مَن عبث بالماضي... الأسطورة كيف تحولت إلى تاريخ؟

مَن عبث بالماضي... الأسطورة كيف تحولت إلى تاريخ؟

شكّل التاريخ في الثقافة العربية والإسلامية واحدة من الإشكاليات التي لم يتوقف النقاش حولها. فبقيت الأطروحات مشرّعة على ما يُعثر عليه من وثائق، وما يُكشف عنه من آثار، وما يُوصل إليها من نتائج. فلا تزال مسلماتنا التاريخية تشهد مشاريع هدم جديدة، وإعادة صياغة للحد الذي بات تاريخنا كله يحتاج إلى إعادة قراءة وبحث.

تنكشف أبزر إشكاليات التاريخ بصورة عامة في غياب الوثيقة المحكمة، إلا أن التاريخ العربي يتجاوز هذه الإشكالية إلى أخرى أكثر عمقاً وخطورة. فهو يواجه معضلة القداسة التي فرضها تحوله إلى تاريخ إسلامي، وبالتالي تمترسه خلف المُقدّس، والمُنزّل. لم يعد قابلاً للنقاش كما هو حال التاريخ قبل الإسلام، وبعد السنوات المئتين الأولى لظهوره.

أيضاً التاريخ بصيغته الإسلامية امتد إلى سنوات وقرون فائتة، شكلت أصول الكثير من الأحداث، والتحولات التي شهدتها المنطقة العربية في تاريخها، عبر سير الأنبياء التي وردت في الوثائق، ونصوص الفقهاء، والعلماء المسلمين.

أما المشكلة الأكثر خطورة، والتي تتجلى فيها إشكاليات التاريخ العربي الإسلامي، فهي علاقة السلطة العربية والدينية مع المادة التاريخية والوثيقة. فالعائد إلى مجمل ما وصل إلينا من كتب التاريخ العربي، يجد خلافات كثيرة في الروايات، والأحداث. ويجد الكثير من المراحل الزمنية المحذوفة، إذ ظلت السلطات المتعاقبة على الحكم تفرض شروطها الجديدة على التاريخ، فيصبح ما قبلها قابلاً للحذف، والتبديل، والتغيير. ويتجلى ذلك في حجم المخطوطات التي أحرقت، وأبيدت منذ القرن الثاني الهجري حتى اليوم.

أقوال جاهزة

شارك غردهل تاريخنا زائف؟ وهل يحق لنا أن نطرح تساؤلاتنا عن حقيقة ما نقل إلينا؟


لذلك، ليس غريباً أن يكون التاريخ العربي الإسلامي، الذي ترويه مقررات المدارس، وكتب التاريخ التقليدية، وبعض الكتب التراثية، وقع في المغالطات. وتحولت على يده الكثير من الأساطير، والحكايات المختلقة إلى وقائع تاريخية موثوق بها لا نتوقف عن الاستشهاد بها، والعودة إليها بوصفها ذاكرة حضارتنا الطويلة.

هل تحولت الأساطير إلى تاريخ؟

لا يمكن الإجابة عن سؤال بهذه الخطورة، من دون تتبع الجهود البحثية المتفردة، التي أعادت قراءة التاريخ بعينٍ جديدة، وبدقة عالية. فالباحث في المدونة الحديثة  للتاريخ العربي، يجد العديد من المؤلفات التي تناولت هذه القضية، وربما تتصدرها جهود الباحث العراقي فاضل الربيعّي، الذي أعاد خلخلة الكثير من الصور التاريخية الراسخة في حضارتنا. كتب العديد من المؤلفات في هذه الجانب، أبرزها: "القدس ليست أورشليم"، و"حقيقة السبي البابلي"، و"أبطال بلا تاريخ"، وغيرها من المؤلفات.

في كتابه "أبطال بلا تاريخ" يتوقف الربيعي عند بعض العلامات التاريخية، والشخصيات الواردة في مدونة التراث العربي، ويكشف جذورها الأسطورية. ينطلق من رؤية واضحة، تتمثل في العلاقة التي بناها العرب مع النصوص الأسطورية الفينيقية، والإغريقية، ومحاولات الأدباء، والمؤرخين محاكاة تلك الأساطير بما يتفق مع الثقافة العربية.

ماذا لو كان امرئ القيس شخصية متخيلة، أين تاريخ شعرنا العربي؟

ذكر الأمادي في كتابه "المؤتلف والمختلف" نحو 10 شعراء عاشوا في الجاهلية عرفوا باسم أمرئ القيس. وبحث الكثير من المستشرقين في هذه الشخصية المركزية في تاريخ شعرنا العربي، فوجدوا شخصيات عديدة تحمل الاسم نفسه. فكان مجمل ما وصل إليه فاضل الربيعي في تتبعه لسيرة امرئ القيس، هو "25 شاعراً عرفوا بأنسابهم وأشعارهم واسمهم امرئ القيس".

يعثر العائد إلى حكاية امرئ القيس الكثير من الحكايات المشهورة عنه، أبرزها: صورة الأمير الذي خرج مطالباً بدم والده حِجر، الذي قتله بنو أسد، والشاعر الذي قتله ثوب مسموم، والأمير الذي ذهب للقاء القيصر جسطنيان الثاني، طلباً لمساعدة بيزنطة العسكرية والسياسية، وغيرها من الصور والمرويات المشهورة عن امرئ القيس.

يتوقف الربيعي عند تلك الروايات كلها، ويبين بالوثائق زيف كل منها. فيعود إلى الوثائق البيزنطية ليؤكد أن امرئ القيس لم يطلب المساعدة من الامبراطور جسطنيان، ويربط بين حكاية الثياب المسمومة والأسطورة اليونانية. فيعرض أسطورة هرقل في النص الأسطوري الإغريقي، الذي ورد فيه أن عدو هرقل طلب من زوجته أن تضع سائلاً على ثيابه، لتضمن حبه الأبدي لها، وعندما لبس هرقل ثوبه اهترأ جسده ومات بتأثير السائل المسموم، الذي وضعته زوجته بجهل منها.

ليست هذه الحكاية الوحيدة التي يفككها ويكشف جذورها المتخيلة والأسطورية وحسب بل كذلك يفنّد أسطورة قصر الخورنق، وجزاء سينمار، وحروب الاسكندر المقدوني، وقصة زرقاء اليمامة، وغيرها من الحكايات التي لا تزال تُقدم بوصفها أحداث تاريخية تُشكل ذاكرتنا العربية.

قصة بناء قصر الخورنق في العراق

يقول الربيعي: "أسطورة بناء الخورنق العجائبية في مدينة الحيرة، وهو قصر أسطوري، تدور في نطاق فكرة الثمن لقاء امتلاك السر، وذلك أن سنمار المعماري الرومي (اليوناني) هو شخصية أسطورية لا وجود لها في عالم التاريخ". ورغم ذلك ترد حكاية سنمار في أبرز مؤلفات التاريخ العربي، مثل الكامل لابن أثير، وتاريخ سني الملوك للطبري، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، والأغاني للأصفهاني، وغيرها من المؤلفات.

تكشف الدلائل التاريخية أنه لم يكن هنالك معماري رومي في الحيرة، وأن الملك النعمان الثالث لم يطلب بناء قصر لابنه كما جاء في الحكاية. إنما بني القصر كدار استراحة، وكلمة "خورنكاه" بالفارسية تعني: مجلس الشراب، واستنبط العرب منها كلمة خورنق.

أما أصل الحكاية فيعود إلى الأسطورة اليونانية الأصل، المعروفة باسم تروفونيوس، وهي المصدر الحقيقي الذي انبعثت منه الأسطورة العربية. تروي الحكاية اليونانية: "كان تروفونيوس معمارياً مشهوراً، وهو ابن الإله أبولون ومن زوجه أبيكاستا، قرر تروفونيوس بالاشتراك مع أغاميد، بناء معبد أبو لون في دلفي، لكن الأخير، وبعد الانتهاء من بناء المعبد، قام برمي المعماري تروفونيوس من أعلى المعبد وقتله".

هل تستحق شخصية متخيلة كل هذا الاقتتال؟

ربما يكون الربيعي حذراً في اختيارات أطروحاته التاريخية، إلا أن بعض الباحثين وصلوا إلى علامات تاريخية من شأنها أن تغيّر الكثير من الموروث الإسلامي الحكائي. فالمفكر العراقي علي الوردي، وعميد الأدب العربي طه حسين، وغيرهما، توقفا مطولاً عند شخصية تاريخية لم ينتهِ النقاش حولها حتى اليوم. شخصيّة "عبد الله بن سبأ" الذي نسبت إليه روايات تاريخية، تقول إنه "مشعل الاضطرابات، والاحتجاجات ضد الخليفة الثالث عثمان بن عفان في الخفاء، وكان من الغلاة بحب علي بن أبي طالب ومدعٍ لألوهيته".

يكاد يتفق الوردي وحسين على أن هذه الشخصية متخيلة، وليست تاريخيّة كما تكرست في تاريخنا العربي. فيقول الوردي إن شخصية ابن السوداء، التي يصّر الكثير من المؤرخين على أنه عبد الله بن سبأ، هي شخصية عمار بن ياسر، الذي عرفه تاريخنا بوصفه واحداً من الصابرين، والمعذبين. ويقول حسين في كتابه "الفتنة الكبرى": "كل المؤرخين الثقات لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ولم يذكروا عنها شيئاً".

ماذا عن كاتب سيرة النبي محمد (ص)؟

يشير ذلك وغيره إلى مفهوم الرواية التاريخية في الحضارة العربية، وما يمكن أن تحمله معها من قصص مختلقة لا أساس لها من الواقع. فالكثير من الباحثين الذين كتبوا سيرة النبي محمد (ص)، يستندون إلى ما أورده ابن هشام في سيرته الشهيرة، ولا يحفلون بمصدر ابن هشام نفسه، وهو كتاب المغازي لابن إسحاق.

تروي حكاية كتابة السيرة النبوية الأصلية، أن ابن إسحاق دخل على الخليفة المنصور في الحيرة، فقال له المنصور: أتعرف هذا؟ وأشار إلى ابنه المهدي، فقال: نعم، هذا أمير المؤمنين. قال المنصور: اذهب فصنّف له كتاباً منذ خلق الله تعالى آدم إلى اليوم. فذهب ابن اسحق وصنّف له كتاباً، فقال له المنصور: طولته يا بن اسحاق، اذهب واختصره، وألقي الكتاب الكبير في خزانة أمير المؤمنين.

تضمن الكتاب الذي كتبه ابن إسحاق سيرة النبي محمد (ص)، فحين جاء ابن هشام أخذ السيرة، وحذف كل ما دونها، وكل ما لا يليق بالرسول، وقدمها. بينما اختفت نصوص ابن إسحاق، ولم يبقَ ما يدل عليها من أثر كبير.

المفارقة أن السيرة كتبت بعد أكثر من 100 عام على وفاة الرسول، وابن إسحاق كان مختلفاً عليه. فيروي الإخباريون: "الإمام مالك ابن أنس كاد يخرجه من حظيرة المحدثين، وأهل الصدق والثقة، ولا يدخر سعة في اتهامه بالكذب والدجل".

تبقى الأسئلة عالقة، هل حقاً تاريخنا زائف، وهل يحق لنا أن نطرح تساؤلاتنا عن حقيقة ما نقل إلينا؟ ومن المستفيد من تزييف التاريخ وإعادة كتابته؟

محمد أبو عرب

يعمل كاتبا ومحررا صحفيا في جريدة الخليج الإماراتية ويكتب مقالات في الفكر، والشعر، ومستقبل الثقافة العربية وغيرها من القضايا، عمل في الصحافة الأردنية، في "العرب اليوم" و"اللواء"، وفي عدد من الوكالات الإخبارية الإلكترونية؛ «رم»، «عاجل أون لاين»، «اليوم برس»، ونشر عدداً من المقالات والنصوص في عدد من الصحف العربية، والمجلات الثقافية، وجاءت مجموعته الشعرية الاولى "يمضي كزيتونة عالية" بين أفضل خمس مجموعات في جائزة "الشارقة للإبداع العربي"، وصدر له مؤخراً مجموعة شعرية بعنوان "أعلى من ضحك الأشجار".

التعليقات

المقال التالي