النبي محمّد في الأدب المصري

النبي محمّد في الأدب المصري

الشخصيات مختلفة، والتوظيف متباين، والهدف متناقض، لكن نبي الإسلام محمد يبقى حاضراً في روايات وقصص الأدباء المصريين.

في ما يلي عرض لدلالات حضور الرسول في عدد من الأعمال الروائية والقصصية عبر ما تناوله الناقد الأدبي مصطفى بيومي في كتابه "النبي محمد في الأدب المصري".

نجيب محفوظ

فى "أولاد حارتنا" يحضر الرسول عندما يحتاج الجوع إلى تبرير وتتطلب المعاناة قدراً من التشجيع، فيقول عاشور الدنف في مرحلة فقره لإمام الزاوية: "الله يخلق الرزق وينسى أبنائي" فيغضب الإمام ويصيح به: "لقد بات سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بعض لياليه رابطاً على بطنه حجراً ليُسكن به جوعه".

وفي "ثرثرة على النيل" يستعيد نجيب محفوظ هجرة الرسول ليحاكي الواقع، إذ يتحول "خروج" سكان العوامة وما يترتب عليه من كوارث إلى مسار عكسي لهجرة" الرسول.

وفي رواية "قلب الليل"، يظهر جعفر الراوي، أكثر الشخصيات تطرفاً في عالم نجيب محفوظ، كشخص هدفه الاحتذاء بالرسول، إلا أن الأمر ينقلب عنده إلى طموح في الموازاة الكاملة التي تصل إلى درجة التطابق والتقمص لدرجة أنه يعتقد أنه صاحب رسالة.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف حضر النبي محمد في شخصيات روايات نجيب محفوظ، يوسف إدريس، صنع الله إبراهيم، علاء الأسواني وغيرهم؟

شارك غردالعاديون من الناس والإرهابيون والفاسدون والتقليديون من رجال الدين كلهم يبررون أفعالهم بمواقف الرسول وكلماته

وعلى النقيض تماماً من تطرف جعفر الراوي الغارق في أحلام النبوة، يبدو أحمد عبد الجواد في "بين القصرين" ممثلاً للاعتدال العاقل. فعند اندلاع ثورة 1919، يخاطب أمه قائلاً: "لو كان سيدنا محمد حياً ما رضى أن يحكمه الإنجليز". ولأن الأم لا تستطيع أن تنكر رفض الرسول للاحتلال، ولا تقوى على تحمل نتائج الموافقة، فإنها تتخلص من المأزق بقولها: "هذا حق، ولكن أين نحن من الرسول عليه الصلاة والسلام؟. كان الله يعينه بملائكته". فبينما يستدعي الابن الرسول الذي تبجّله الأم لإقناعها بضرورة مقاومة الاحتلال، تعترض الأم على المقاومة لأننا لسنا كالرسول.

وفي "المرايا"، يستثمر أحد تلاميذ العالم التراثي الكبير عباس فوزي معرفته بالتراث في تأليف كتب دينية عن النبي والقرآن الكريم، ويربح من ذلك أموالاً خيالية. ويعلق عباس على هذه الثروة بقوله: "أتعلم ما هي الثروة الحقيقية في بلاد العرب؟ ليست البترول ولكنها السيرة النبوية والقرآن". وعندما يعرض عليه المترجم عبد الرحمن شعبان أن يشتركا في ترجمة بعض المؤلفات الغربية التي أنصفت الرسول يرحب بالفكرة وينفذانها برغم إلحادهما الكامل، فتدرّ عليهما ربحاً.

يوسف إدريس

في أعماله الأدبية المختلفة، عكس يوسف إدريس الروح الشعبية في التعامل مع الدين والرسول على وجه الخصوص. ففي مسرحية "اللحظة الحرجة" يتشبث الحاج نصار بالنبي في دعائه إلى الله بقوله: "حجيت وزرت قبر رسولك مرتين... وما تقفشي جنبي يا رب؟ طب أقف جنب مسعد، احميه يا رب، احميه لجل خاطر نبينا احميه".

وفي قصة "أكان لا بد يا ليلي أن تضيء النور؟"، يقدّم يوسف إدريس مفارقة لافتة في حي الباطنية، الذي كان معقلاً لتجارة المخدرات بقوله "والحج تاج على رؤوس كبار المعلمين، وعلى الأقل يتيح القسم ساعة الصفقات بشباك الرسول". وهنا لا يجد التجار تناقضاً بين إيمانهم الديني وتجارة المخدرات وفق رؤيتهم الشعبية، فهم يحبّون الرسول ويثقون بشفاعته برغم أنهم غارقون في ارتكاب الذنوب والمعاصي، ولا يحول ذلك دون اتكالهم على الموروث الديني والتشبث به.

إحسان عبد القدوس

تعددت الدوافع التي تجعل شخوص إحسان عبد القدوس يتمثلون بالرسول ويسعون إلى الاستشهاد بسيرته وتاريخه للدفاع عن أفكارهم وسلوكياتهم التي لا يتحتم ارتباطها بالدين دائماً، وهذا يظهر بصورة واضحة في قصة "إنهم يصفقون لي" ضمن مجموعة "بنت السلطان"، إذ يصل طموح الباحث عن البطولة إلى تقمص كامل لشخصية الرسول في بداية دعوته، ويشرع في تكوين تنظيم شيوعي، يضم إليه اثنين من زملائه، أحدهما ابن خالته.

"وكنت أشفق على ابن خالتي من هذا العمل العظيم، وهذه المسؤولية الكبيرة، فهو لم يكن يتجاوز الرابعة عشرة من عمره... أكبر قليلاً من سن علي بن أبي طالب عندما آمن بالإسلام"، يقول مؤسس التنظيم الشيوعي مشبّهاً نفسه بالرسول، ومحوّلاً ابن خالته الصغير إلى نموذج عصري للإمام علي بن أبى طالب.

يحيى حقي

في قصة "قنديل أم هاشم"، يلعب ضريح السيدة زينب بنت علي التي يلقبها عامة المصريين بـ"أم هاشم والعواجيز" دوراً كبيراً في بناء العمل الأدبي. ويُظهر "حقي" أن محبة المصريين لآل البيت مستمدة من الحب الجارف الذي يكنونه للرسول، وأنهم يتشبثون بهم من أجل رفع الظلم عنهم وتحقيق آمالهم في الحياة.

وفي قصة "صح النوم" يستعيد "حقي" يُتم الرسول ويقول سائق العربة للمرأة الهاربة بعد عودتها مترملة: "وهل هناك أغلى من ثلاثة أيتام؟ إن نبينا نشأ يتيماً. ولا أعرف كتاباً سماوياً مثل كتابنا تحدث عن الأيتام وحض على الرفق بهم".

عبد الرحمن الشرقاوي

إذا كان الشيخ "طلبة" في رواية "الفلاح"، ومن قبله الشيخ "الشناوي" في "الأرض" يمثلان النموذج التقليدي المحافظ لرجل الدين الرجعي الجاهل، فإن عبد المقصود وريان في "الفلاح" ومن قبلهما الشيخ حسونة في "الأرض" هما النموذج الضد. فهمان للرسول مختلفان وكلا الفهمين يعكس رؤية مغايرة على الرغم من أن الرسول عليه السلام نفسه هو المرجعية والمصدر للطرفين.

وفي رواية "الفلاح"، يتمسح الرجل القادم من المدينة بالرسول لقهر الفلاحين وتكريس استغلالهم والدفاع عن المستغلين والمنتفعين.

وفي الرواية نفسها يوظف "الشرقاوي" أرض النبي في الهجوم على المملكة العربية السعودية أثناء احتدام خلافاتها السياسية مع مصر، فيقول الراوي "ومئات من الرجال يموتون على مهل في حفر مظلمة تحت أرض النبي حيث مشت البطولات وعطرت التاريخ".

ويستدعى الشرقاوي سيرة الرسول في رواية "الشوارع الخلفية"، حين يعترض الضابط شكري بك على استماع ابنتيه للأغاني العاطفية التي يبثها الراديو، إلا أن جارته سعاد هانم تعاتبه وتعترض على كلامه قائلة: "وفيها ايه لما الولاد سمعوا غنا؟ ده النبي عليه الصلاة والسلام سمع الغنا يا شكرى بيه".

وتعترض أنيسة أيضاً على رغبة شكري في الامتناع عن العمل في مطبعة زوجها المعتقل، وتقول له: "وكمان يعني ستنا خديجة مرات سيدنا النبي كانت بتتاجر".

فتحي غانم

الإيمان اليقيني يمارسه الناس العاديون، لكنه يمثل قلقاً للخاصة من المثقفين والمفكرين، مثل الصحافي يوسف منصور في رواية "زينب والعرش". فهو يرفض المنطق التبسيطي الساذج لضابط يوليو أحمد عبد السلام بقوله "إن الإيمان بالكتاب لا يأتي قبل الإيمان بصاحب الكتاب، والإيمان بالرسول لا يأتي قبل الإيمان بالذي أرسل الرسول". وفي "الأفيال" لا يحمل يوسف هذا الهم الفكري لأنه "يؤمن بالله ورسوله وملائكته واليوم الآخر، ولا يصلي".

ويتحول الإيمان بالرسول إلى جزء من اللغة الشعبية اليومية. فالمهندس طلعت مرسي فرج، ابن الميكانيكي المليونير في "قليل من الحب كثير من العنف" لا علاقة له بالدين، لكن الرسول يظهر على لسانه بشكل تلقائي ينم عن أن شخصيته جزء من الحياة اليومية، فهو يُعلم الأميركي "كلارك" مفردات كثيرة من العربية والعامية وفي المقدمة "النبي عربي يا خواجة".

وفي رواية "بنت من شبرا"، لا يجد كريم صفوان المقبل على الزواج من مسيحية كاثوليكية هى ماريا ساندرو ما يقنع به الأب لورنزو إلا الاستعانة بسيرة النبي وقصة زواجه من ماريا القبطية، ويقول له "إن الرسول تزوج مارية القبطية التي جاءته من مصر، فأرادت أن تدخل الإسلام فطلب منها الاحتفاظ بمسيحيتها، ولم يتعجلها قبل أن تدخل الإسلام لأنه لا إكراه في الدين، ولا شبهة إكراه".

سليمان فياض

لا يتفق المسلمون على فهمهم للرسول ورسالته، واختلافهم مبرر بتباين المصالح والأفكار. في قصة "القرين" لا يرى البدوي في المدرسين المصريين إلا مجموعة من الغرباء الذين يسلبون نقود السعوديين، ويعلّمون الكُفر وعلوم الدنيا.

وإذ يقول الراوي مدافعاً: "الرسول كان معلماً"، يرفض البدوي دفاعه محتجاً: "للآخرة يا ولد". والرواي والبدوي لا يختلفان حول الرسول، لكنهما يختلفان حول نوع التعلم الذي كان يقوم به الرسول، فهو معلم الآخرة والدين عند البدوي، ولا علاقة له، من وجهة نظره، بالدنيا والأحياء.

وفي قصة "الغزوة الواحدة بعد الألف" يتسلح الطالب الأزهري "حسن" بالقرآن الكريم والأحاديث الشريفة لتدعيم فكرة النادي التي يتبناها بقوله "والرسول أيضاً يقول "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده. إن الدين لا يرضى بما هو حادث الآن. الدين يوافق على النادي". ويرد الشيخ يوسف بما يثير الضحك: "وفي أي آية أو حديث يا مولانا جاءت سيرة النادي".

وفي "وفاة عامل المطبعة"، يندفع سعد في تملق صاحب المطبعة ويخطب بانفعال مستشهداً بحديث للرسول "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".

حسن وسعد لدوافع متباينة يستعينان بحديثين للرسول، وكلاهما يفهم الحديث كما يريد أن يفهمه، باحثاً عن تأويل ما يؤيد ويدعم فكرة لا علاقة لها بظاهر النص النبوي ومضمونه المباشر.

صنع الله إبراهيم

في رواية "شرف" ينسب أمير الجماعة الدينية المتطرفة سيلاً من الأحاديث المكذوبة إلى الرسول للبرهنة على رؤى وأفكار اجتماعية لا علاقة لها بالدين، وتبالغ في احتقار المرأة وتنظر إليها على أنها جسد وسلعة ولا وظيفة لها إلا الإشباع الجنسي للرجال، ويجب معاملتها بالتأديب المستمر بالقهر والضرب.

وفي الرواية نفسها يتنقل الشيخ عصام بين مختلف الجماعات الإسلامية داخل السجن، وعنده من الهواجس والأفكار والشكوك ما يبوح به للسجين "شرف"، كأنما ينفس عما يعتمل في أعماقه من صراع. فيقول: "إذا كان الناس في عهد الرسول استعملوا نقوداً من شقاق الحجر، فهل نفعل مثلهم ونتخلى عن استخدام الجنيه من أجل التمسك بالسنة وبكل ما كان الرسول يفعله".

الشيخ الشهير عبد الحميد كشك لا يتورع عن عقد مقارنة ظالمة تنقلها رواية "ذات" بين الرئيس السوداني جعفر النميري والرسول: "الحملة التي يتعرض لها الرئيس النميري الآن بسبب تطبيق الشريعة الإسلامية تعرض لها من قبل سيد الأنبياء والمرسلين وتعرض لها جميع دعاة الإصلاح". المقارنة تكشف الهوة السحيقة التي يسقط فيها مَن يتعمدون الخلط المريب بين الدين والسياسة.

بهاء طاهر

في رواية "خالتي صفية والدير"، يمارس الرسول تأثيراً كبيراً على شخصية الأب الذي لديه توافق كامل بين إيمانه الديني العميق من ناحية، وبين احترامه لأعراف المجتمع من ناحية أخرى، وهو ما تجسد في موقفه من قريبه "حربي" بعد الإفراج عنه لظروف صحية.

فالعُرف الاجتماعي المستند في جوهره إلى فهم ديني يعطي الأرملة "صفية" الحق في الثأر من "حربي" الذي قتل زوجها، والواجب الاجتماعي يدعو الشيخ إلى حماية قريبه والدفاع عنه، لذلك يبادر إلى إخفاء حربي في الدير الذي تحول قداسته الدينية دون الاعتداء على اللائذين به.

وعندما عاتبه البعض على هذا التصرف قال لهم "أو لم يرسل الحبيب عليه الصلاة والسلام أول المسلمين إلى النجاشي حرصاً على حياتهم؟ أنا أتأسى بالحبيب المصطفى". وبعدها لم يفتح أحد فمه بكلمة.

وعلى النقيض تماماً، في رواية "الحب في المنفي"، يمثل ابن الراوي نموذجاً للاتجاه المتشدد دينياً ويتحول إيمانه الدينى إلى تقوقع يعزله عن الحياة، وتجرى أحاديث الرسول على لسانه، لكنه لا يبالي كيف ومتى وأين يقولها.

علاء الأسواني

تمثل أحاديث الرسول وسيرته محوراً جوهرياً في تشكيل رؤى ومواقف شخوص علاء الاسوانى في "عمارة يعقوبيان" التي تقدم مسحاً لواقع الحياة المصرية المعاصرة. فالعاديون من الناس والمتطرفون الإرهابيون والفاسدون والتقليديون من رجال الدين كلهم يبررون أفعالهم بمواقف الرسول وكلماته.

فعلى سبيل المثال الحاج عزام هو مليونير من أصول شعبية فقيرة ويجمع بين أداء الفروض الدينية وتجارة الهيرويين وتدخين الحشيش والزواج السري ويقول لنفسه عندما يقبل على الزواج بسيدة شابة "إن رسول الله كان محقاً عندما تفاءل بالنساء، بعض النساء مبروكات فعلاً، ما إن يقترن المرء بهن حتى يغمره الخير".

ولأن "عزام" ليس فقيهاً عالماً، فإنه يعتمد في الأمور الدينية على صديقه الشيخ السمان ويتخذ منه مرشداً ومستشاراً دينياً. ولا يتورع هذا الشيخ عن الضغط على زوجة صديقه لإقناعها بالإجهاض قائلاً لها "أنت امرأة مسلمة وملتزمة بشرع الله، وربنا سبحانه وتعالى أمر الزوجة بطاعة زوجها في كل شؤون الدنيا حتى قال المصطفى صلوات الله عليه وسلامه في حديثه الصحيح "لو أن لمخلوق أن يسجد لمخلوق مثله لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها صدق رسول الله". والرجل هنا يستثمر الحديث النبوي لاقناع الزوجة بما يخالف الدين.

جميل عطية إبراهيم

لا تمثل مسيحية جميل عطية إبراهيم عائقاً أمام اتساع عالمه الروائي المتميز لموقع يحتله الرسول. ففي رواية "1952" الجزء الأول هناك كرامة سرحان السقا وهو طالب متفوق في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، ومولع بالشاعر والناقد الكبير ت.ي. إليوت وقصيدته الشهيرة "الأرض اليباب"، وهو واحد ممن شاركوا في إشعال حريق القاهرة في 26 يناير 1952 وأسهموا في عمليات السلب والنهب. يسأله الماركسي عباس أبو حميدة عن دوافعه وأسبابه، فتأتي إجابته الحماسية متكئة على حديث نبوي لا علاقة له بما يحدث: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه". وإذ يوبخه عباس: "وحرق الناس أحياء كرامة!"، يقول الفتى متشبثاً: "أرض خراب ونحن الرجال الجوف بالقش حشيت رؤوسنا".

هنا تداخل دال بين الحديث النبوي الشريف وقصيدة "إليوت" وتجسيد فني يمزج بين الظاهر والباطن، وبين الدوافع الشكلية المعلنة والدوافع الموضوعية الكامنة. ثورة الغاضبين والجائعين ليست محاولة لتغيير المنكر أو مقاومة الفساد، بل هي تعبير عن البؤس واليأس.

كلمات مفتاحية
الإسلام ثقافة مصر

التعليقات

المقال التالي