ما الذي تعرفونه عن الساحة الفنية في المملكة العربية السعودية؟

ما الذي تعرفونه عن الساحة الفنية في المملكة العربية السعودية؟

ما الذي تعرفونه عن الساحة الفنية في المملكة العربية السعودية؟ هل تعرفون عدد المعارض التي أُقيمت أخيراً، أو أسماء الفنانين السعوديين المعاصرين أو التشكيليين، أو صالات العرض والمؤسسات الفنية؟ هل تتساءلون إذا كنا نتحدث عن ساحة غائبة في بلد غالباً ما تتصدّر أخبار ملوكه وسياساتهم النفطية، أو رؤيتهم المستقبلية لتنوع اقتصادهم، أو أخبار المرأة السعودية التي لا تحظى بأدنى حقوقها وتعجز عن القيادة، أو أخبار المناطق التي تشهد توترات سياسية على خلفية دينية وغيرها.

لكن الساحة الفنية السعودية موجودة لا محالة، "تكتشف نفسها، تفاوض على تاريخها المنسي إنما الغني وحاضرها الناشط ومستقبلها المجهول"، كما يقول ستيفين ستابلتون، المؤسس الشريك لـ"إيدج أوف أرابيا" Edge of Arabia، المؤسسة غير الربحية التي أسسها مع الفنانين السعوديين أحمد ماطر وعبد الناصر غانم في جبال جنوب شرق السعودية عام 2003، بهدف تطوير الساحة الفنية السعودية وتشجيع المواهب المحلية.

اعلان


ABDULNASSER GHAREM عمل للفنان عبد الناصر غانم

مذاك، تُشكّل "إيدج أوف أرابيا" مرآة لساحة فنية، حيث دور الفنان بات أكثر وضوحاً، ودخل العديد من اللاعبين الجدد للنهوض بها. هنا تعتبر الفنانة السعودية بسمة بوظو أن "الساحة الفنية تنتعش ببطء منذ السنوات العشر الأخيرة". وساهمت بوظو في هذا الانتعاش، بفضل أعمالها، ولكونها المؤسسة الشريكة لمجلة Oasis وأسبوع التصميم السعودي.

أين كان الفن السعودي سابقاً؟

إذا كان الفن المعاصر دخل إلى المملكة في تسعينيات القرن الماضي، فإنّ السعوديين تعرفوا إلى الفن التشكيلي في ثلاثينيات القرن الماضي. إذ ساهم الازدهار النفطي في تغيير المجتمع السعودي، وفهمه للفن بشكل عام. حتى أن الفنون التشكيلية تحولت إلى مادة في المدارس الثانوية عام 1957، لتغزو جميع المدارس عام 1958. وعام 1964، أقيم أول معرض "رسمي" للفن التشكيلي الحديث.

ويغوص ستيفين ستابلتون في تاريخ الفن في المملكة، فيعتبر أن الفن والثقافة في شبه الجزيرة العربية طالما تمتعا بتاريخ طويل من التجاهل، وفي كثير من الأحيان لم يتمّ توثيقهما، خصوصاً في منطقة الحجاز، حيث تلاقت مختلف ثقافات العالم لآلاف السنوات. ويقول: "حركة الفن المعاصر ظاهرة جديدة تطوّرت سراً بشكل كبير مع مجموعات صغيرة باتت أكثر تواصلاً، بفضل تكنولوجيا المعلومات والتنقل والسفر المحلي والدولي". ويضيف: "الحركات الفنية تطفو دائماً في مراكز الطاقة المتنازع عليها والتحول. ولا شك أن السعوديين كانوا محط قوى تغييرية في القرن الماضي، تحديداً في السنوات الـ15 الماضية. الساحة الفنية هي منتج رائع لهذه القوى".

وتشدد بسمة بوظو على أن شبه الجزيرة العربية تملك تاريخاً طويلاً في ما يتعلق بالشعر والكتابة. أما الفنون البصرية "فلم تكن حاضرة وقوية كما في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط، في بلاد فارس والبحر الأبيض المتوسط." وتضيف: "هناك بعض الأمثلة المتفرقة حول الفن البصري في التاريخ السعودي. الرسوم المخطوطة باليد على منازل منطقة عسير، مثلاً، تقوم نساء المنطقة بهذه الرسومات ضمن تقليد يشجع على الفن. ولا عجب أن أهم الشخصيات الفنية في السعودية من هذه المنطقة".

وترى أن الفن السعودي المعاصر لم يولد إلا في السنوات الأخيرة، "حين ازداد عدد الفنانين السعوديين الذين يتعلمون في الخارج أو من نظرائهم الدوليين".

من هم الذين حملوا الراية الفنية السعودية؟

تعتبر بوظو، أن العاصمة الفنية هي جدة، لأنها "تضم أكبر عدد من صالات العرض الفنية والمنحوتات الشهيرة لبيكاسو مثلاً في شوارعها منذ السبعينيات. أما في الرياض، فقلما ترى الفن في الشوارع وما زال عدد صالات العرض يقتصر على 3 أو 4". في حين يرى ستابلتون أن عاصمة الفن هي "حيث توجد استديوهات الفنانين وحيث اختار هؤلاء الاستقرار".

كثيرة هي أسماء الفنانين السعوديين، المخضرمين أو الناشئين، الذين يحملون راية الفن بحسب ستابلتون، الذي ذكر بعضها، معتبراً أن كل هذه الأسماء ليست إلا حفنة من الأسماء الكثيرة في السعودية. ورأى أن أحمد ماطر بفضل أعماله و"استديو فاران" في جدة، وعبد الناصر غارم واستديو غارم في الرياض، وأروى النعيمي وعجلان قارم، وأحمد أنغاوي ومحمد الغمدي ومهى ملوح وأيمن يسري، وغيرهم من الفنانين، ساهموا في انتعاش الساحة الفنية في السعودية.

أحمد ماطر عمل للفنان أحمد ماطر
أحمد أنغاوي من أعمال الفنان أحمد أنغاوي
أيمن يسري من أعمال الفنان أيمن يسري
مهى ملوح عمل للفنانة مهى ملوح

وترى بوظو أنه إلى جانب الفنانين الذين يدخلون الساحة الدولية، تشكل "المؤسسات وصالات العرض والشخصيات التي تناصر الساحة الفنية، محلياً وعالمياً، الأكثر نفوذاً في تغيير الساحة الفنية". ولا شك أن هذه المبادرات بدأت تتضاعف في السنوات الأخيرة. فنجد مثلاً "دليل الفن السعودي"، ومجلات خاصة بالفن السعودي، وفعاليات بدأت ترسم اسماً لها كـ"أسبوع التصميم السعودي" و"أسبوع فن جدة"، إضافة إلى المشاركات في العديد من الفعاليات الدولية.

وتقول بوظو إنه إضافة إلى كونها فنانة، كانت شريكة في تأسيس مجلة Oasis مع منيرة العجلاني ونورة بوظو، "لمناصرة الفن وخلق رابط بين المبدعين في السعودية والعالم". وتضيف: "منذ ولادتها، كانت المجلة منصة لتسليط الضوء على أعمال المبدعين، لكننا أردنا منصة فعلية، يستطيعون عرض أعمالهم والتشبيك في ما بينهم عبرها، فولد أسبوع التصميم السعودي"".

وهذا ما أراده أيضاً مؤسسو "إيدج أوف أرابيا" الذين شاؤوا، بحسب ستابلتون، أن "تكون مؤسسة ترحال، فنجاحنا يكمن في الحركة وإيجاد فرص وتحديات للفنانين ليتألقوا في أماكن جديدة". ويوضح أن التركيز على جولة الولايات المتحدة بدأ يعطي ثماره بفضل مبادرة Culturunners، منصة عالمية لتعبئة الفنانين عبر الحدود وربط الناس والأفكار في ما بينهم بطريقة ملموسة ومختلفة عما تقوم به صالات العرض والمتاحف".

ويعتبر ستابلتون أن نهضة الساحة الفنية لا تقع على عاتق مجموعة أو مؤسسة، بل هي تفاعل كل اللاعبين، مشيداً بدور مبادرة "الفن جميل" برعاية فادي ومحمد جميل، وصالات العرض الأخرى مثل "أثر" في جدة. ويضيف: "مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي" سيضطلع أيضاً بدور مهم لا سيما أنه يضم أول متحف للفن المعاصر وصالة سينما".

ماذا بعد؟

يجد ستابلتون أن "لا شيء مكتمل وأن الأمور في تطور مستمر. وهذه هي المتعة في العمل في السعودية. الأمور في حالة تغير، وفي هذه اللحظة تساعد الثقافة في رسم مسار أكثر إيجابية". ولا يعتبر أن القوانين المتشددة والمجتمع المغلق في السعودية تحدياً أمام الفنانين بل العكس. فيقول: "أحمد ماطر قال في مقابلة عام 2014 إنه من المثير للاهتمام أن تكون فناناً محاطاً بتحديات كتلك المحيطة بنا من أن تكون فناناً محاطاً بالكثير من الخيارات وفرص غير مقيدة". وبالتالي، يقوم الآن الفنانون المعاصرون بإعادة تخيّل هذا المكان".

وتؤكد بوظو أنه من خلال الفعاليات التي نظمتها وشاركت فيها، لاحظت أن ما يبقى ناقصاً هو التربية الفنية. وتضيف "من خلال أسبوع التصميم السعودي، نقدم دروساً في الفن والتصميم، وما زلت أشعر أن البلاد بحاجة إلى الكثير من هذه الدروس، إضافة إلى الشهادات في مجالات الفن".

لا شك أن الساحة الفنية السعودية في تغير مستمر، وقد بدأ الفاعلون فيها من فنانين ومهتمين وعاشقين للفن بقلب معايير اللعبة، حتى لو أن الطريق ما زالت طويلة لتشقّ الساحة الفنية مكانتها على الساحة الفردية، إلاّ أنها تؤكد أنها سائرة على المسار الصحيح. فكيف ستكون الساحة الفنية السعودية بعد 5 أو 10 سنوات؟

يأمل ستابلتون أن "يبقى الجميع أصدقاء، وأن يحظى الفنانون الرواد في هذا الجيل بمكانة في تاريخ الفن الدولي، لأنهم يستحقون ذلك". في حين تأمل بوظو أن "تصبح الساحة الفنية السعودية أكثر قوة بفضل التربية الفنية المناسبة، ورؤية المزيد من الفنانين السعوديين يصممون أعمالاً تُعرض بسهولة إلى جانب أعمال الفنانين الدوليين".

 

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
السعودية ثقافة

التعليقات

المقال التالي