دار قنبز، الدار التي ستفتح شهية أطفالكم (وشهيتكم) على القراءة

دار قنبز، الدار التي ستفتح شهية أطفالكم (وشهيتكم) على القراءة

تلفتك كتبها حتى لو لم تكن طفلاً. بل الأصح، تتمنى لو تعود طفلاً. النظرة الأولى تقودك إلى الرغبة بلمس الكتب، واللمسة تقودك إلى قراءة جزء منه، وسرعان ما يسطو عليك سحرها، فتقرر أن تشتري الكتاب حتى لو لم يكن لديك طفل.

هكذا، في وسط كل الفوضى والعبث اللذين يمكن أن نراهما في منشورات الأطفال، تختار "دار قنبز" أن تكون داراً مختلفة، من حيث مضمون كتبها، في شكلها، وفي الحوار الذي تؤسس له، في ما يتعلق بدور الأدب واللغة العربية في نشأة الجيل الجديد. جولة على أعمال هذه الدار، تلخص لماذا عليكم أن تدخلوها إلى عوالم أطفالكم.

اعلان


 

متى تأسست "دار قنبز" ولماذا؟

تأسست دار قنبز في بيروت عام 2006. حين تسأل نادين توما، مؤسسة الدار، عن فكرة المشروع تجيب مبتسمة: "حلم طفلة صغيرة تحقق عندما صارت كبيرة". وتضيف: "الفكرة كانت موجودة دائماً، كنت أريد أن أمزج في الكتاب عوالم تعني لي كثيراً: الأدب والفنون". هذا هو الرهان الذي انطلقت معه الدار: صناعة كتاب بعكس النمط السائد.

al-kharbasha-03 من كتاب "الخربشة"

 

لماذا "قنبز"؟

السؤال الأول الذي يطرحه أي شخص يتعرف إلى الدار، هو عن التسمية. تجيب توما أن الاسم جاء لسببين، الأول هو جدتها التي كانت تحمّص وتملّح "القنبز" وتوزعه على أحفادها، بينما تحكي لهم الحكايات. والثاني، أن "القنبز" هو طعام العصافير، تأكله فتطير وتغرد. "هكذا أحب أن تكون كتبنا... تقرؤها فتطير وتغرد"، تقول.

Nadine-SEvine نادين توما وسيفين عريس، شريكتان في الدار

 

الكتاب الأول

بدأت الدار مع 5 كتب، لكل كتاب عالمه. "أردنا أن نقول لقرائنا هذا هو تصورنا لأدب الأطفال، رؤية مختلفة كلياً عما هو سائد". ومن بين هذه الكتب كان كتاب بالأبيض والأسود اسمه "هل هذه نظارة شمسية؟". شكل الكتاب صدمةً في عالم كتب الأطفال. فلأول مرة في العالم العربي، يكون كتاب الطفل من دون ألوان، ولا حكاية، ولا حبكة. كتاب تساؤلات لا حكاية فيه. توضح توما: "السؤال محرّض، أنا لا أريد أن أحكي حكاية للطفل دوماً. أريده أن يفكر. أن يحلل ويستنتج".

souraton-shamsiya-03

souraton-shamsiya-01

 

أدب الطفل

تناضل الدار ضد الاستسهال، وضد صناعة كتاب رديء بحجة أنه كتاب للأطفال، وأن الطفل لا يميّز. وتناضل من أجل أن تقول إن "أدب الأطفال هو أدب موجود، له مصطلحاته وموجاته وعالمه وفنانوه وكتّابه".

والأدب لا يعني دوماً "القصة ذات الحبكة" التي تنتجها مختلف الدور. الأدب يمكن أن يكون في "التراث الشفوي"، في "العدّيات" و"الحكايات"، التي تحاول الدار إحياءها من جديد. ويمكن أن يكون في كتابٍ من دون كلمات مثلاً، أو في تساؤلات بسيطة لا أجوبة لها. ويمكن أن يكون في حكاية لا تقدّم وعظاً ولا إرشاداً ولا مقولةً جاهزة، بل تفتح أفق الطفل وتحفّز خياله.

في أحد لقاءات الدار مع الأطفال حكت نادين قصتها "حائط هواء". حين انتهت وبدأت تتلقى أسئلة الأطفال حول القصة، سألها طفل: "لماذا اسمها حائط هواء"؟ لم تجب عن سؤاله، بل اكتفت بالقول: "ربما تتناقش مع أصدقائك في المدرسة بهذا، وستصلون إلى جواب".

7a2et-hawa2-2

7a2et-hawa2-3

 

الكتاب ليس ورقاً فقط

تهتم الدار بجودة كتابها جداً، يمكن ملاحظة ذلك فوراً من التصميم المبتكر لكل كتاب. ومن الاهتمام بأدق التفاصيل، بدءاً باختيار الفنان الذي سيرسم لوحات الكتاب، ومروراً باختيار نوع الورق المناسب، الذي قد تضطر الدار إلى استيراده من الخارج، حين لا يكون متوفراً في بيروت، واختيار شكل الكتاب وحجمه وغيرهما من الأمور الفنية.

وتولي الأهمية الكبرى للمضمون. تقول: "لا أريد أن أعيد تقديم ما هو موجود أصلاً في السوق، منذ سنين لم نقدم للأطفال شيئاً جديداً، ما زلنا عند أكل الولد التفاحة، لكن التفاحة صارت مرسومة بشكل أفضل وأجمل. هل هذا يكفي؟". تسعى الدار لخلق كتاب جيد يدفع الطفل إلى القراءة وإيجاد اللذة فيها، وفي الوقت نفسه يحرّكه، يهزّه، ويمكّنه من رؤية الجمال والقبح، وفهم العالم من حوله.

وهناك أيضاً مواكبة بصرية ومواكبة موسيقية، إذ قلما يخلو كتاب من كتب الدار من "CD" مرفق معه لبعض الأغنيات، وأحياناً لسرد الحكاية مترافقة مع بعض الألحان الموسيقية. "القراءة البصرية توازي قراءة الكلمات، والفن في الكتاب ليس مجرد ديكور، هو نوع من الجمال الذي أريد للطفل رؤيته، لينمو مكتمل الحواس والخيال. غايتنا أن نخلق جيلاً مختلفاً، لا يفكر كله بالطريقة نفسها، فذلك يحدّ الخيال. أؤمن بالفرادة، وبخلق طفل قادر على الخلق والنقد والتعبير عن رأيه بحرية".


 

كتب من عمر صفر لعمر 99 سنة

توضح نادين: "لدينا كتب من عمر صفر لعمر 99 سنة. الكتاب حين يدخل بيتاً ينشئ حياته في ذلك البيت. يلمسه الكبير والصغير، وقد حرصنا منذ البداية على صنع كتب تثير الأهل أيضاً، أليسوا هم من سيقرؤونها على أطفالهم؟".

نسألها عن "عمر الصفر"، تجيب: "من الخطأ أن ننتظر الطفل حتى يستطيع القراءة لنعطيه كتاباً. القراءة عادة وممارسة، ويجب أن يرى الطفل الكتاب ويتفاعل معه منذ أشهره الأولى". أما عن عمر الـ99، فهذه أيضاً ليست مبالغة، فكتاب "العديات" الذي جمعتها "نجلا جريصاتي خوري" يعدّ توثيقاً أنتربولوجياً للتراث الشفهي، وهو يهمّ جميع الأعمار.

تحرص الدار أيضاً، على إنتاج كتب للفئة العمرية المهمشة جداً، فئة الشباب بين 14 و18 سنة. ومن أجمل كتب دار قنبز لفئة 18 وما فوق، هو "مدينة مجاورة للأرض"، الذي ألّفه ورسمه جورج أ. مهيا باستخدام الحبر الأسود فقط، وبصبر لا مثيل له.

 

اللغة العربية

لاحظت الدار أن كثيراً من الأطفال في العالم العربي لا يتقنون اللغة العربية، بل إن المدارس لا تهتم باللغة، وبعض الأهالي ينظرون إليها باستعلاء. لذا وضعت ضمن أهدافها "تقريب اللغة العربية من الأطفال". كيف؟ تجيب نادين: "عبر خلق الأداة، والأداة هنا هي الكتب، والمجلة التي بدأنا بها. علينا أن نحرر هذه اللغة من قالبها الضيق، ونجعلها سهلة وسلسة. أن نظهر أن اللغة العربية ليست لغة التلقين والوعظ المرتبطين بالتعلّم، بل هي لغة حية ويمكن أن نعبّر بها".

تستخدم الدار في بعض كتبها اللغة العامية، ما عرضها لكثير من الانتقادات. ترى نادين أنها انتقادات ظالمة، خصوصاً أنهم يستخدمون اللغة العامية وفق منطق، ولا تتجاوز نسبة ضئيلة من الكتاب (10%). ومستخدمة في الأماكن التي يكون وجودها فيه محتم، كما في الكتب التي تعنى بالتراث الشفوي اللبناني "الحكاية والعدّية"، وفي كتب "الكوميكس"، وفي الحكايات التي تحاكي العامية.


وتضيف: "نحن لا نصنع كتباً تعليمية، وليس هدفي أن أعلّم اللغة، التعليم له كتبه، أنا هدفي أن أقرب هذه اللغة للأطفال، أن أخلق علاقة بينه وبينها. أبسط مثال يمكن الرد به على كلام اللغة العامية أن الأم حين تقرأ لطفلها الصغير حكاية، تحوّلها من الفصحى في الكتاب، إلى العامية ليصبح قادراً على فهمها".


 

مجلة قنبز

"هذه المجلة حلم. كل فلسفة دار قنبز موجودة فيها"، هكذا تلخص الدار مشروعها الجديد. بدأت فكرة المجلة من اللغة العربية، من التفكير بأداة لتسيير هذه اللغة، فهذه اللغة يمكن لها أن تعيش بعدة أشكال، وهي قادرة على التعبير عن العلوم والفنون والآداب.

Screen Shot 2016-05-01 at 12.36.28 PM

تتخذ المجلة موضوعاً رئيسياً في كل عدد، وتحاول الدخول إليه من أكثر من زاوية، وهنا كان التحدي: "هل يمكننا إنتاج مضمون جاد باللغة العربية لا يكون مترجماً؟ بعد تخطيط دام لثلاث سنوات، وجهد 33 خبيراً، صارت المجلة جاهزة، واكتشفنا أننا نجحنا في التحدي".

تشبه المجلة في عددها الأول "حديقة الحشورين"، وموضوعها الأساسي هو "الطيران". تناقشه في أكثر من زاوية، فتنقل الطفل بين التاريخ والسينما والطوابع والميثولوجيا والعلوم.

DarOnbozMagazine_02

في ملف الطيران، يمكن أن نقرأ عن الطوابع، ألا تطير لتوصل الرسائل بين البلدان؟ كما يمكن أن نقرأ عن فعل "وكوكَ" صوت الطير. ومن خلال كتابته، نتعرف إلى خط النسخ. ويمكن لنا أن نقرأ أيضاً عن السينما من خلال أفلام ذات علاقة بالطيران، وعن الحشرات في العنبر، وعن فندق بارون، وعن حسابات هيليوم الطيران.

هكذا، تحاول المجلة اقتراح طريقة جديدة للمعرفة والتعلّم، من خلال وضع المعلومات العلمية في قالب لطيف، يدمج الحكاية بالمعلومة والفكاهة، ليخلق نوعاً من التعلّم عن طريق التسلية. تتضمن المجلة عدداً من الأنشطة اليدوية، كلعبة الوزة المرفقة في مغلف خاص مع المجلة. يحتوي أيضاً على أوراق الأوريغامي (فن طي الورق الياباني)، وقطع من الكرتون المقوى لصناعة مجسم لفندق بارون، ومنطاد.

حدود المجلة لا تقف هنا، بل تمتد لتشمل أفلاماً وثائقية وحكايات صوتية مرتبطة بالموضوع نفسه وموجودة على موقعها majalletonboz.com. عن هذا تقول صاحبة الدار: "الرقمي هو الشفهي الجديد! دع الحكايات تطير. ونرى إلى أين يمكن أن تصل!".



 

طير يا طير

آخر مشاريع دار قنبز الجديدة، تم التفكير فيه انطلاقاً من أن لبنان وسورية وفلسطين هي أهم مناطق العالم من حيث عبور الطيور المهاجرة. يتألف المشروع من سبعة كتب تتنوّع بين الحكاية والرسم والقص، والتلوين والمعلومات والأغاني، ومسرح خيال الظل.

teer-ya-teyr-cover

وتختم نادين: "أردنا في هذه السلسلة، كما في كل كتبنا، التركيز على العمل اليدوي للطفل، لأن 60-70% من طاقة الدماغ تذهب لليدين. أردنا أن نطلق كتباً تجعل الطفل يحرك يديه فيها".

 

تابعوا كل جديد "دار قنبز" عبر حسابات الدار على فيسبوك وإنستغرام

 

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
ثقافة لبنان

التعليقات

المقال التالي