في البحث عن جزر الذهب المفقودة، من سجلماسة إلى إلدورادو

في البحث عن جزر الذهب المفقودة، من سجلماسة إلى إلدورادو

من خاتم الخطوبة وأساور الذهب في الجنة إلى جوائر نوبل والأولومبيات، للذهب سحره الخاص، وقد ارتبط بالفخامة والترف. فقصور الملوك وتيجانهم الذهبية تشهد على عظمتهم، وزينة الأثرياء من النساء، والرجال أيضاً، شاهدة على مدى شغف الناس بالذهب على مر العصور. وقد ارتبط ذكره مع الازدهار، فنحن نصف العصور الناجحة بالعصور "الذهبية"، والفرص الممتازة بأنها "ذهبية"، وهو أيضاً رمز للكمال و(أحياناً للجشع والفساد)، وللثبات في مواجهة تقلبات الزمن (رمزياً ومادياً) أكثر من أي معدن أو مادة أخرى، فقد استأثر الذهب بإلهام أساطير المغامرة في البحث عن المجهول، ومواجهة ما هو غريب وعجيب، وأصبح رمزاً لشغف الإنسان في البحث عن حياة أفضل.

في نوفمبر 2015، عثر على كنز مدفون في أعماق البحار. يقدر بنحو الترليون دولار من الذهب والفضة والزمرد، وجد في الكاريبي قبالة شواطئ كولومبيا. كان الكنز على متن سفينة "سان خوسيه"، التي غرقت قبل أكثر من 300 عام، مع طاقمها الذي ضم 600 شخص، والذي كان في طريقه إلى أوروبا.

اعلان


يعثر خبراء الآثار البحرية على مئات السفن الغارقة من عصور سابقة تتفاوت في قدمها (على سبيل المثال: ركام مئة سفينة قبالة الشواطئ التركية، منها ما يعود  لعام 2400 ق. م. من العصر الذهبي اليوناني، وركام سفن في بحر الصين الجنوبي، وسفن غرقت واختفت في القرن العشرين). وبذلك يعرضون لنا تاريخ التجارة البحرية، والحضارات التي شاركت فيها، ومن خلال معاينة الأمتعة يقدمون قراءة مفيدة للركاب والبحارة الذين غرقوا معها.

يكتسب اكتشاف سان خوسيه أهمية تختلف عن اكتشاف الكثير من السفن سابقاً. فهو نافذة على تاريخ استعماري في عصر الاكتشافات والتواصل مع الأمريكيتين، استحوذت فيه البلاد الأقوى على كنوز المناطق التي سيطرت عليها. كما أنه يستحضر عالماً ساحراً من أساطير الكنز المفقود في البحر، أو المدفون في جزر غامضة، أو في مدن "سبع"، التي لطالما تخيلناها. ومن حين لآخر، نتذكر أن خلف بريق الكنوز في قصصنا، شرعنة لأفكار اعتمدت في الحروب، وهي نهب ثروات الشعوب، وسلب ذهبها وأحجارها الكريمة. وهذا ما قامت به الغارات و"الفتوحات" والاستعمار بجميع أشكاله حتى اليوم.

في هذه القصة أصداء لأساطير بدأت من تفصيل تاريخي، تنقلت بين العصور، وتبدلت معالمها، وتحولت شخصياتها من واقع إلى خيال. ولعل أهم هذه الأصداء هو: البحث عن جزيرة الكنز، أو عن الذهب، الذي ألهب مخيلة شعوب العصور الوسطى، وكان أحد الدوافع الأهم في رحلة كريستوفر كولومبس. توسعت شعبية أساطير مدن الذهب مع لقاء الأوروبيين بسكان أمريكا الجنوبية الأصليين في البيرو والإكوادور وكولومبيا، فشعوب حضارة الأزتك في هذه المناطق كانوا يعشقون الذهب، ويعتبرونه مقدساً (براز الآلهة).

الأساطير حول جزر الذهب غامضة، تختلط فيها ثلاثة أنساق من قصص المغامرة، واحد عما هو مدفون من زمن بعيد والكنوز التي تنتظر من ينبشها، وآخر عن اكتشاف أرض عجائبية، يتقاطع مع أدب الرحلة. وثالث عن الجزر الغامضة التي يضيع البحارة في طريقهم إليها. ولهذه الأنساق الثلاثة جذور في الثقافتين الأوروبية والعربية.

كانت قصص الجزر الغامضة شائعة في العصور الكلاسيكية، واستمدت عناصرها من أساطير يونانية، إسكندنافية، إيرلندية، وإسبانية/أندلسية، في تصويرها. وفي كل سياق، اتخذت سرداً مختلفاً غنياً بالرموز والدلالات الثقافية والدينية.

في إيرلندا، كانت لأساطير البحارة والجزر الغامضة شعبية خاصة، وقصص هذا النوع الأدبي تعرف بالـ"إمراما". وازدهرت قبل وصول المسيحية لإيرلندا، وتغيرت وأخذت طابعاً دينياً بعد ذلك، وكان رجال الدين المسيحيون أول من وثقها كتابياً بعد أن تم تناقلها شفهياً لقرون.

أخذت الأسطورة في سردها الأيبيري، العربي والإسباني، طابعاً مختلفاً. فسكان الجزيرة كانوا على معرفة بالجزر القريبة من شواطئهم، التي يراها وربما أيضاً يزورها، صيادو السمك والبحارة. بعضهم أعطاها صفة مسيحية، ومنح أفراد أسطورتها جنسية إسبانية، أما المؤلفون العرب فجعلوها قصة مثيرة وغنية بعناصر من الثقافة العربية الإسلامية.

في شبه الجزيرة الأيبيرية، انتشرت قصة عن 7 من سكان إسبانيا القوطيين، الذين أبحروا غرباً بعد عام 714، بعد أن دخل العرب إلى الأندلس. وفي رحلتهم، وصلوا إلى جزيرة بعيدة، كما تقول القصة، وفيها بنوا 7 مدن. أطلق على الجزيرة اسم أتلنيتا، وعرفت لاحقاً باسم جزيرة المدن السبع. وقيل إنها كانت تقع في المحيط الأطلسي. المثير أن هذه الجزيرة الخرافية أصبحت جزءاً من الخرائط في القرن الـ15.

لم تكن "أتلنيتا" المثال الوحيد لجزر وهمية، نقلها جغرافيو العصور الوسطى من الخيال إلى خرائطهم. لكنها قد تكون أساساً لأسطورة مدن الذهب السبع التي بدورها أخذت أشكالاً عدة، وأماكن مختلفة.

الحقيقة خلف الأسطورة: سجلماسة وإلدورادو

Treasure-island03

سجِلْماسة، مدينة مغربية ارتبط اسمها في التاريخ العربي بالذهب. ومع مرور الزمن، لفها الغموض، ولم يبق من أثارها ما يكفي ليؤكد للناس إن كانت مدينة حقيقية، أو وهماً من قصص السحر والخيال.

يذكرها نحو 20 من مؤلفي العصور الوسطى بين القرنين العاشر والسادس عشر. منهم الرحالة اليعقوبي، الذي هو أول من ذكر المدينة باسمها، وكتب عنها في كتابه "تاريخ البلدان". ولكن ما قاله، كان عن الأسطورة وليس عن المدينة، فكتابه يذكر أن المدينة محاطة بـ"معادن ذهب وفضة، يوجد كالنبات، ويقال إن الرياح تسفيه". وذكرها المسعودي في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر". في قسم "بعض عجائب الدنيا"، يسميها "أرض الذهب"، ويكتب عن نوع خاص من المقايضة كان سائداً في المنطقة، يعرف بالتبادل السلعي. يبادل الناس بضائعهم بالذهب. كان الناس يبادلون بضائعهم بالذهب، فكانوا قادرين على "مبايعتهم من غير مشاهدتهم أو مخاطبتهم، وتركهم المتاع" وعندما يعودن إليها، "يجدون أعمدة ذهب بجانب أمتعتهم، وقد تركت إلى جنب كل متاع من تلك الأمتعة، فإن شاء مالك المتاع اختار الذهب وترك المتاع، وإن شاء أخذ متاعه وترك الذهب". إذا لم يرض صاحب البضائع بمقدار الذهب، وأراد سعراً أعلى "ترك الذهب والمتاع" وكان ذلك إشارة إلى أنه يريد المزيد. ويخبرنا  المسعودي بأن "هذا مشهور بأرض المغرب لسجلماسة".

أصل الأسطورة، وتجارة الذهب

كانت سجلماسة مدينة تاريخية قبل أن تتحول إلى أسطورة عن الذهب. وقد أسست في القرن الثامن في المملكة المغربية، وسط واحة تافيلالت، غرب مدينة الرصاني. وتعتبر اليوم موقعاً أثرياً. كانت أول مدينة سيطر عليها المرابطون، وبدأوا منها بالتوسع في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي. قبل ذلك كانت، كبقية المغرب، مدينة مستقلة، حكامها من القبائل الأمازيغية المحلية، تنافس عليها الفاطميون في تونس والأمويون في الأندلس.

الإشاعات التي ارتبطت باسم المدينة جذبت الباحثين، منهم فريق من عالمين: رون ميسير وجيمس ميلر، اللذين نشرا في يونيو 2015 بحثاً، هو ثمرة جهد عشرة أعوام. يدرس البحث المدينة من خلال تاريخها المكتوب أولاً، ثم المادي، ومن خلال الآثار التي عثر عليها ومعاينتها في موقعها الأثري (الخزف، والعملة، وصور للأقمار الصناعية للمنطقة لتحديد الأبنية والجدران والأقنية، والآثار المعمارية من أسوار المدينة، الحمامات العامة، والمدرسة والجامع).

لعل شهرة مدينة الذهب تأتي من كونها مركزاً للذهب في العصور الوسطى. فقد توسطت سجلماسة خطوط التجارة الأهم في العصور الوسطى. وكانت مركزاً هاماً لخريطة العصور الوسطى الاقتصادية. قام ميسير بدراسة دنانير الذهب التي جابت مدن المتوسط من القرن  10 حتى القرن 12. وهذه العملة موجودة اليوم في متاحف في نيويورك، ولندن، وباريس، وتونس، والدار البيضاء. وتبين من تحليلها، أنها بمعظمها جاءت من ذهب منطقة غرب أفريقيا عن طريق سجلماسة حيث تم صكها. حسب تقدير فريق البحث، فإن الذهب من سجلماسة كان السبب الأول لاهتمام الممالك في شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال اليوم) بالذهب خلال فترة الحروب الصليبية. وأكثر من ذلك، قد يكون سبباً في هذه الحروب، أو مصدراً لتمويلها.

ولكن على أي حال، تصدرت سجلماسة اقتصاد العالم في العصور الوسطى، وأسهم غناها في شهرتها ومركزيتها لستة قرون. فبلغت الضرائب التي تدفعها المدينة للفاطميين، مثلاً، عام 951، نحو 400 ألف دينار (نصف مجموع ضرائب الدولة). وذلك بحسب دراسة قدمها د. مصطفى ناعمي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة محمد الخامس، بعنوان "سجلماسة، ونول لمطة من خلال الوثائق التاريخية والحفريات" (1988). في شهرة المدينة ظلم لتاريخها، يشير د. حسن حافظ علوي في كتابه عن سجلماسة. ويقول إن الذهب وحده لايكفي لتفسير ازدهار المدينة في العصر الوسيط. ولكن هل تهم الحقيقة في هذه الأساطير؟ التحليل العلمي ليس له سحر الخرافة، ولا يثير شغف القراء كما الخيال.

"إلدورادو" مدينة الذهب الغامضة

Picture1_AFP عمل فني يصور الملك، أصل أسطورة "إلدورادو"، من متحف الذهب في بوغوتا

في القرون التي تلت رحلة كولومبس، تبلورت قصص البحث عن الذهب والجزر الغامضة في أسطورة إلدورادو. فكانت تدور بين الأوروبيين على أنها مدينة في "العالم الجديد"، فاحشة الثراء، بكنوز من الذهب مدفونة فيها. في البحث عن هذه المدينة المفقودة، أبحر المئات من أوروبا عبر المحيط. منهم من مات، ومنهم من انتحر، وأيضاً من أعدم. تغير مكان المدينة في القصة عبر السنين، ومع الزمن فقدت بعدها المكاني بالكامل، وأصبحت اسماً مرادفاً لـ"مدينة الذهب". ولعل سبب استمراريتها هو أن فيها شيئاً ما من الحقيقة.

حين وصل الإسبان إلى عمق أمريكا الجنوبية، في بدايات القرن 16، سمعوا قصصاً عن قبيلة من السكان الأصليين، في جبال الأنديز في كولومبيا، كانت تتبع طقساً احتفالياً خاصاً لتتويج زعمائها. الحاكم الجديد يلون جسده بالذهب، وبقية أفراد القبيلة ترمي الذهب والمجوهرات في بحيرة غواتافيا، لإرضاء الآلهة التي تعيش تحت الماء، والحصول على مباركتها. الإسبان الوافدون إلى المنطقة أطلقوا على زعيم هذه القبيلة اسم "إلدورادو"، وقصدوا به "المغطى بالذهب". هذا الطقس التتويجي لم يستمر طويلاً، إذ استولت قبيلة أخرى على الزعيم "إلدورادو" وقبيلته. ولأن الإسبان وجدوا الكثير من الذهب عند القبائل في شمال القارة، اعتقدوا بأنهم سيجدون المزيد. فوجدوا البحيرة غواتافيا، وحاولوا تجفيفها، ووجدوا مئات القطع الذهبية، ولم يستطيعوا الوصول إلى أعماق البحيرة. لكن فكرة الذهب المدفون فيها ظلت حية في مخيلاتهم وقصصهم. فتحولت قصة الطقس الاحتفالي إلى وهم بوجود كنوز من الذهب.

في تناقل القصة من جيل إلى جيل، واستعارتها من حضارة إلى أخرى عبر القرون، يبقى السؤال: ما هو سر استمرار هذه الأسطورة؟ ألأننا نريد تصديقها، ولأننا دوماً نحلم بمكان فيه كل ما نشتهي من دون أي جهد أو مشقة؟ وربما لأن فيها إثارة للمغامرة وتحدياً للمستحيل.

 

إيناس خنسه

إيناس خنسه باحثة سورية مختصة بشؤون العالم العربي. عملت كأكاديمية ودبلوماسية في عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حاصلة على شهادة دكتوراه من جامعة جورج تاون وعلى منحة زمالة ميلون من جامعة هارفارد. إيناس تكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
تاريخ

التعليقات

المقال التالي