يتركه بوصفه يكشف غيره، ويقدم الحكم الدينيّة، ولا يحكم عليه. وكأن المجنون بالنسبة إلى السلطة يماثل العقل بأوجه، بوصفه كليّة الإدراك الديني وفهمه. ويذكر عبد الرحمن الكوفي: "لقيني بهلول المجنون فقال لي اسألك، قلت اسأل، قال أي شيء السخاء قلت البذل والعطاء، قال هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين؟ قلت المسارعة إلى طاعة الله، قال أفيريدون منه الجزاء؟ قلت نعم بالواحد عشرة، قال ليس هذا سخاء هذه متاجرة ومرابحة، قلت فما هو عندك؟ قال لا يطلع على قلبك وأنت تريد منه شيئاً بشيء".

بالرغم من الأذى الذي كان يتعرض له المجنون، لكن الدولة لم تتعامل معهم بوحشية. فكان البيمارستان (مستشفى المجانين)، في حال خرجوا عن السيطرة هو المكان الأفضل لبقائهم، إما للعلاج أو للحبس. لكن من دون محاولة التخلص من المجانين كلياً.

عمّار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي