مسجد دير سانت كاترين... هل بناه الرهبان خوفاً من المسلمين؟

مسجد دير سانت كاترين... هل بناه الرهبان خوفاً من المسلمين؟

على مدار تاريخه، أثار الجامع الفاطمي داخل دير سانت كاترين تساؤلات عدّة. فبينما ربط مؤرخون بناءه بخدمة المسلمين الذين كانوا يحرسون الدير أو الذين يمرّون به في طريقهم إلى الحج، ربطه آخرون بمحاولة الرهبان إنقاذ الدير من رغبة أحد الحكام في هدمه.

الجامع الفاطمي

shutterstock_63744193

اعلان


ربط عدد من المؤرخين الغربيين وأيضاً العرب بناء المسجد الفاطمي داخل دير سانت كاترين بحادث تعدٍّ على الدير لنهب كنوزه وهدمه. وقال خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير إدارة البحوث والنشر العلمي في الوجه البحري وسيناء في وزارة الآثار، لرصيف22، إن المؤرخ نعوم شقير ذكر في كتابه "تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها" أن الحاكم بأمر الله أراد أن يهدم دير سانت كاترين عام 1008 فأرسل سرية من الجنود، إلا أن الرهبان أخبروهم أن الدير به مسجد تقام فيه الصلوات وبالتالي يحرّم هدمه فعاد الجنود من حيث أتوا.

ولفت ريحان إلى أن شقير قال في كتابه إن هذه القصة ذكرها له الرهبان نقلاً عن كتاب مكتوب باللغة اليونانية بعنوان "التاريخ المقدس القديم والحديث من موسى إلى السلطان سليم" (1658)، والذي نقلها بدوره عن كتاب عربي قديم يُقال أنه كان في الدير وعنوانه "تاريخ السنين في أخبار الرهبان والقديسين".

ونقل معظم مؤرخي الغرب عن نعوم شقير، أشار ريحان، مضيفاً أن "جالي" ذكر، عام 1985، أنه "طبقاً للحديث المنقول... أراد الحاكم بأمر الله هدم الدير عام 1000م، ولكن الرهبان قابلوه في منتصف الطريق وتوسلوا إليه أن يؤمّنهم لأن في الدير مكاناً مقدساً للمسلمين وهو مسجد وليدعموا كلامهم بنوا مسجداً في وقت سريع".

أقوال جاهزة

شارك غردأُشيع أن الرهبان بنوه خوفاً من الحكام المسلمين... تعرّفوا على قصة المسجد الفاطمي في دير سانت كاترين في سيناء

شارك غردمسجد داخل دير مسيحي في سيناء... قصة بدأت منذ 1000 عام تقريباً وتحكي عن علاقة المسلمين بالمسيحيين

ويرى ريحان أن ما سبق وذكره المؤرخون الغربيون هو محض افتراء، فالأصل الذي اعتمدوا عليه وهو كتاب "تاريخ السنين في أخبار العرب والقديسين" مفقود، كما أن جميع المؤرخين الذين ذكروا القصة يبدأون قولهم بكلمة "طبقاً" أي طبقاً للحديث المنقول من شخص إلى آخر دون سند علمي أو أثري أو تاريخي، فضلاً عن وجود تناقض واضح في التواريخ المذكورة. فنعوم شقير ذكر أن البناء كان عام 1008، أما "جالي" فقال إن البناء كان عام 1000.

الرواية المسيحية

shutterstock_65698699

من جانب آخر، قال الراهب في دير سانت كاترين غريغوريوس السينائي لرصيف22 إنه حسب التقليد الشفوي الذي يتناقله رهبان الدير كان هذا المسجد في الأصل عبارة عن مبنى يعود إلى القرن السادس الميلادي، وهو تاريخ بناء الإمبراطور جستنيان للدير، وكان يُستخدم كحجرة للطعام.

وتابع أن الرهبان حوّلوا هذا المبنى إلى مسجد شكلياً وفي وقت قياسي، خوفاً من أن تنال نوبة تعصب كانت قد أصابت الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، بسبب الفتن التي انتشرت حينذاك ضد المسيحيين، من الدير. ويعتقد الرهبان أن عملهم هذا نجح في امتصاص نوبة التعصب تلك إلى درجة أصبح الآمر لاحقاً من أكثر الخلفاء دعماً للدير ونصرة لرهبانه.

وبناءً على رواية الحاج الروسي فاسيلي بوسنياكوف (1558-1561م)، فإن المبنى كان كنيسة على اسم القديس باسيليوس الكبير ثم حُوّل إلى مسجد، بحسب السينائي.

وأضاف الراهب أن هنالك رواية أخرى تشير إلى أن الرهبان ربما قد وافقوا على تحويل هذا المبنى إلى مسجد للحجاج الذين كان الدير يستضيفهم أثناء رحلتهم على درب الحج إلى مكة المكرمة، وهو ما رجّحه الدكتور عبد الحميد صبحي ناصف في كتابه "دير سانت كاترين في العصر العثماني". وقال أيضاً أنه لربما سُمّي المسجد أساساً بالمسجد العمري نسبة إلى عمرو بن العاص لا بالمسجد الآمري نسبة إلى الآمر بأحكام الله الفاطمي، ولكن حصل الالتباس بسبب التقارب في نطق الاسمين.

ووفقاً لبعض المؤرخين مثل "ربينو"، فإن المسجد بُني بين عامي 1101 و1106م، كونه سابق على لوحة المنبر الموجودة فيه والتي تحمل تاريخ 1106م وتذكر أن المسجد بني بأمر وزير الآمر بأحكام الله الفاطمي أبي علي المنصور أنوشتكين، قال غريغوريوس.

البناء في عهد الآمر بأحكام الله

مئذنة الجامع
وقال مدير آثار منطقة رأس سدر في جنوب سيناء أسامة صالح لرصيف22 إن هنالك دليلاً على أن الجامع بُني في عهد الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله (أبي علي منصور بن أحمد)، وتحديداً في شهر ربيع الأول سنة 500هـ، وهذا يدحض ما ذُكر حول بنائه في عهد الحاكم بأمر الله. وهذا الدليل هو نص محفور على واجهة ومنبر الجامع ومكتوب بالخط الكوفي ويتألف من ستة أسطر.

وهنالك دليل أثري آخر على أن بناء الجامع كان في عهد الآمر وليس الحاكم يتمثل في وجود كرسي شمعدان عليه نص كتابي فيه اسم الأمير أبي المنصور انوشتكين الآمري باني هذا الجامع، تابع صالح.

وأوضح أن وجود شخصين باسم "انوشتكين" كان سبباً في اللغط التاريخي الذي جعل بعض المؤرخين ينسبون بناء الجامع الفاطمي إلى عهد الحاكم وليس الآمر. فهناك "انوشتكين التزبري" الذي انتقل من بغداد إلى دمشق سنة 400هـ-1009م، فاشتراه القائد تزبر بن أونيم الديملي وأهداه إلى الحاكم بأمر الله سنة 403هـ-1012م، مما ترتب عليه ربط بعض المؤرخين بين هذا الأمير والحاكم بأمر الله فقاموا بالتأريخ للمسجد بناء على ذلك.

أما الأمير "أنوشتكين" الموجود اسمه على كرسي الشمعدان فهو الأمير "أنوشكتين الآمري" نسبة إلى الآمر بأحكام الله، وهذا الأمير كان والياً على صور في لبنان، وكان يعرف بـ"أنوشتكين الأفضلي". لذلك فإن إنشاء المسجد كما يوضح النص التأسيسي كان سنة 500هـ على يد الأمير أنوشتكين الآمري وفي عهد الخليفة الآمر بأحكام الله الذي تولى الخلافة بين عامي 1101 و1129، وفق ما يروي صالح.

وأشار صالح إلى أن الجامع بُني ليصلي فيه المسلمون الذين كانوا يقومون في ذلك الوقت على خدمة الدير وحمايته، وكذلك المسلمون الذين يسكنون ضواحي الدير ويقومون بنقل المؤن الخاصة به من ميناءي السويس والطور، وأيضاً الحجاج وهم في طريقهم إلى مكة إذ يمرّون في منطقة الجبل المقدس للتبرك به.

اهتمام الرهبان بالمسجد

وشرح الراهب غريغوريوس أن الرهبان اعتنوا بالمسجد وكانوا يرممونه على مر العصور كلما احتاج إلى ترميم، خاصة أن البعد الجغرافي ووعورة الوصول إلى المكان لم يتيحا للمتخصصين أداء هذه المهمة.

وروى أن الرهبان أو المسلمين المعنيين بالمسجد في جنوب سيناء كانوا يستصدرون تصاريح من الأئمة والفقهاء الشرعيين في مصر بناءً على فتوى تسمح للرهبان بترميم المسجد وعلى نفقتهم بسبب تعذر ترميمه من قبل غيرهم، مدللاً على ذلك بما ورد في الوثيقة الرقم 225 في أرشيف الدير والتي يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر على الأرجح وتحتوي على فتاوي الفقهاء الأزهريين، وكذلك الوثيقة الرقم 229 التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر وتعطي صورة كاملة عن المودة والتضامن والتكافل بين الرهبان والمسلمين في هذا الأمر.

كلمات مفتاحية
ثقافة مصر

التعليقات

المقال التالي