كيف أصبحنا أجمل؟

كيف أصبحنا أجمل؟

يفرض كل عصر بحكم مؤسساته والعلاقات التي تحكمه، مجموعة من المعايير التي تميز أجساد أفراده. تعتبر هذه المعايير قوى تمارس "عنفها" على الكائن الإنساني، ويُعدّ الجسد أحد أهم مصبّات هذا العنف، لنرى شكله يختلف، خصوصاً أن هذه المعايير ترتبط بتكوين الجسد وصورته وتقبله من الآخرين، لتكون صفات "جميل - قبيح"، ليست على أساس فرداني، بل بمقدار ما يحاول الجسد أن يشابه تلك الصورة المفترضة عنه، والمرتبطة بالتغيرات الفكريّة في كل مرحلة.

ما يميز هذه الظاهرة الثقافية الجنسانية (جماليات الجسد)، واختلافها بين العالم الغربي والعالم العربي، هو أنها في الغرب تحمل منهجاً متكاملاً وواضحاً لدراسة الجماليات الجسدية لكل مرحلة، وتكون صورة متماسكة عنها. في حين أن الثقافة العربية تقل فيها هذه الدراسات، من منطلق حرمة الجسد، وحرمة تصويره، ليكون الانتصار للمخيلة لا للمحاكاة الجسدية.

اعلان


 

الجمال الربّاني

jeanne_d_aragon

مفاهيم "الجميل" في القرن السادس عشر ارتبطت بالمكانة الاجتماعيّة، وبمفهوم "الجمال الإلهي"، خصوصاً بروز الوجه والعينين، والتركيز على هذا الجسد المنزاح عن المقدس وعلاقته بالمباهج اليوميّة، والاهتمام بالقسم الأعلى منه بوصفه موقع البذخ. في حين أن الأسفل يُغطى بالفساتين الهائلة والقضبان التي تنفخ الأسفل، وهذا مرتبط بالعلاقة مع العلوي والتقسيم الهندسي للعلاقة مع الغيب والنزوع للأعلى. فالنور في الأعلى والأسفل أقل أهمية، ليكون الجسد منفتحاً من الأعلى ويضيق كلما انحدر. وهذا مرتبط بالطبقات الاجتماعية، فالأعلى منها هو الأجمل، ويتضح ذلك في لوحة" jeanne d'aragon" .

 

"أنا جميل، إذاً أنا موجود"

Vermeer_Girl_with_a_Red_Hat

انتصر في القرن السابع عشر مفهوم المدنيّة وظهور الآلة، وبدأ الجسد يتحول إلى وضعية للاستعراض والمسرحة في الأماكن العامة. وأصبح هدفه إثارة إعجاب الآخر بسبب انقطاع العلاقة مع الإله، والتركيز على الذات والآخر البشري والتكوينات الاجتماعية، خصوصاً مع بروز العقل ورينيه ديكارت الذي أسس للقطيعة مع "الأعلى". بدأت القامة بالظهور بأكملها والتركيز على انحناءاتها ودوائرها، بأشكالها المختلفة من نحيل وبدين، ممشوق ومترهل، وأصبح الجميل مشتقاً من الطبيعة والحضور البشري لا "الإلهي". لتبرز الحيوية المرتبطة بهذا الحضور، إلى جانب هور البنطلون لدى الأنثى بوصفه آتياً من التراث المسرحي للكوميديا ديلارتي، إلى جانب أجهزة ضبط الجسد المرتبطة بالهندسة العلميّة، كالآلة التي اخترعها  "قاريتزو" للعلاج الطبي ثم تحولت إلى وسيلة للتجميل. إلى جانب الانفعالات كلوحة الفتاة ذات القبعة الحمراء لفيرمير، وارتباط ذلك بالطبقة الاجتماعية، لنرى في لوحة الوصيفات مثلاً النور والحيوية في وجه الوصيفات، والخجل وشبه الغياب في وجه الراهبة.

 Las Meninas

 

الانعتاق السفلي

 Fragonard The Swing

انتصر الحسي على الإلهي في القرن الثامن عشر، وبدأ الجمال كمفهوم يتحول إلى صيغة وظيفية وعاطفيّة متفرداً في كل شخص، لتبدأ الحسية والشبقية بالظهور كما نرى في لوحة الفنان فرغونارد "الأرجوحة"، إذ يتبدّى الجسد ويتكشف، ويصبح أكثر حسيّة ومرتبطاً بالطباع البشريّة. فظهر الزمن والإحساس بالحركة، ودفق العواطف، وأصبح لكل امرأة خواصها المتفردة التي تميز جمالها، وبانت حرارة الجسد، وباتت القامة أكثر تحرراً، حتى أن الساقين برزتا كما في الأرجوحة.

 

الجسد الرومانسي

في القرن التاسع عشر ظهرت الرومانسية بقوة، وأصبح الجسد اكثر انفلاتاً، ونال القسم السفلي حضوره، والعيوب أصبحت جزءاً منه، فضلاً عن الدفق العاطفي، إذ بدأت العيون السارحة بالطغيان إلى جانب التأملات العاطفيّة، بالإضافة إلى مناسبة الثياب للجسد، كما في لوحات يوجين دولاكروا، وبروز معالمه من تحت الثياب. فأصبح الخصر والمشدات منتشرة بكثرة في سبيل تضييق الخصر كعامل أساسي لتحديد جمال المرأة، مع انتشار أسواق التجميل ومستحضراته.

 

القرن العشرين

  • الجمال الفائق

في القرن العشرين تطورت مفاهيم الجنسانية، وظهرت نماذج لنساء جميلات، نماذج تشّكل معيار الجمال والرغبة الجنسية. أصبح الجمال يرتكز على معايير مؤسساتية تبادليّة، وهذه المعايير أصبحت وسيلة لإدانة من لا يتبعها، بوصفه offmode، أو اعتماد الجسد المصطنع وتجنيس أجزائه، بل حتى أحياناً ما لا ينتمي له، وهذا ما يعرف بالجمال الفائق، جمال العارضات اللواتي يفرضن كنماذج.

 

  • الجسد المخنّث

في الستينات، خصوصاً مع الثورات ضد الجماليات السلطوية والمؤسساتية، بدأت أصوات الهوامش بالخروج للعلن، وبدأت الحركات الجنسانية الخاصة بحقوق المثليين، ليظهر معها مفهوم التخنيث وUnisex، فتتداخل الفروق بين الجنسين، خصوصاً الجنسية منها، وهذا ما افترض أشكالاً ومعايير جديدة، خصوصاً أن المجتمع الجديد قائم على جماعات بشرية لا تحكمها الجغرافيا، وتتبنى أفكاراً تنعكس في ثيابها وأشكالها، نتيجة وسائل الاتصال والانفتاح الهائل. فالنموذج لم يعد مرتبطاً بجغرافية - مكان بل بفكرة ومقدار انتشارها.

 

  • الجسد النسوي

Body-Hair-feminism-beauty2

الحركات النسويّة حاولت في علاقتها مع الجسد الانفلات من القيود السابقة، أي مستحضرات التجميل وأدوات "تغييره" بوصفها ذكوريّة، تهدف إلى تحويل الجسد إلى مصدر لذة للرجل، كنوع من أعمال العنف، لنشهد انفلاتاً للجسد على راحته، بكل بداءته أحياناً أو الانتصار لخواصه الطبيعية التي تميزه عن جسد الذكورة.

 

  • الجمال المضاد

حالياً، وفي محاولة للوقوف بوجه التسليع ونموذج الجسد الفائق الذي نراه بهزاله ودقة تفاصيله أي خصائصه المعلّبة، تقام الكثير من الحملات المضادة، والتي أيضاً خضعت للمؤسسات التي تبنتها، لنرى عارضي أزياء بدناء، أو مصابين بتشوه ما، في محاولة للانعتاق من الصورة والسلطة الجمالية القائمة، لينتصر الجسد الطبيعي المنفلت من سلطة الصور. وليُطرح مفهوم" الكلّ جميل" ولكل شخص خصائصه المميزة المرتبطة به، بعيداً عن أحكام الجمال السائدة.

 

عمّار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

كلمات مفتاحية
العالم ثقافة

التعليقات

المقال التالي