مترجمون أم باحثون؟ عن ظاهرة صفحات الباحثون الفيسبوكيون العرب

مترجمون أم باحثون؟ عن ظاهرة صفحات الباحثون الفيسبوكيون العرب

بمجرد كتابة كلمة "الباحثون" في شريط البحث على فيس بوك، تظهر لكم عشرات الصفحات التي تدعي أنها علمية متخصصة في مجال ما أو تابعة لبلد ما. لو صدقتم ما ترونه للوهلة الأولى، لاعتقدتم أن العرب جميعاً صاروا باحثين. غريب، لأن الإنفاق على البحث العلمي في كل الدول العربية لا يصل إلى ما ينفق في إسرائيل وحدها.

أعتقد أن البداية كانت مع صفحة "الباحثون السوريون" لمؤسس المبادرة الدكتور مهند ملك، ومع الوقت حصل ما يحصل مع كل رصيف فيه محل شاورما مشهور يظهر حوله عشرات المحال بحجة أن ذلك سبب كفيل لنجاح أصحابها.

الباحثون السوريون

لأكون واضحاً ومختصراً، موقفي من هذه الصفحات هو مشجع وإيجابي على الرغم من الملاحظات والانتقادات والسلبيات الكثيرة التي أراها فيها، لكنها ظاهرة ضرورية ولا بد منها.

لنبدأ من الاسم، مع أن الدكتور مهند ملك باحث متخصص في السرطان، واسم مبادرته كانت "الباحثون السوريون"، لكن هذا لا يعطي صفة الباحث العلمي لمتطوعيها ولا لمؤسسي المبادرات الأخرى، وهو ما توافقني المبادرة نفسها عليه.

مترجمون أم باحثون

صفة الباحث العلمي أمانة كبيرة لا يستطيع حملها ولا يعرف وزنها إلا من جرب فعلاً البحث العلمي سواء بمختبرات أو في علوم نظرية كالبحث العلمي بأساليبه وأدواته مثل التجريب والملاحظة والاستنتاج والدراسة الإحصائية ووضع الفرضيات واختبارها وإلى ما هنالك. المؤكد أن كل ما ينشر على هذه المبادرات والصفحات لا يمت للبحث العلمي بصلة، إنه مجرد ترجمة ونقل لبعض الأبحاث أو مواضيع علمية.

أشجع فكرة انتشار صفحات فيسبوك أو قنوات يوتيوب أو في أي فضاء كان مهمتها تبسيط العلم وتوصيله للعامة، لست من أنصار أن يرقى العامة للعلم وجعله في برجه العاجي ولفه بالغموض الذي كان معروفاً أيام نيوتن وتيسلا. لأن العلم اليوم ليس ترفاً بل هو ضرورة قد يغير من حياتنا وتفكيرنا ويجب على العامة الاهتمام بالمواضيع العلمية ولو بدون الدخول بتفاصيلها التي تهم المختصين فقط.

من استبيان سريع أجريته على متابعي هذه الصفحات كان الرأي السائد لديهم أنها تروج لأيديولوجية معينة وبعضهم ربطها بالمؤامرات. المشكلة التي تواجهها هذه الصفحات أنها تنحدر بسرعة للخوض في المواضيع الخلافية، خاصة قضيتي التطور والخلق وبعدهما الجنس، لدرجة أن مديري الصفحات كلما لاحظوا انخفاضاً في أعداد الوصول والتفاعل مع المنشورات، وضعوا سؤالاً يشن حرباً فيسبوكية بين المعلقين أصبحت فرصة للتندَر أيضاً.

واستجابة لهذا الترويج الأيديولوجي ظهرت صفحات تدعي صفة البحث العلمي تحاول الرد عليها بنفس المبدأ الأيديولوجي، فكما هناك صفحات باحثون سوريون ولبنانيون وعراقيون هناك أيضاً "الباحثون المسلمون". وأحياناً كنا نرى حرباً فيسبوكية بين صفحات وليس فقط بين معلقين.

الطابع العام لمنشورات هذه المبادرات هو محتوى يتم ترجمته من مصادر أخرى كثيراً ما تكون حيادية وصحيحة وليست مواقع عادية. الترجمة تمر في عدة مراحل تدقيق لغوي وعلمي قبل أن يتم نشرها، ومن الجيد أن المبادرات غالباً تنشر على موقع ويب وتروج لمقالاته على صفحاتها على فيس بوك، لأن أي محتوى ينشر على فيس بوك يموت بعد قليل من الوقت.

وبما أن العلم الحقيقي كالحقيقة لا تخفي نفسها، إلا أن هذه الصفحات قد لا تكون محايدة تماماً، فإن أرادت الترويج لأيديولوجيا معينة تتعارض مع متابعيها فإنها ستختار نوعية مقالات أو من مصادر تتوافق مع أيديولوجيتها فقط، أو تركز كثيراً على هذه المقالات وتهمل أخرى. مثلاً تجد عشرات المقالات عن البيولوجيا وأدلة التطور لكن عدداً قليلاً من المقالات في الموسيقى أو الاقتصاد أو الجغرافيا.

المثير للاهتمام هو قسم التعليقات على المحتوى المنشور، هذه أهم ميزة لمثل هذه الصفحات، وأقصد هنا تعليقات النقاش العلمي المفيد حقاً وليست تعليقات الصراعات والسخرية والسب والشتم. يحدث كثيراً أن يتناقش المعلقون في موضوع منشور وهذا شيء لا نعرفه كثيراً كعرب في حياتنا اليومية، أي النقاش الموضوعي المبني على أدلة وبراهين تدعم حجتنا وتدحض حجة الخصم وعدم الوقوع في المغالطات المنطقية أو الصراخ والعويل كوسيلة للتشتيت. المميز عندما يكون النقاش بين أطراف مثقفة كطلاب أو باحثين جامعيين وهؤلاء يميلون أكثر لتغيير أفكارهم لو ثبت خطأها بالنقاش العلمي الموضوعي.

هذه الظاهرة ترسخ لشيء أكبر قد يظهر مستقبلاً بكثافة أعلى، وهو المواقع العلمية العربية المتخصصة التي تترجم عن مصادر علمية محايدة وتنقل العلم بلغة مبسطة للعموم أو بلغة متخصصة لنشر العلم بلغتنا العربية. اليوم توجد بعض المواقع العربية من هذا النوع لكنها تعتمد على الجهد التطوعي ومعدل نشرها محدود. ومن الصعب أن نتفاءل بمستقبل قريب نجد فيه مواقع علمية بإنتاج عربي، السبب لا يعود لضعف الإنتاج العربي العلمي فحسب، بل لضعف التواصل ما بين مؤسسات الأبحاث العلمية كالجامعات وغيرها، وهذه المواقع. كما لا يمكننا أن نتفاءل بأن يتم إنشاء مواقع علمية المحتوى تجارية الطابع، أي لديها تمويل واستثمارات وموظفون وتستمر بشكل أفضل من المبادرات التطوعية.

رد الباحثون السوريون

توجهنا بالعديد من الأسئلة إلى مبادرة الباحثون السوريون كونها الأولى والأكبر في مجالها لنحصل على إجابات شافية عن الآراء التي توجه ضدها.

تحدثت رصيف22 مع مؤسس المبادرة الدكتور مهند ملك الذي أوضح أن انتشار مثل هذه الصفحات أمر إيجابي، فكما كان العرب يقلدون الغرب بالأشياء السلبية، من الجيد أن يقلدونه اليوم بأشياء إيجابية. في النهاية هذا يصب في إغناء المحتوى العربي العلمي على الإنترنت ويمهد ليكون أعداد الباحثين أكبر في المجتمع.

بدايةً، تؤكد المبادرة أن مثل هذه الصفحات والمبادرات لا يمكن أن تشكل مراكز بحثية مستقبلاً، بل يقتصر دورها على ترويج الثقافة العلمية في المجتمع أي الإلمام بالمفاهيم الأساسية في العلم بشكل مبسط، ثم الانتقال به إلى ثقافة قائمة على المنهجية العلمية.

وعزت المبادرة عدم مساهمتها بتطور البحث العلمي إلى عدم وجود التمويل الكافي. لذلك تعتمد على المتطوعين وهو ما يحد إنتاج أبحاث علمية جماعية. ولم يخفِ الدكتور مهند ملك وجود أيديولوجية خاصة يريد ترويجها وهي الاعتماد على العلم في بناء المجتمع بدلاً من الأمور غير الموثوق بها، وضرب أمثلة عن دول قامت على الدين وغيرها على السياسة وأخرى على العمل، فلمَ لا تقوم دولنا على العلم كأساس؟.

ولا ترى الباحثون السوريون عيباً في التطرق للمواضيع الخلافية حيث أن أي تغيير لا يمكن أن يتم ما لم يبدأ بالإضاءة على هذه المشاكل، وعندما تفتح المبادرات العلمية باب النقاش في مواضيع شائكة كنظرية التطور، فهي تهدف إلى ضرورة فصل النظرية العلمية عن الخلفيات الدينية أو الأيديولوجية المسبقة والنقاش بناءً على العلم وحده. ويؤكد ملك أن الخطوط الحمراء هي الدين والسياسة مبيناً أن المبادرة في منأى عن التهجم والإساءة.

إجمالاً ترى الباحثون السوريون أن مثل هذه المبادرات تساهم بشكل كبير في رفع سوية الثقافة العلمية لدى المجتمع مع أنها غير قادرة على إحداث ثورة علمية ترفع من شأن البحث العلمي.

 

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي