القضاء المصري يخدش حياء الإبداع

القضاء المصري يخدش حياء الإبداع

الروائي والكاتب الزميل أحمد ناجي في السجن. هكذا قرّر القضاء المصري. والتهمة هي أنه خدش الحياء العام. قرار مجحف ومؤسف خدش حياء كل المطالبين بحرية الأعمال الإبداعية.

هنالك مواطن مصري "مرهف الإحساس" يُدعى هاني صالح توفيق، قرأ الفصل الخامس من رواية أحمد ناجي بعنوان "استخدام الحياة"، في صحيفة أخبار الأدب التي نشرته في عددها رقم 1097، في أغسطس 2014.

اعلان


هذا المواطن "مرهف الإحساس" شعر باضطراب في قلبه وأصابه الإعياء الشديد بسبب قراءة الفصل المذكور. فقرّر تقديم بلاغ إلى النيابة العامة ضد ناجي وضد رئيس تحرير أخبار الأدب طارق الطاهر، بعد أن عزا سبب حالته الصحية إلى تضمّن النص المنشور عبارات جنسية.

أقوال جاهزة

شارك غردالصحافي أحمد ناجي في السجن... مرّة جديدة تقتل القوانين المصرية البالية جزءاً من روح مكتسبات 25 يناير

شارك غرد القضاء المصري يخدش حياء الإبداع... الصحافي أحمد ناجي في السجن بسبب فصل من روايته

ربما كان على النيابة العامة البحث في احتمال أن تكون تلك الأعراض التي شعر بها هذا المواطن ناتجة عن حالة تسمم بسيط بسبب تناوله وجبة من المطاعم والبسطات غير المراقبة صحياً والتي يدلّ انتشارها على عجز السلطة المصرية عن إدارة الفضاء المصري العام بشكل رشيد.

ولكن لا. النيابة العامة، وهي أيضاً مرهفة الإحساس، رأت أن ما كتبه ناجي فعلاً خادش للحياء العام فحوّلته على القضاء هو والطاهر معتبرةً أن الأخير أخلّ بمهمة الإشراف على صفحات الجريدة.

اللطيف في الأمر أن رواية "استخدام الحياة" التي تمزج بين النص المكتوب وبين رسومات للفنان المصري أيمن الزرقاني، لا تزال موجودة في مكتبات القاهرة، واضعة الحياء العام في خطر التعرّض لمزيد من الخدش.

لوهلة، ظنّ الجميع أن القضية انتهت. فقد حكمت محكمة جنح بوﻻق أبو العلا ببراءة المتهمين. ولكن محكمة الاستئناف قبلت الاستئناف المقدم من النيابة العامة وقرّرت اليوم الحكم بسنتي سجن على ناجي وتغريم الطاهر عشرة آلاف جنيه.

إنه "مقال" يخدش الحياء العام، أطلقت النيابة العامة حكمها ووافقها القضاء. لم يأبها للفرق بين المقال وبين فصل من رواية ولا هما أساساً فهما ذلك. كل ما رأوه أن ناجي يشكّل خطراً على المجتمع وأنه "أجّر عقله وقلمه لتوجه خبيث حمل انتهاكاً لحرمة الآداب العامة وحسن الأخلاق والإغراء بالعهر خروجاً على عاطفة الحياء"، برغم تأكيده أن أحداث الرواية خيالية.

عندما أصدر القضاء سابقاً حكمه ببراءة المتهمين، استندت المحكمة إلى رأي خبيرين في الأدب هما الروائيين محمد سلماوي وصنع الله إبراهيم. أكّد الروائيان أن العمل محل المحاكمة هو عمل روائي متكامل من خيال الكاتب وﻻ يمكن اجتزاء أي جزء منه على حده وتقييمه بشكل منفصل عن سياق الرواية.

وأوضح الروائيان للقاضي أنه يوجد الكثير من الأعمال الأدبية الهامة حوت ألفاظاً وإيحاءات جنسية كرواية ألف ليله وليله ورواية دعاء الكروان لطه حسين، كما أن العديد من كتب الفقه والتفسير حوت أيضاً ألفاظاً وعبارات جنسية.

وعبّرت المحكمة في حكم البراءة عن فهمها أن ما احتوته القصة من ألفاظ وعبارات جنسية هو أمر درج في العديد من المؤلفات والأعمال الأدبية والأشعار قديماً وحديثاً.

كما أن ذاك الحكم أوضح أن تطبيق المادتين 178 و200 مكرر من قانون العقوبات يتطلب توافر القصد الجرمي وقصد المتهمين حدش الحياء العام أو نشر الفجور وهو ما لا يتوفّر في الحالة المعروضة أمامها.

ولكن يبدو أن كل هذا عبث. "الرقيب" كشّر عن أنيابه من جديد. عادت محكمة الاستئناف إلى تبنّي فهم "أصولي" للنص المنشور وضربت بعرض الحائط دستور مصر الذي ينص في المادة 67 منه على أن "حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة... ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانيه المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري". مرّة جديدة تقتل القوانين المصرية البالية جزءاً من روح مكتسبات 25 يناير.

ماذا فعلت المحكمة إذن؟ يمكن فهم خلفيات الحكم الشنيع بالاستناد إلى مضمون قرار المحكمة السابق ببراءة المتهمين. قالت المحكمة فيه: "إن تقييم الألفاظ والعبارات الخادشة للحياء أمر يصعب وضع معيار ثابت له فما يراه الإنسان البسيط خدشاً للحياء يراه الإنسان المثقف أو المختص غير ذلك، وما يراه صاحب الفكر المتشدد خدشاً للحياء لا يراه صاحب الفكر المستنير كذلك".

إذن لعلّ حظ ناجي السيء هو ما وضعه في مواجهة "إنسان بسيط" و"صاحب فكر متشدّد".

أو لعلّ السلطة المصرية امتعضت من ذكر ناجي للاستثارة الجنسية لأنها سلطة مخصيّة عاجزة عن تحقيق أدنى طموحات المصريين، ولذلك تريد الانتقام من كل عمل إبداعي يشير ولو من بعيد إلى علّتها.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي