هل عرف العرب القدماء الكوميديا؟

هل عرف العرب القدماء الكوميديا؟

لم تخلُ حضارة من الحضارات من روح الدعابة التي تطورت عند بعض الحضارات لتصبح فنّاً مستقلّاً له أصوله وضوابطه، وبقي في حضارات وثقافات أخرى مجرد شذرات متناثرة في تفاصيل الحياة اليومية والقصص الشعبية.

وكشفت الأبحاث الأنثروبولوجيا وجود صور ورسومات جداريّة ساخرة تعود لعصور سحيقة. ففي معابد المصريين القدماء نجد رسوماً لذئب يرعى قطيع أغنام، وجيشاً جرّاراً من الجرذان يحاصر قلعة تتحصّن فيها القطط، وغيرها من الصور الطافحة بمعاني السخرية والتهكم، والتي تعكس النظر إلى العالم على أنه صورة كاريكاتورية تثير الضحك والاستهزاء.

اعلان


تمتلك السخرية على امتداد التاريخ طاقة تدميرية، تعصف بكل ما تمسه. لذلك لم يستطع الساسة العظماء أو القادة الكبار أو حتى الأفكار، الصمود أمامها، أو إسكات صوتها، فهي تبحث لنفسها دائماً عن طرق جديدة لتُظهر العيوب بوضوح، وتكشف النفاق وتفضح المظاهر الزائفة والمخادعة وتظهر الحقيقة العارية.

الفكاهة هي أيضاً حاجة إنسانية، باعتبارها مصدراً للترويح والتسلية تساعد الإنسان على التنفيس، وإفراغ الشحن العاطفية والمشاعر المكبوتة، وتهيئ له فرصة التخلّص مؤقتاً مما يقاسيه من توتر.

ولا يزال البشر حتى اليوم يسخرون وينظرون بعين الدّعابة إلى كل ما يحيط بهم من أحداث. وكما تتمايز الشعوب في أنماط عيشها وثقافتها وتقاليدها، كذلك تختلف في طريقتها في التعبير عن الفكاهة وفهمها، رغم وجود عناصر مشتركة بين كثير من هذه الشعوب.

حاول بعض فقهاء المسلمين التأصيل للفكاهة فقهياً في التاريخ الإسلامي بالعودة إلى عصر النبوة. يقول المفكر السوداني الطّاهر المهدي: "كان الصحابة يمازحون بعضهم بعضاً، فقد روى البخاري في الأدب المفرد "كان أَصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتبادحون بالبطّيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرّجال". وقيل للنخعي هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون ويمزحون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي. وقيل لابن سيرين هل كانوا يتمازحون؟ قال: "ما كانوا إلا كالناس". ويروى عن علي ابن أبي طالب أنه قال: "روّحوا عن القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تَمل كما تملّ الأبدان".

وفي تاريخ الدول التي تعاقبت على حكم العرب، تحكي القصص المروية من مجالس الخلفاء وندمائهم، وعن الحكائين ومقلدي الأصوات واللهجات، ومجالس الطرب في الحانات والمنازل، أن العرب عرفوا ألواناً من مظاهر الفرجة والعروض الترفيهية، منها الدعابة والنكتة، والنوادر، والتحامق، والتهكم، واللعب بالألفاظ، والتطفل، ولم تعرف هذه المظاهر أوج ازدهارها إلا مع استتباب الحُكم للعباسيين في عاصمتهم بغداد.

الكوميديا العبّاسية

يعدّ العصر العباسي العصر الذهبي للفكاهة والضحك في التاريخ العربي الإسلامي. فازدهار الحياة الفنية والأدبية وحياة الترف ومجالس الأنس والطرب واللهو، واحتدام الصراعات الفكرية والمذهبية، ساهمت في إذكاء روح الفكاهة عند أدباء ذلك العصر وحكائيه.

فشهد النصف الثاني من القرن الأول الهجري، نشوء أهم وأكبر الحواضر العربية في بغداد. وفي هذا المجتمع الجديد، ظهرت طبقات جديدة ونمط حياة مختلف. فشاع التكسب بالحيلة والأدب والشّعر، وانتشرت ظاهرة الطفليين ومهرجي البلاط. وكان المجتمع العباسي مزيجاً من أعراق وثقافات مختلفة، ومذاهب متصارعة وطبقات اجتماعية متباينة، يتعايش فيها الفقهاء والفلاسفة والأمراء، والمحدثون والشعراء والمعلمون، وأصحاب الحرف اليدوية والعسكر.

وكان "لكل جانب من جوانب حياة هذا العصر وكل طبقة من طبقاته، مهما بلغت في علو درجتها أو قدرها، قسط وموضع في أدب الفكاهة، فلم تسلم جماعة أو فئة، مهما كان شأنها في العلم أو العمل الجاد، من أن تكون هدفا لفكاهة أو حكاية طريفة أو نقد ساخر"، تقول الدكتورة وديعة طه النجم.

ويرى جهاد عبد القادر قويدر أن الرغبة في التسلية والمرح لم تكن مقصورة على فئة من فئات المجتمع العباسي، بل كان التفاكه قاسماً مشتركاً بين الجميع. فالخليفة، وهو رأس السلطة، يقضي بعضاً من وقته بالضّحك والمزاح، كذلك الأمراء والوزراء، وعامّة الشّعب.

معلّمون أغبياء ووعاظ ساذجون

لعلّ طبقة المعلمين نالت القسط الأوفر من السخرية والتهكم، والنكات التي تتندر بهم وتتصيّد تصرّفاتهم، ومواقفهم الطريفة، حتى أن كاتباً كالجاحظ أفرد رسائل وكتباً خاصّة بنوادر المعلمين.

أما الطبقة الأخرى، فهي النحاة وفقهاء اللغة، الذين تغصّ كتب التاريخ بنوادرهم وغرائب خطاباتهم، ومواقفهم التي تدور غالباً حول ولعهم باستخدام الألفاظ الغريبة، والتراكيب اللغوية الصعبة حتى في مخاطبتهم لعامة الناس. ومن هذه الحكايات ما يرويه ابن حجّة الحموي في كتابه ثمرات الأوراق، أن نحوياً سأل بائع فاكهة: بكم تانك البطيختان اللتان بجنبهما السفرجلتان ودونهما الرّمانتان؟ فأجاب البائع فوراً: بضربتين وصفعتين ولكمتين، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟

ويروي الجاحظ أن جماعة من الناس اجتمعوا حول لغوي، فلما ضايقوه خاطبهم: ما لكم تتكأكؤون علي؟ فقالوا: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية!

أيضاً نال المكتسبون بالوعظ، والمتظاهرون بالفقه نصيبهم من السخرية، التي تتناول غالباً مغالاتهم في المظهر الوقور، واصطناع الورع والتقى، وادّعاء التبحر في العلم، مع جهلهم بالأصول، وسذاجتهم الفاضحة، وتظاهرهم بالزهد والتقشف مقابل شدة طمعهم وشهوتهم إلى المال والجاه. ومن الطرائف التي خلفها لنا هؤلاء ما يُحكى أن أحدهم وقف يخطب في الناس محذراً من الخمر قائلاً: إذا مات الرجل وهو سكران، دُفن وهو سكران وحُشر يوم القيّامة وهو سكران. فردّ عليه أحد الحاضرين: هذا والله نبيذ جيد!

الأعراب أشد سذاجة وإضحاكاً

أهل البادية بدورهم، لم يسلموا من النكات والفكاهات التي تترصّد طباعهم البدوية وجهلهم بالحضارة، وبعدهم عن التمدن، حتى فهمهم السطحي المادي للدين. والنوادر كثيرة في كتب التراث العربي القديم، منها الطرفة التي تقول إن إعرابياً حضر مجلس ناس يتذاكرون قيام الليل، فقيل له: يا أبا إمامة أتقوم الليل؟ قال: نعم، قيل له ما تصنع؟ قال: أبول، وأرجع أنام!

ويروي الأصمعي: "مررت بإعرابي يصلي ويتلو كلاماً ليس من القرآن، فقلت له: ما هذا بكتاب الله! وعلمته الفاتحة والإخلاص، ثمّ مررت به بعد ذلك فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها، فقلت له: ما للسورة الأخرى؟ فقال: وهبتُها لابن عميّ والكريم لا يرجع في هبته!".

وترى الدكتورة وديعة طه أن "الفكاهة في العصر العباسي واجهة تخفي وراءها كثيراً. هي تعبير مكثف وسريع يخفي حقائق اجتماعية وسياسية وفكرية، حفل بها ذلك المجتمع الزاخر المنفتح على شتى الثقافات".

ولعل الجاحظ يعدّ رائد الفكاهة في الأدب العربي القديم، فترك لنا عدداً من المؤلّفات الساخرة تتبّع فيها بأسلوبه اللاذع والطريف طبائع النّاس وعيوبهم. من أهمها: كتاب البخلاء، وفلسفة الجد والهزل، والبيان والتبيين، ورسالة التربيع والتدوير، والبرصان والعرجان والعميان والحولان.

كتب أخرى اهتمت بتدوين الطرائف والفكاهات، ككتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربّه، و"مروج الذهب" للمسعودي، و"كتاب الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، و"الإمتاع والمؤانسة" للتّوحيدي، و"مقامات الحريري" و"بديع الزمان الهمذاني" وغيرها كثير. برزت أيضاً شخصيات فكاهية في الأدب العربي كبهلول وجحا والشمقمق، وأبو دلامة، وهي شخصيات تمتلك حساً فكاهياً لاذعاً وتصطنع غالباً الجنون والحماقة لتسخر وتنتقد وتتهكم من دون أن تتعرض لحساب أو عقاب.

العرب والمسرح

تتباين آراء الباحثين في إثبات أو نفي وجود مسرح عربي قديم، فيعتبر بعض الدارسين أن النصوص الفكاهية والنوادر التراثية في كتب الأدب والتاريخ، تشكل إلى جانب العروض الشعبية وخيال الظّل، والحكواتيين، بذور الفن المسرحي في الثقافة العربية. فيرى الدكتور علي الراعي أنه "يمكن القول بكثير من الوثوق إن العرب، والشعوب الإسلامية عموماً، عرفت أشكالاً مختلفة من المسرح والنشاط المسرحي، لقرون طويلة".

ويعتقد الراعي أن آثاراً كمقامات بديع الزمان الهمذاني والحريري هي مسرحيات كوميدية، أجهضها الواقع الذي يُحرّم التمثيل. إلى هذا الرأي يميل الباحث الطيب صديقي، الذي يؤكد أن "أبا الفتح" (بطل المقامات)، هو الممثل الكوميدي في أولى مراحله، وبدايته.

في المقابل، يؤكد آخرون أن العرب القدماء لم يعرفوا ألواناً مسرحية قط. ويرجع ذلك إلى عدم اطلاعهم على نصوص مسرحية لا من فنون اليونان، ولا من الشرق الأقصى. وفي هذا الصدد، يؤكد  الدكتور محمد سراج الدين، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية العالمية، أن التاريخ "لم يحفظ وجود شيء من الدراما عند العرب، ولعل مرد ذلك أن الوثنية العربية لم تكن وثنية أصيلة. وإذا لم يوجد المسرح عند العرب في وثنيتهم فالأرجح أنه لا يوجد عندهم في الإسلام".

 

عبد الله البو أحمد عبد

صحافي موريتاني، باحث في المركز الموريتاني للبحوث والدراسات. يكتب في الشؤون السياسية والاجتماعية، حاصل على ماجيستير في اللغة والحضارة الإسبانية، وماجيستير في الترجمة المتخصصة.

التعليقات

المقال التالي