أبرز المساحات الفنيّة المستقلة في الأردن... لا تفوّتوا زيارتها!

أبرز المساحات الفنيّة المستقلة في الأردن... لا تفوّتوا زيارتها!

"بدنا مكان يدعمنا عشان نبلِّش". بات هذا التصريح من أشهر ما يتم تداوله في دوائر الفنانين الصاعدين في عمّان، والذي لطالما أثار في الكثيرين من ناشطي الفنون والمشهد الثقافي الأردني شعوراً بالعجز وعدم الحيلة.

تتمركز معظم الأنشطة والمساحات الثقافية الأردنية في العاصمة عمّان، ما عدا بعض المراكز القليلة في بعض محافظات المملكة. وهذا ما قد يوحي بالتفاؤل، إذ يتوقع القارئ نوعية عالية للإنتاج الفني، وغنى في الخيارات لدى المهتمين. إلا أن الواقع ليس كذلك.

اعلان


المراكز والمساحات الفنية في عمان 3 أقسام، القسم الحكومي والقسم الخاص والقسم المستقل.

يتمثل القسم الحكومي بمراكز ثقافية فخمة غالباً ومجهزة تقنياً لاستضافة أكثر العروض مهنية، مثل مركز الحسين الثقافي والمركز الثقافي الملكي وقصر الثقافة. لكن الرقابة المفروضة من قبل مديريها تحول دون تحقيق أدنى المتوقع. فتستضيف عروضاً سطحية بمحتواها. وقد حاول الفنانون الشباب تغيير هذا الواقع، فتحدّى بعضهم إدارة هذه المراكز بتقديم أعمال مختلفة وتحملوا عواقب شجاعتهم وإيمانهم بفنهم، ومنهم من جارى هذه الإدارات ليصبح جزءاً من دوائر الفساد، أو قدّم أعمالاً آمنة "تقليدية" أو عروضاً سياحية عالمية.

أما المساحات العامة التابعة لأمانة عمان الكبرى بغالبيتها، فتدافع الناشطون لاستغلالها وتفعيلها فنياً، في حين لم تتوقف الأمانة عن وضع العراقيل أمام حرية العمل فيها. "شعبك هيك بده"، هكذا صرّح أحد المسؤولين في الأمانة لمجموعة من الفنانين، الذين اقترحوا مشروعاً للرسم على الجدران في إحدى المساحات العامة العام الماضي. "الناس ما رح تتقبّل هالفن، روحوا ارسموا على حيطان بيوتكم أضمن". هذا التصريح كان سبباً في اختيار هؤلاء الفنانين للطريقة غير القانونية لتنفيذ مشروعهم، ما عرضهم للمساءلة القانونية في ما بعد.

القسم الخاص ينطوي على مشاريع وعروض مدفوعة، تعتمد على تمويل له أجندة واضحة إلى حدّ الاستخفاف بذكاء المتلقي، والتركيز من جانب آخر، على التجارب الأجنبية، على حساب التجارب المحلية والعربية، وهذا ما يُعزى إلى نوعية وشروط التمويل. كأن تقرّر مثلاً مجموعة المراكز الثقافية التابعة للاتحاد الأوروبي الترويج لثقافات بلدانها من خلال عروض مهرّجين للأطفال من لندن. في حين تسعى بعض معارض الفنون التشكيلية إلى استقطاب فنانين أجانب لبرامج الإقامة الفنية والعروض من أجل الحصول على التمويل من سفاراتهم، بينما يقف الفنانون المحليون في طابور طويل بأحلامهم وموهبهم وطموحاتهم، في انتظار حقهم الطبيعي بالدعم.

التركيز في هذا المقال سيكون على القسم المستقل، الذي واجه ويواجه صعوبات شتّى ليحصل على استقلاليته فنياً ومادياً. يعتبر ظهور المساحات الفنية المستقلة ثورة على الظروف الإبداعية المحلية، إذ بدأ الناشطون بالتفكير في حلول بديلة تنقذهم من الانصياع للرقابة على المبدأ والمحتوى. ورغم أن غالبية المساحات المستقلة بدأت بالاعتماد على تمويل ما، فإن أصحاب هذه المشاريع والمبادرات كانوا أكثر وعياً في فهمهم لأهمية المساحة والفكرة، حتى ولو حال ذلك دون استمرار المشروع. تجتمع المساحات المستقلة في منطقتي جبل اللويبدة وجبل عمان، وفيهما تندمج أصالة فن العمارة بحداثة التصميم.

مكان

مساحة فنيّة مخصصة للفنون والممارسات الاجتماعيّة المعاصرة، أسّسته علا الخالدي، المقيمة حالياً في أمريكا، سنة 2003. وفّر مكان منصّة مستقلّة للفنانين والعاملين في الثقافة، والناشطين. وهو يهتم بالموضوعات السياسيّة والاجتماعيّة، والثقافة البصريّة المعاصرة، وسياسات الغذاء والنوع الاجتماعي، والعمل في المساحات العامّة. تقول سماح حجاوي، وهي من أوائل من استعمل مساحة في مكان عام 2005: "في وقت لاحق من ذلك العام، دعتني علا لإدارة بعض المشاريع، فبدأت العمل في مكان. انضمت إلينا صديقتنا ديالا خصاونة عام 2007 لمشروع ورشة عمل شَطَنَا والتحق بها 25 فناناً في قرية شَطَنَا شمال الأردن. فبدأنا نعرّف عن أنفسنا بأننا المجموعة الإدارية لمكان. خبرتي فيه أعطتني فرصة للعمل والإنتاج الفني، التي لم تكن متوفرة جداً في عمان في تلك الفترة. عملت مع أشخاص مختلفين على مشاريع تعالج قضايا اجتماعية وسياسية حساسة، من دون رقابة على الإنتاج".

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - مكان 2

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - مكان 3

أغلق مكان أبوابه في 31 ديسمبر 2015. وتضيف سماح عن لحظة التحوّل هذه: "مكان سيستمر لكن مقرّه سيتم إغلاقه، أي سنستمر بالعمل على مشاريع مختلفة مع أفراد ومجموعات في مساحات صديقة".  وعن أسباب هذا القرار قالت: "المشهد السياسي تغيّر كثيراً وبشكل مبهم، لدرجة أنّ الحكومة تستطيع فرض رقابة علينا متى تشاء، لأن القوانين ببساطة غير واضحة. بالإضافة إلى أن آليات التمويل تغيّرت كثيراً خلال السنوات الماضية، فلم يعد هناك مصدر محدّد يغطي تكاليف المكان والعاملين فيه.

مسرح البلد

هو مساحة ثقافية فنية متعددة الأغراض، مقره في سينما قديمة بنيت في الأربعينبات في عمان، أعيدت تهيئته عام 2006 ليصبح مساحة فنية متعددة الاستعمالات تساهم في الحراك الثقافي والفني. يقول رائد عصفور، مدير مسرح البلد: "هناك صعوبات وتحديات كثيرة، لكن الأصعب هو القوانين المتواضعة التي تتعامل مع الثقافة والفنون، وتحد ّمن حريتها، وإيجاد التمويل الآمن للمساحة المستقلة". ويضيف: "قلة المبادرين الثقافيين العاملين في مجال الإدارة الفنية، وضعف الشراكات الفنية بين المساحات المستقلة من أصعب ما واجهني خلال سنوات إدارتي للمسرح". لكنه يشير إلى "زيادة المشاريع الثقافية والفنية الجديدة، التي تنقل الثقافة والفن إلى مراحل أبعد في الزمان والمكان، بالإضافة إلى بناء قاعدة جماهيرية متجدّدة وكبيرة من خلال حوار ثقافي مبني على التواصل والحوار الدائم، وهي من النجاحات الكثيرة للمساحة المستقلة. كما أن الشراكات الإبداعية مع الفنانين والمثقفين، هي وراء عدم التوقف والاستسلام رغم كل الصعوبات".

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - مسرح البلد 2

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - مسرح البلد 3

فضاء 317

هو مرسم خاص ومعرض رسوم كرتونية، وستديو تصوير ومقر ّعمليات غرافيتي وفن شوارع، كائن في جبل عمان. يقول مايك دردريان، أحد الفنانين المؤسسين: "قمت مع ابراهيم العواملة وجوزيف زكاريان بـتأسيس الفضاء كرد ّفعل فني يعكس هويتنا البصرية والمكتوبة والمسموعة والمرسومة. كان معنا في أول المشوار رسام الغرافيتي وسام شديد، لكنه انشغل بفنه، وإن كان لا نزال نعمل معاً". فضاء 317 هو مساحة عمرها لا يتجاوز السنتين، وعمل هذا الفضاء مع مجموعة فنانين محليين وعرب على  معارض فنية للرسم والنحت والغرافيتي، ومهرجان لفن الشارع. يضيف مايك: "طبعاً ما زلنا في أول الطريق وهذه سنتنا الثانية. نحن فخورون بتلك المعارض لأننا وجدنا أنفسنا نمثل نقطة تجمع لأشخاص لديهم تفكيرنا وتوجهاتنا الفنية نفسها"، ونقدم فناً مختلفاً". وعن إدارته لمساحة مستقلة، قال: "أفضل شيء في ما نفعله هو حريتنا المطلقة إذ لا يسائلنا أحد، نحن أسياد أعمالنا. لكن أسوأ ما في الأمر هو الجزء الإداري، كون فضاء مكاناً مستقلاً ندعم فيه أنفسنا وأنشطتنا ونساعد بعض الأفراد الذين يؤمنون بما نفعل".

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - Fada4

جدل للمعرفة والثقافة

هو مساحة تفاعلية مفتوحة. ولد بمبادرة من مجموعة من العاملين على تفعيل الجانب المعرفي، وتطوير الثقافة، وإعادة الاعتبار للغة العربية، من خلال تأسيس حاضنة ثقافية في عمق وسط البلد القديم. يهتم جدل بالإبداع والمبدعين في جميع الحقول (الأدب، الفن التشكيلي،التصوير الفوتوغرافي، الفيلم، الموسيقى، الرقص المعاصر وغيرها). وقد تم استئجار بيت عماني يرجع تاريخ بنائه إلى العام 1930 ليكون مقراً لجدل. يحتضن هذا البيت غاليري للفن التشكيلي، ومكتبة للمنتج الأدبي والمعرفي والموسيقي العربي والعالمي المعاصر، ودورات وورش عمل تخصصية في الفنون المختلفة والكتابة، وتعليم اللغة العربية ببعد ثقافي لغيرالناطقين بها، وتنظيم الأمسيات الأدبية وعروض الأفلام، فضلاً عن مبادرات تشجيع القراءة، والاهتمام بالبيئة. يقول العاملون في جدل: "إنه تحد على المستويين الشخصي والجمعي، إذ يفتح أفقاً لتجربة فريدة على المستوى الشخصي والمجموعة والمجتمع. لكن هذا النهج المعاكس لكل ما هو متعارف عليه يؤدي إلى صراعات داخلية وخارجية، بسبب اختلافه عما هو مألوف".

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - جدل للمعرفة والثقافة 2

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - جدل للمعرفة والثقافة 3

ستوديو 8

إنه مساحة مستقلة تدعم الفنون الأدائية مع تركيز على الرقص المعاصر وتنظيم ورشات رقص بشكل دوري، يديره بشكل أساسي الأخوان أنس وعبد الهادي نحلة. ويقول عبد الهادي: "لطالما كان  تبادل الحوار والتواصل عن طريق لغة الجسد شغفي منذ الصغر، لذا سعيت بكل ما أملك من موهبة لتأسيس ستوديو 8".  إلا أن ستوديو 8 عانى من مشاكل مالية العام الماضي، وقد لجأ المؤسسان إلى حملة تمويل مجتمعي استطاعت إنقاذهما، بعد فترة من الاختفاء عن الساحة الفنية والبدء من الصفر. وأضاف عبد الهادي: "شح الموارد المالية والتمويل هما أصعب ما واجهنا، وأسعى جاهداً لتخطي الصعاب والاستمرار في الحلم".

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - ستوديو 8

الفن المستقل في الأردن - أبرز المساحات الفنية المستقلة في الأردن - ستوديو 8

استعرضنا معكم بعض النماذج من المساحات الثقافية المستقلة في عمّان، تضاف إليها دور عرض الفنون التشكيلية المستقلة، التي تعتمد على أنماط مختلفة من قوالب الإدارة التجارية من أجل تأمين تكاليفها وضمان استمرارها.

وفي النهاية، لا بد من طرح بعض التساؤلات التي نرجو أن تشاركونا في الإجابة عنها: إلى متى تستمر طموحات الفنانين المحليين بالتكسّر أمام عتبات مساحات مهدورة؟ وكيف السبيل إلى التقليل من صراع المبدعين للاستمرار في هذا البلد، ليتمكنوا من تكريس طاقاتهم للتطوير والإعمار الفنيين؟ متى تعطي الحكومات المبدعين ثقتها بدلاً من تهميشهم؟ ومتى يصبح الفنان العربي قادراً على العيش الكريم من فنّه، في بلده؟

كلمات مفتاحية
الأردن ثقافة

التعليقات

المقال التالي