هل يتخطى صناع مسلسل "سمرقند" الأساطير المرتبطة بفرقة الحشاشين؟

هل يتخطى صناع مسلسل "سمرقند" الأساطير المرتبطة بفرقة الحشاشين؟

اقترب شهر رمضان، وبدأ صناع الدراما التاريخية العربية استعدادهم للنزول بأعمالهم الجديدة إلى السباق، آملين أن تستحوذ على إعجاب المشاهد العربي. وككل عام تكون الإعلانات الترويجية للمسلسلات الرمضانية دليلاً على أن هناك أعمالاً معينة سوف تحصل على القدر الأكبر من المتابعة والمشاهدة. ومنها مسلسل سمرقند (بطولة عابد فهد) الذي يبدو من إعلانه الترويجي أنه سيلفت انتباه المشاهدين بما يحمله من جو غامض مثير، وروح شرقية مستمدة من بلاد فارس الساحرة، وعبق تراثي يخرج من أقبية القصور، وساحات المساجد وشرفات البيوت القديمة.

يتناول المسلسل قصة "الحسن بن الصباح"، مؤسس حركة الحشاشين في إيران في نهايات القرن الخامس الهجري. الحركة التي عُرفت بالاغتيالات وتدبير المكائد لأعدائها، حتى اشتق من اسمها لفظة "Assassins" الغربية التي تعني القاتل المحترف.

الجو الأسطوري الذي أحاط بابن الصباح وحركته منذ القدم، جعلها أرضاً خصبة مباحة أمام أقلام المبدعين والمؤلفين والشعراء. حتى أن كاتباً غربياً من سلوفينيا "فلاديمير بارتول"، اختار أن يكتب رواية "ألموت" عن ابن الصباح، وقام "أمين معلوف" بكتابة رائعته سمرقند عن الأحداث نفسها.

اللافت أن جميع من تعرضوا لحركة الحشاشين، تطرقوا لثلاث قصص أسطورية في تاريخ الحركة. ورغم أن تلك القصص ثبت بالتحقيق التاريخي عدم صوابها، لكن الرواية الشعبية النمطية أقحمتهم بالأحداث التاريخية، بشكل لم يعد من الممكن معه أن تروى أحداث قصة الحشاشين من دون ذكر تلك الأساطير.

يوسف الخال الممثل يوسف الخال في دور عمر الخيام

الأسطورة الأولى: الأصدقاء الثلاثة

واحدة من أشهر القصص التي ارتبطت بتاريخ الحسن بن الصباح، وقعت في نيسابور أثناء دراسته، فالكثير من المؤرخين والباحثين أشاروا إلى أن الحسن تعرف في مدرسة نيسابور إلى شخصين هما الوزير "نظام ملك" والشاعر "عمر الخيام". وأخذ الأصدقاء الثلاثة عهوداً بأن من يقدر له أن يبزغ نجمه، لا ينسى صاحبيه، ويأخذ بأيديهم حتى يعلو شأنهما. وتكمل القصة أن نظام الملك بعد أن وصل للوزارة في الدولة السلجوقية، ساعد عمر الخيام ووفر له الأموال، وعرض على الحسن بن الصباح أن يتولى إدارة إحدى ولايات الدولة السلجوقية. لكن الحسن رفض العرض، وطلب أن يتم إلحاقه للعمل في ديوان السلطان "ملكشاه". هناك بدأ السعي للتقرب من السلطان والتعريض بالوزير نظام الملك، فاضطر الوزير للعمل على عزله من منصبه خوفاً من الإطاحة به.

وترى أكثرية الباحثين في هذه القصة أنها قصة مختلقة وأسطورية ولم تحدث فعلاً، وذلك لأن مولد نظام الملك كان في حدود عام 408هـ/1018م ووفاته عام 485هـ، أما الخيام فكانت وفاته عام 517هـ، وتوفي الحسن بن الصباح عام 518هـ، ومعنى ذلك أن نظام الملك كان أكبر سناً من عمر الخيام والحسن بن الصباح بدرجة كبيرة، بحيث يكون من الصعب أن يتزامن الثلاثة في الدراسة في فترة واحدة.

الأسطورة الثانية: حيلة ديدو

الباحث في تاريخ حركة الحشيشية يجد عدداً من الكتابات المتأخرة، التي ذكرت أن استيلاء الحسن بن الصباح على القلعة حدث عن طريق احتياله على صاحبها بحيلة ماك، ملخصها أن الحسن طلب من حاكم القلعة أن يبيعه مكاناً أو قطعة أرض في القلعة، بمقدار سلخ بقرة ليتفرغ للعبادة فيها. بعد موافقة الحاكم، قام الحسن بتقطيع جلد البقرة إلى حبال رفيعة جداً، وربط بعضها ببعض حتى أصبح طويلاً جداً، وأحاط القلعة بالحبل، وطالب حاكم القلعة أن يفي بوعده ويترك القلعة. فرضح الحاكم وترك القلعة. ويعتقد أن تلك القصة، مثل الكثير من القصص، قصة مختلقة، فمن غير المعقول أن يسلم حاكم القلعة قلعته بتلك السهولة، من دون أن يحاول أن يبطش بخصومه، وقد يكون تم اختلاق تلك القصة في وقت متأخر، بعد قدوم الحملات الصليبية إلى المشرق. إذ عانى الصليبيون كثيراً في مواجهاتهم ضد الإسماعيلين. كما نلاحظ أن القصة تتشابه إلى درجة التطابق مع قصة بناء قرطاجنة في الأساطير الرومانية، القصة التي تروي أن الملكة "ديدو" حين وصلت إلى تونس، اشترت مساحات واسعة من الأرض بقدر ما يمكن إحاطته بجلد ثور لو قطع خيوطاً، وشيدت مملكة قرطاجنة على هذه الأرض.

الأسطورة الثالثة: تدخين الحشيش

رغم كثرة الأسماء التى عُرف بها الإسماعيليون كالباطنية والسبعية والفداوية وغيرها، فإن أشهر الأسماء التي عرفت بها جماعة الإسماعيلية النزارية في إيران، في عهد الحسن بن الصباح وخلفائه، اسم الحشاشين أو الحشيشية. وهناك عدد من الآراء التي تفسر سبب هذه التسمية، أشهرها أن كلمة حشاشين أطلقت على الفدائيين الإسماعيليين في إيران، بسبب اعتيادهم تناول جرعات من الحشيش، قبل قيامهم بعمليات الاغتيال، التي يكلفهم بها شيخهم. ويعتبر هذا الرأي أشهر الآراء وأكثرها التصاقاً بإسماعيلية إيران.

عابد فهد الممثل عابد فهد في دور الحسن بن الصباح

لكن عدداً من الأمور تجعلنا نشكك في تلك القصة، ونعتبرها إحدى الأساطير. أولاً، قصة تناول الفدائيين للحشيش لم يرد ذكرها في المصادر الإسلامية، السنية أو الشيعية. بل إن "أبو حامد الغزالي"، الذي كان من أشد المهاجمين للإسماعيلية، لم يتطرق إلى هذه النقطة مطلقاً، ولم يسمهم بالحشيشية.

ثانياً، أول من ذكر قصة تعاطي الإسماعيلية للحشيش هو الرحالة الإيطالي "ماركوبولو"، والقصة التي ذكرها في مدوناته مليئة بالخرافات والأساطير التي يصعب تصديقها. فهو يروي أن شيخ الجبل في ألموت صنع جنة مختلقة ملأها بالأشجار والبساتين، وكان ينقل إليها أتباعه بعد أن يخدرهم بالحشيش ويجعلهم يرون الفتيات الجميلات اللاتي تم تدريبهن على دور الحور العين. وبعد اقتناعهم بأنهم كانوا في الجنة، يكلفهم بعمليات الاغتيال، ويعدهم بالرجوع إلى الجنة.

ثالثاً، ذيوع تلك القصة وانتشارها، كان عن طريق الصليبيين الأوروبيين، الذين حاولوا أن يجدوا تفسيرات مرضية لما شاهدوه وسمعوا عنه، عن طاعة الفدائيين لشيخهم بلا تردد، لدرجة التضحية بأرواحهم.

رابعاً، تعاطي الحشيش قبل تنفيذ العمليات الفدائية يتعارض مع ما اتصف به الفدائيون من فطنة وكياسة ودقة وثبات وإقدام. كما يتعارض مع ما اتصف به الحسن بن الصباح من شدة وتطبيق صارم لأوامر الدين والشريعة. تلك الشدة التي جعلته يقوم بقتل ولديه، لما ارتكبا من جرائم، والتي دفعت به لمنع شرب الخمر نهائياً داخل قلعة ألموت. كما أن القصص الأوروبية تقدم صورة للجنة مخالفة لصورة الجنة التي توجد في عقلية الفرد النزاري الإسماعيلي. فالجنة عند الإسماعيلية تختلف كثيراً عن الجنة الوارد ذكرها في القرآن والحديث النبوي.

فهل يستطيع صناع مسلسل سمرقند التخلص في عملهم من قيود تلك الأساطير، التي أضحت قوالب محفوظة ثابتة، يتبعها كل من يتعرض لموضوع الحسن بن الصباح وحركته؟ أم تراهم سيقعون في ما وقع فيه سابقوهم، وهو ما يبدو من خلال العرض التقديمي للمسلسل؟

التعليقات

المقال التالي