الخليفة الأسمر والخليفة الأشقر، وأمّاهما غير العربيتين المنسيتان

الخليفة الأسمر والخليفة الأشقر، وأمّاهما غير العربيتين المنسيتان

توثيق التاريخ كان دائماً هاجساً عند شعوب العالم، وفي فهمنا لهويتنا الدينية، والثقافية أو العرقية، نعود للتاريخ، ونختار منه ما يناسبنا، نعدل فيه، ونصممه بما يدعم وجهة نظرنا.

عتم مؤرخو عصور الخلافة الإسلامية على الكثير من الأحداث، لإبراز صورة معينة للخلفاء، فهل حان الوقت لكي نصوبها الآن؟ ونغير روايتها المكرسة بما يخدم الحقيقة والناس والثقافة؟

اعلان


 

التنين العباسي الأسود

الثقافة العربية وكتب التاريخ تحتفي بخلفاء ما اعتمدت تسميته بـ"العصر الذهبي العباسي"، ولعل أشهرهم على الإطلاق هارون الرشيد وابنه المأمون. فكان لازدهار الاقتصاد والاستقرار السياسي في عهدهما، خصوصاً اهتمامهما بالفنون والعلوم، سبباً ليكون مقر الامبراطورية الإسلامية بغداد، عاصمة ثقافية للعالم بأسره.

لكن هذا الحكم الناجح للأب والابن، لم يكن "ذهبياً"، بل كان هناك الكثير من الحروب والدماء والدمار. وهي حقائق لا نريد أن تكون جزءاً من هذا التاريخ، فنطويها بعيداً في خبايا الذاكرة، لتبقى قصة العصر الذهبي مشرقة. ليس فقط من كتبوا التاريخ مسؤولين عن هذا التعتيم، بل عبر العصور حتى اليوم، قراء التاريخ، نحن، مشتركون في هذه الممارسة لأن فكرة النجاح والازدهار تدغدغنا، ونريد من التاريخ أن يكون قصصاً مكتملة، فيها حبكة مثيرة، وأحداث شائقة وقصص مسلية. نحن بشكل خاص، نستثني الشخصيات التي لا تناسب مكانتها في القصة، ونقدم ما يسحر مخليتنا.

من هذا الجانب المطوي لتاريخ خلافة المأمون، قصة الخليفة "الأسود"، وهو أخو هارون الرشيد وعم المأمون. اسمه إبراهيم بن المهدي، لقب بالمبارك حين بويع بالخلافة في بغداد سنة 202 هـ، واستمرت خلافته سنتين. في هذه الفترة، كان المأمون في خراسان، وقد أغضب العباسيين، لأنه غيّر راية الخلافة السوداء، التي كانت رمزاً للثورة العباسية، واستخدم اللون الأخضر، بعد أن سمّى علي الرضا خليفة له، ونقش اسمه على العملة.

وفي بغداد، قرر العباسيون "الانقلاب" على المأمون، واختاروا إبراهيم المهدي خليفة بدلاً منه، لضمان بقاء الخلافة في الأسرة العباسية. انتهت خلافته بعودة المأمون، فهرب وتخفى لسنوات، ثم ظهر بعد أن عفا عنه المأمون. وقد كتب من منفاه للمأمون قصائد يطلب فيها العفو، ويذكره بأنهم أهل وأقرباء، من أجملها بيتان:

وعسى الذي أهدى ليوسف أهله      وأعزه في السجن وهو قريب

أن يستجيب لنا فيجمع شملنا     فالله ربّ العالمين قريبُ

يذكره الذهبي في سطر واحد في كتابه الشهير سيرة أعلام النبلاء، فيقول عنه إنه كان طويلاً، قوياً. لقب أيضاً بـ"التنين"، وكان معروفاً عنه ولعه بالطرب والموسيقى. كتب عنه المؤرخون أنه كان "أسود"، لأن والدته كانت "جارية سوداء" اسمها "شَكلة"! ويختلفون في أصلها، فهناك من يقول إنها من "سبى طبرستان" وغيرهم يقول إنها من "ديلم العراق". وفي كلتا القصتين هناك ما لا تقوله الأخبار عنها. لا تذكر الأخبار عنها أي شيء، عدا وصفها بأنها "جارية سوداء".  ولكن في أخبار ابنها، إبراهيم، يذكر أن والدته علمته النغم والإيقاع.

وصلنا من شعره القليل، وهو في معظمه عن فكرة الصفح والغفران، وتأملات في الدهر وتغير الأحوال، يعكس تجربته في المنفى. وقصيدتا مديح للمأمون الذي عفا عنه. وما نعرفه من شعره بأنه كان يعير بلونه الأسود، فهو يرد على من قلل من شأنه ببيت يقول فيه:

إن كنتُ عبداً فنفسي حرةٌ كرماً     أو أسود اللون إني أبيض الخُلق

وفي قصيدة أخرى يقول:

ليس يزري السواد بالرجل الشهم      ولا بالفتى الأريب الأديب

إن يكن للسواد فيك نصيبٌ      فبياض الأخلاق منك نصيبي

لا شعر التنين الأسود، ولا موسيقاه خوّلانه لدخول تاريخ الخلافة كما ندرسه ونذكره، تناسى كتاب التاريخ وجوده، وغابت معه حياة والدته التي لانعرف عنها شيئاً.

 

الخليفة الأموي الأشقر

بعد نحو قرن من الزمن، في غرب الامبراطوية الإسلامية، في شبه الجزيرة الأيبيرية، وبعد أن حكم 12 عاماً، كأمير على قرطبة وما حولها، قرر عبد الرحمن الثالث، ثامن الحكام الأمويين في الأندلس، أن يعلن نفسه خليفة أموياً، وأن يجعل من قرطبة عاصمة للخلافة الإسلامية عام 316 هـ/929 م، ولقب بالناصر لدين الله.

عرف عصر عبد الرحمن بـ"العصر الذهبي"، وشبه حكمه بالازدهار الذي عرفته بغداد أيام المأمون والرشيد. حكم كأمير وخليفة لنحو نصف قرن، واهتم بالثقافة والعمارة، وازدهرت في عهده التجارة. أرسل وفوداً دبلوماسية إلى ملوك أوروبا، واشتهرت في عهده عاصمته قرطبة، ومدينة الزهراء التي بناها، بالقصور والحدائق، وبمكتبات وتحف من كل أرجاء العالم الإسلامي.

نعرف الكثير عن جد عبد الرحمن، الذي رعاه وقلده الخلافة، ولكن القليل عن والدته وجدته. كلاهما من الشمال: أمّه "ماريا" التي تذكرها المصادر العربية كـ"مزنة"، وجدته، ربما أميرة من إقليم الباسك الشمالي، اسمها أغنا، وأعطاها العرب اسماً عربياً، فسموها "دُرّ".

عبد الرحمن، كحال معظم الأمراء الأمويين في الأندلس، كان من أصل عربي، وأصل إسباني معاً، إذ إن أمهات الأمراء كن "أجنبيات"، تكلمن لغات غير العربية، وآمن بألهة غير إله الإسلام.

وما نعرفه عن قصة الخليفة، أنه عندما قرر إعلان خلافته، أراد أن يبدو "عربياً"، وأن يؤكد على نسله الأموي، ويخفي دمه الإيبيري، فصبغ شعره الأشقر بالحنة ليعتم لونه، إلا أن عينيه الزرقاوين حملتا هويته المختلطة.

واليوم، في تصوير هذا التاريخ في الثقافة العربية: الخليفة الأسمر يختفي من عصر المأمون، وهوية الخليفة الأشقر تختفي أيضاً، ومعهما تاريخ أمّيهما. في مسلسل "أبناء الرشيد"، كما يشير العنوان نفسه، تحتفي الحبكة بالرشيد، وتقولب قصة الأخوين المتحاربين لتشير إلى الخلاف الأبدي لـ"هابيل وقابيل"، وكلاهما يخفي في التشويق تاريخ الخلافة، الذي شهد ازدهاراً ومجالس وانتصارات، ولكن أيضاً تعسفاً وقتلاً وقمعاً. كما تجدر الإشارة إلى أن المسلسل يصور والدة المأمون على أنها عربية، ومن التاريخ نعرف أنها توفيت عند ولادته، وبأنها كانت "جارية" فارسية.

وفي مسلسل "ربيع قرطبة" الذي يبدأ في عصر الخليفة الأموي الأول عبد الرحمن الناصر، هناك قرار واضح بتصوير ملوك وملكات الشمال، وطلاب العلم القادمين إلى الأندلس على أنهم "غرباء"، بشعرهم الأشقر ولغتهم العربية الغريبة، من دون أي مسؤولية للاعتراف بأن الخليفة نفسه كان واحداً منهم، وأن ما يفصل بين المنطقتين والثقافتين، كحال الخليفة المختلط النسب، في معظم الأحيان كان مبالغاً به، ومختلقاً، ومسيساً.

في طمس تواريخ، وتعظيم تواريخ، نظرة هرمية لحياتنا اليوم كما للتاريخ، تتحيز لمفاهيم تكرسها على أنها "أفضل": الرجال المنتصرون، ونسب الآباء، والعرب، والمسلمون، والقرشيون، وطبقات الهرم لا تنتهي. الأصحاء، المتزوجون، والآباء، الناجحون، والوسيمون، والفصحاء. وخلف كل حلقة يختفي بشر من كل الأشكال والألوان.

في إنكار هوية الأمهات تجسيد لسؤال أشمل: لماذا ننكر جزءاً من تاريخنا؟ ولماذا نصر على طمس التعددية التي ميزت الثقافة الإسلامية عبر العصور؟ بعد ألف عام على هذا التاريخ، ألم تتوسع مفاهيمنا الإنسانية والمدنية والثقافية، لننظر إلى الخلافة بعيون جديدة، ترى السوء والقمع كما ترى النجاح والازدهار؟

 

إيناس خنسه

إيناس خنسه باحثة سورية مختصة بشؤون العالم العربي. عملت كأكاديمية ودبلوماسية في عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حاصلة على شهادة دكتوراه من جامعة جورج تاون وعلى منحة زمالة ميلون من جامعة هارفارد. إيناس تكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي