جميل ميخائيل مدّاح مسيحي لنبيّ الإسلام

جميل ميخائيل مدّاح مسيحي لنبيّ الإسلام

مشهد تزاحم محبّي الرسول حول شخص عذب الصوت وهو يمدح النبي وآل بيته يُعدّ مشهداً طبيعياً في مصر. ولكن حين تقترب من الصفوف الأولى في إحدى حفلات المديح في قرى الصعيد وتكتشف أن "المنشد" مسيحي الديانة، فستفاجأ من أن القبلية والعصبية الصعيديتين لم تمنعا ولادة هذه الظاهرة.

يُردّد المديح في مناسبات خاصة أبرزها المولد النبوي والاحتفال بالهجرة النبوية وغزوة بدر، وموالد أولياء الله الصالحين، وأيضاً مولد الحسين والسيدة زينب وغيرها من المناسبات الدينية. وفي هذه المناسبات، تُنشد القصائد في مدح النبي وآل بيته.

اعلان


أما في الصعيد، فلا يكتفي الصعايدة بهذه المناسبات، وينظّمون حفلات مديح على مدار العام. ومنهم مَن يستضيف المداح في مناسبات الأفراح والحناء حيث تختلط قصائد المديح بالمواويل الشعبية التي تحكي الحكايات الشعبية وحتى الأساطير، مثل قصة أبي زيد الهلالي. ويتعامل الناس مع المداح في هذه المناسبات كأنه فنان شعبي شامل فيطلب الحضور منه عادةً غناء كل الفنون الشعبية.

من مقالع الحجر إلى الغناء

ولد جميل عبد الكريم عبد الله ميخائيل مسيحياً وما زال. ولكنه يمدح النبي محمد بأجمل الكلمات والقصائد. يمزج الرجل الخمسيني بين الفن الشعبي وبين مدح الرسول في حفلاته.

أقوال جاهزة

شارك غرد"ودّيني يا دليل ودّيني، على النبي أنا أشوفه بعيني، مدحت النبي إوعى تلوم عليَّ"... صاحب الكلمات هذه مسيحي

شارك غرديؤلّف القصائد في مديح النبي ويغنّيها. ولكن لأنه مسيحي نجد شيخاً يقول: هذا لا يصحّ!

يسكن جميل في منزلٍ بُني من الطوب والإسمنت وسُقف بالخشب والبوص، في قرية دشلوط التابعة لمركز ديروط في محافظة أسيوط، إحدى محافظات صعيد مصر.

ينتمي جميل إلى أسرة فقيرة، الأمر الذي دفعه إلى العمل في الجبال في مقالع الحجر من أجل توفير قوت يومه. وبعدها عمل سائقاً لجرار زراعي. وكان دائماً يصنع الآلات الموسيقية من البوص ليدندن على أنغامها أشعاره.

وحين اكتشف موهبته وصوته الجميل، قرّر امتهان الغناء والإنشاد الديني في الأفراح. ومن هنا بدأ مشواره الفني في محافظات مصر مادحاً الرسول.

تجربة مديح الرسول

عن تجربته في مديح الرسول، قال جميل لرصيف22: "لم تكن الأمية عائقاً في طريقي. فبرغم أنني لا أجيد القراءة والكتابة، منحني الله موهبة تأليف المواويل والمديح. فأقوم بتأليف القصيدة وألحّنها مع فرقتي الصغيرة لأغنيها في الاحتفالات".

وتابع: "لم تقف ديانتي عائقاً أمامي. في البداية ووجهت قصائدي بالصمت وأحياناً بحالة من الاستغراب خاصة حينما أقوم بقولها فى أفراح المسيحين ولكن في النهاية حظيت بالترحاب الشديد".

وأضاف: "عندما أبدأ بالغناء وامتداح النبي، أرى تعابير الاستغراب على وجوه الناس، ولكن بعد ذلك يتقبلون الأمر ويطلبون مني غناء مواويل في النبي ومنهم مَن يطلب مني أن أكتب له قصيدة في مدح النبي قبل ذهابه لأداء العمرة هو أو أحد أقاربه".


ومن أبرز مؤلفات جميل فى مدح الرسول أغاني "ودّيني يا دليل ودّيني" ويقول فيها: "ودّيني يا دليل ودّيني، على النبي أنا أشوفه بعيني، مدحت النبي إوعى تلوم عليَّ، حرام يا نوم ما تشوف عينيَّ، أنا أزور النبي وتملى بيه عنيَّ، مدحت النبي أبو الخد ندي، علشان حبيبي يا بعد البلاد،أنا نفسي أزور النبي، وأعود وأجي الدنيا أفكار، وليها جوار لمحمد، خطرت جميع البلاد، قالوا لقيت كامل الزين، يا محمد خير الأساس، المصطفى كامل الزين، يا محمد حمل حمل، يا دليل حمل على الدرب الطويل، أشوف محمد خير طبيب".

وفي أغنية أخرى، يخاطب مَن يعتب عليه لمدحه نبي الإسلام فيقول: "يا مداحين في رسول الله، خدوني معاكم وكل محب من عند الله، أقعد معاكم وأزور حداكم رسول الله، إوعا يا خلق تلوموا عليا، ده مدح النبي لايق عليا، أزور النبي وأشوفه بعيني، وأقوله أجيرني يا نبي".

مواقف "حرجة"

وروى جميل حادثة حصلت معه فقال: "كنت أحيي مناسبة الفرح في إحدى قرى الصعيد، وقام أحد الشباب وطلب منّي أن أغنّي موال "حبيبي رفرف خطفوا الهوا مني". ولم أكن سامعاً بهذا الموال في حياتي على الإطلاق وكذلك فرقتي. وأهل هذه القرية مشهور عنهم أنهم إذا جاءهم مطرب أو فنان أو مداح ولم يلبِّ طلبات أحد الحضور، يرشقونه بالطوب، إلى درجة أن أفراحها مشهورة بين الفرق الموسيقية في الصعيد بأفراح الطوب. وقد وضعني الطلب بين خيارين: إما أن أغنّي له الموال الذي طلبه أو استسلم للطوب، لذلك ارتجلت له "حبيبي حبيبي كان ليه وجه زي القمر والعود ملفوف والوجه زي القمر والعين، هاتولي حبيبي وخدوا جوز العيون مني بستنظر الرد يكش يجيني الوصال منه، ده حبيبي حبيبي رفرف خطفوا الهوا مني" فلقي ما غنّيته ترحيب الحضور وعلى رأسهم هذا الشاب وأنقذت نفسي وفرقتي من الضرب".

وفي موقف آخر، نجح جميل في المصالحة بين خصوم مسلمين، نشبت بينهم خلافات شديدة في إحدى قرى الصعيد. وقد علم بالخصومة أثناء تحضيره للحفل، فقرر أن يتدخل وألف وغنّى موالاً جاء فيه: "الصاحب اللي يصون الود، وتعوزه وقت الشدايد، بتعوزه يتساهل القلب، طالما العين بتعوزه، بس قبل ما تصحابه إبقى دعبس (ابحث) على الأساس، والخل الصاحب الأصيل فى قلبه عزيز". وبالفعل نجح موّاله في مصالحة الخصوم معتبراً ذلك "إنجازاً إنسانياً".

ما رأي المسلمين؟

ولكن ما رأي المسلمين بما يقوم به جميل؟ في حديث لرصيف22، اعتبر الدكتور محمد عبد العاطي، رئيس قسم الدراسات الإسلامية في كلية التربية في جامعة الأزهر، أن "المداح المسيحي يتعاطى مع مديح رسول الله من زاوية كونه فنّاً شعبياً، ولا يتخذه على أساس ديني لمديح نبي يؤمن به".

ورفض عبد العاطي هذه الظاهرة قائلاً: "لا يصح أن يكون مداح الرسول غير مسلم لصدق ما يقوله، فهو لن يكون صادقاً في ما يقوله ويصف به الرسول لأنه لا يؤمن بوجود محمد، فكيف سيمدحه؟".

وتابع أن "العيب ليس فيه كمسيحي. العيب في المستمع المسلم الذي سمح له لمجرد أنه يمتلك صوتاً جميلاً وأداءً جيّداً بأن يمدح مَن لا يؤمن به".

واعتبر أن "المداح المسلم يتخذ المديح كشعائر ودرب من دروب التصوّف والتقرب إلى النبي وآل بيته، والأولى بالمسلمين أن يستمعوا إلى مداح مسلم فسماعهم لمداح مسيحي واستدعاؤه إلى حفلاتهم هو كالاستعانة بشخص يغني في ملاهٍ ليلية ليتلو عليهم القرآن".

في المقابل، رأى المنشد الشيخ محمود ياسين التهامي أن "الدين الإسلامى لم يقصِ أحداً على الإطلاق والرسول الكريم أحب البشرية جميعاً دون أن يفرّق بينهم".

وأعرب عن عدم رفضه لوجود مداحين مسيحيين للرسول على أساس أن "المداح فنان يقدم ما يطلبه المستمع". وبرأيه، تدفع رغبة الصعايدة في الاستماع إلى المديح الفنان إلى إلقاء قصائد مديح سواء أكان مسيحياً أو مسلماً مؤكداً "أن المداح المسيحي في الصعيد يتخذ مديح الرسول كأحد أنواع الفن الشعبي وكوسيلة لكسب الرزق".

أيّاً يكن الحال، تربط جميل علاقة محبّة وودّ بجيرانه. ويقوم الذاهبون إلى بيت الله الحرام في موسم الحج بالستعانة به لإحياء تلك المناسبة.

التعليقات

المقال التالي