وفق مبدأ تعلم لغة عدوك تسلم، سكان غزة يتعلمون اللغة العبرية

وفق مبدأ تعلم لغة عدوك تسلم، سكان غزة يتعلمون اللغة العبرية

قبل بضع سنوات، كانت فئة الذين يتحدثون اللغة العبرية من سكان قطاع غزة مقتصرة على العمال الذين عملوا داخل إسرائيل، وتجاوز عددهم الـ150 ألفاً، وكان معظمهم لا يتقن القراءة ولا الكتابة إنما اكتسبوا اللغة العبرية من خلال تواصلهم مع رؤسائهم في المصانع والشركات التي يعملون فيها. حتى اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، عندما سحبت إسرائيل منهم تصاريح العمل، لتفقد اللغة تدريجياً الاهتمام بها، لكن ذلك لم يدم طويلاً لأسباب مختلفة تلخصها قاعدة: "تعلم لغة عدوك لتسلم".

تعلم العبرية ضرورة وليست خياراً

تقول الصحافية العشرينية عبير أيوب، التي بدأت تتعلم العبرية منذ عام تقريباً: "قررت تعلم العبرية في البداية لأنني أتقن اللغة الإنجليزية جيداً بحكم دراستي للأدب الإنجليزي في الجامعة، وعملي في كتابة التقارير بالإنجليزية. فكنت أدرك أهميّة ولذّة تعلم لغات أخرى غير اللغة الأم، وأحببت ما فتحته الإنجليزية لي من آفاق جديدة، واطلاعي على ثقافات متعددة، فاخترت تعلم العبرية بحكم أنها لغة الاحتلال الذي يفرض نفسه علينا في كل شيء".

وتضيف: "بعد أن بدأت أتقن العبرية، وأقرأ ما يكتبه الاحتلال الإسرائيلي في وكالاتهم عنا كفلسطينيين، أدركت أن تعليم العبرية أمر ضروري ليس لكل فلسطيني يعيش بجوار الاحتلال ويتعامل معه فحسب، بل لكل صحافي يكتب في المجال السياسي أيضاً. فنحن كثيراً ما نشتري منتجاتٍ كُتب عليها بالعبرية، من طعام أو معلبات أو حتى منتجات للبشرة والأدوية. وكثيراً ما نرى برامج ونشراتٍ إخبارية تتحدث عنا، وعلينا فهمها وتحليلها لنعرف مصيرنا".

وتؤكد عبير أن تجربة الحرب الأخيرة في صيف عام 2014 كانت سبب قرارها: "كنت أستمع لنشرة الأخبار العبرية واستديو تحليل الأحداث، وأرغب بشدة فهم ما يقولون، فكان المذيع يضحك تارةً ثم يغضب تارة أخرى، بينما يعرضون مشاهد من القصف أو المواجهات. وأردت معرفة سبب هذا التناقض في نظرتهم لنا. غير أنني خلال سفري عن طريق معبر إيرز البري، كنت أشعر برغبة في البكاء حين يتمتم الجندي الإسرائيلي بكل استفزاز، وأنا لا أفهم إن كان يشتمني أو يسخر مني، وبعد تعلمي للعبرية أصبحت أسمع وأفهم ولا أكترث".

وتلفت إلى أنها تتعلم الترجمة الإعلامية العبرية حالياً بحكم عملها كصحافية، ما جعلها تميِّز بين الكثير من الكلمات، التي لا يميزها حتى الذين تعلموا العبرية. تقول: "مثلاً كلمة تلفظ (نهراج) تعني بالعربية قتل، أما كلمة (نرتساج) فتعني قتل بدم بارد، هذه المصطلحات لا يميزها من تعلم العبرية العادية، يعلمها لنا المدرس لنكتب بشكل موضوعي واحترافي، ولا نخطئ أخطاءً مهنية كهذه".

تتفق فاتن شقيقة عبير (26 عاماً) معها في أهمية تعلم العبرية، لكنها تختلف في استخدامها وأسباب تعلمها لها. إذ قررت فاتن تعلم هذه اللغة بعد إنهاء دراستها في الجامعة كمعلمة لغة إنجليزية والعمل في هذه المهنة عامين، ولم تشعر بأنها في مهنتها الصحيحة، بحسب ما تقول.

فاتن التي تعمل في "مركز أطلس للدراسات" مترجمة لغة عبرية، كانت من أولى الفتيات اللواتي التحقن بمعهد التنمية المجتمعية لتدرس دبلوم اللغة العبرية، التي رغبت بتعلمها منذ صغرها. تقول: "أحب كثيراً أن أعرف ما يقوله الاحتلال عنا كفلسطينيين، وأن أقرأ ما يكتبونه على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وأن أرد عليهم وأناقشهم بشكل حضاري وأحب عملي في هذا المجال".

العبرية في المدارس

وتذكر فاتن أن وزارة التربية والتعليم في غزة كانت قد قررت فرض تعليم اللغة العبرية للمرحلة الثانوية في العام الدراسي الماضي، وتم تطبيق القرار في المدارس بالفعل، لكن الوزارة لم تتمكن من دفع تكاليف المشروع المادية، فتم إيقافه.

وتضيف: "كانت تجربة ناجحة ومهمة جداً، وأذكر أن الطالبات في المدرسة التي كنت أدرس فيها يملؤهن الحماس لتعلم العبرية، وأذكر أن معظم الطالبات قلن لي إنهن مهتمات بتعلم اللغة العبرية أكثر من تعلم الإنجليزية، بحكم أهميتها في وضع قطاع غزة، وتكرر الحروب في الفترة الأخيرة، وعبّرن عن حزنهن الشديد لعدم استمرار حصص اللغة العبرية".

من جهته، قال وكيل وزارة التربية والتعليم التابعة لقطاع غزة زياد ثابت: "التوجه إلى تعليم اللغة العبرية في مدارس غزّة، أمر مهم جداً لإدراك ما يدور في الشارع الإسرائيلي حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي". ولفت إلى أنه مع صعوبة تطبيق قرار تعليم العبرية في المدارس لقلة الميزانية، في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي يتسبب بها الحصار الإسرائيلي، قرّرت وزارة التربية والتعليم في غزّة إنشاء معهد خاص يسمّى بالمعهد التربوي للتأهيل والتدريب، لاستقطاب من يرغب في تعلّم العبريّة، بعيداً عن القطاع التعليمي الرسمي وللحفاظ على تعليم العبرية في غزة".

ويزيد إقبال سكان قطاع غزة على تعلم العبرية في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد خروج بعض الأسرى من سجون الاحتلال في صفقة تبادل الأسرى، التي خرج فيها الأسير أحمد الفليت، الذي درس خلال فترة اعتقاله في الجامعة العبرية وتخصص في العلاقات الدولية. بعد الإفراج عنه، بدأ يدرس اللغة العبرية في مجموعات صغيرة حتى تمكن من افتتاح أول مركز متخصص في قطاع غزة، وهو مركز "نفحة لدراسات الأسرى والشؤون الإسرائيلية".

تحديات وصعوبات

لم تكن بداية انطلاقته في تحقيق حلمه بتلك السهولة، إذ واجه الفليت الكثير من الانتقادات التي كان من شأنها أن تحبط معنويات أي شخصٍ عادي، لكنها لم تتمكن من شخص يملك إرادته وإصراره على هدفه.

يقول الفليت: "واجهت اتهاماً ذات مرة من أكاديمي كبير في إحدى الجامعات بأنني حين أعلّم اللغة العبرية، أساعد في نشر الثقافة الإسرائيلية، وأسهّل عملية تجنيد عملاء بتسهيل تواصلهم مع المخابرات الإسرائيلية. وكنت أرد ببساطة على هذا الاتهام بحكم خبرتي في الشأن الصهيوني أنه حين يتصل ضابط المخابرات الإسرائيلية بأي مواطن من القطاع كما حدث في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، يختارون من يتقن اللكنة التي يتواصل بها مع الشخص نفسه، وليس فقط أن يتقن العربية، ما يعني أن العملاء ليسوا بحاجة لتعلم العبرية مطلقاً".

ويضيف: "في بداية الأمر، كان أمثال ذلك الأكاديمي فئة ليست قليلة، ولكن مع مرور الوقت انتشرت الثقافة بأهمية تعلم اللغة العبرية انتشاراً واسعاً حتى بين هؤلاء المنتقدين".

ديما أحمد (29 عاماً)، إحدى طالبات الفليت الذي يفخر بها كونها تخرجت لتصبح أول مراسلة باللغة العبرية من داخل قطاع غزة.

نشرت أحمد أكثر من تقرير موجه للداخل الإسرائيلي باللغة العبرية، لتصل رسالتها وبقوة، فقام أحد الجنود الإسرائيليين بمشاركة الفيديو الذي أعدّته مرفقاً بكم كبير من الشتائم والألفاظ البذيئة. فردت: "رغم كل الشتائم التي كالها إليّ هذا الحاقد، فقد رفع من معنوياتي، فهذا يدل على أن رسالتي وصلت وفضحت الوجه الحقيقي لهؤلاء المحتلين الحاقدين".

من جانبٍ آخر، استخدمت كتائب القسام اللغة العبرية في أكثر من مناسبة لإرسال رسائل تهديد إلى الجمهور الإسرائيلي. وقامت بإنتاج بضعة أناشيد مثل أنشودة "زلزل أمن إسرائيل" باللّغة العبرية، واستخدمت طريقة التشويش على بعض الإذاعات وبث رسائل باللغة العبرية للمستوطنين خلال الحروب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع في السنوات الماضية.

 

كلمات مفتاحية
فلسطين

التعليقات

المقال التالي