معرض القاهرة للكتاب: سيطرة أمنية وعرض عشوائي وشبح جمال الغيطاني

معرض القاهرة للكتاب: سيطرة أمنية وعرض عشوائي وشبح جمال الغيطاني

خصصت هذه الدورة من معرض القاهرة الدولي للكتاب للحفاوة بالكاتب المصري جمال الغيطاني (1945- 2015)، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من رحيله في أكتوبر الماضي.

حضور الروائي الكبير في الدورة السابعة والأربعين ربما يكون أبرز ما جاء في المعرض، الذي غاب عنه للمرة الثانية الحضور المميز لضيف الشرف. وهو نشاط نقله المعرض تماشياً مع أسلوب معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، الذي سبق أن حلت الثقافة العربية ضيف شرف في دورته من العام 2004.

البحرين هذا العام، ذكّرت بضيف الدورة السابقة، حين حضرت السعودية كمجاملة سياسية لدعمها مصر مالياً بعد 30 يونيو. لكن ضيف الشرف هذه المرة كان كاشفاً للظل الثقيل لتوجهات الدولة الرسمية على معرضها.

أقوال جاهزة

شارك غردتعرف إلى المؤامرة التي كشفها الشعب البحريني قبل الشعب المصري!

شارك غردحذر الغيطاني من خطر تزايد السيطرة الأمنية في روايته فتحققت نبوءته في دورة معرض الكتاب التي تحمل اسمه

في واحدة من ندوات ضيف الشرف قاربت الإعلامية البحرينية سوسن الشاعر بين 25 يناير و14 فبراير، بين الحراك في القاهرة والمنامة قبل خمس سنوات. ربطت الشاعر بينهما عن طريق تفسير أمني خاص بوجود قوى خفية، تنبه لها شعب البحرين مبكراً، بينما تأخر المصري في كشفها.

يتناسب حديث الشاعر مع هذه المرحلة في مصر، إذ تعمّد أنصار هذه الرؤية التشكيك في ثورة 2011 وعدّها مؤامرة خارجية. كما كشف المعرض عن حفاوة بالعلاقات المصرية الصينية.

يعدّ حضور الصين في المعرض مؤشراً لافتاً، خصوصاً مع السيطرة والتضييق على جميع الحقوق والحريات والممارسات، ونشاط المجتمع المدني في مصر، إلى جانب التراجع الاقتصادي الواضح، لتبدو الرسالة الخفية للحفاوة الثقافية بالصين مثيرة للسخرية، بين الإشارة لكون الصين صورة مبتغاة، بينما الواقع أكثر بؤساً من تحقق هذه الرسالة أو حتى فهمها!

قراءة جديدة

هذه الدورة فرصة لتأمّل تجربة الغيطاني، بعيداً عن ثقل حضوره كشخصية عامة، خصوصاً مع وجود نشاط آخر لإعادة قراءة نجيب محفوظ (1911- 2006) بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله. على أمل أن تتمّ إعادة اكتشاف إرث الرجل مثلما حدث مع محفوظ بعد رحيله.

الغيطاني كان يفكر في مستمع جديد لكل حكاية يحكيها، ما يقوله في جلسة أو يكتبه في مقال يشكل صورة ذهنية ستبقى. يتوجه بحديثه لأي وجه جديد ويحاصره بحضوره القوي. لكن مع الوقت سيكتشف هذا المستمع المفتون أن هذا الحضور لا يعبر عن المشروع الذي أسسه الغيطاني بوعي شديد منذ العام 1959 مع أول نص إبداعي، حتى دخوله في غيبوبة في أغسطس 2015.

ربما الأجواء التي تعيشها مصر وتنعكس على الأنشطة الثقافية، تذكر بعمل آخر للغيطاني، هو رواية "الزيني بركات". فحكمة هذا العمل المميز والممتع أنه كلما علا الهاجس الأمني، وتزايدت شراسة الدولة البوليسية كان ذلك نذيراً بهلاك. استلهم الراحل عبر هذه الرواية التاريخية هزيمة 1967. لكن هوسه بالتاريخ، لم يكن لأسباب رمزية فحسب، بل هو طريق ساره وحده، ليقدم للقارئ بناءً معتمداً على خلاصة خبرته بفنون النسيج الإسلامية، التي درسها مبكراً، مع فن السيرة، ورؤيته للتراث المملوكي وآداب التأريخ، كما صاغها ابن إياس والمقريزي، دون أن يغفل أثر قراءات التاريخ الفرعوني والأدب بشكل عام.

الأمن قبل كل شيء!

من ناحية أخرى يعرف القراء الأصيلون طرق الحصول على الكتب طوال العام، وقد برعت مكتبة تنمية في وسط البلد، التي أسسها الشاب خالد لطفي في تقديم متطلبات هذا الجمهور الصعب. عرف لطفي كيف يلبي طلبات هؤلاء المدمنين على القراءة. أما معرض الكتاب فيعتمد على عروض عشوائية لأصناف الكتب، قد تكون فرصة جيدة للتنقل داخل مكتبة بيع كبيرة، خصوصاً لمن لم يعتد زيارة مكتبات البيع بشكل دائم.

ستكون زيارة الهواة للمعرض مهمة. قد يكون هذا الحدث الفوضوي فرصة لتوسعة حصيلتهم المعرفية مرة كل عام، خلال رحلة التسوق إبان الإجازة بين الفصليَن الدراسيين. لكن هذه الرحلة لم تعد مغرية الآن خصوصاً أن هذا المعرض خاضع لهاجس أمني غامض تشكو منه غالبية الزوار.

لم تعد لدي رغبة في التجول في واجهة عرض عشوائية تقع أقصى شمال القاهرة، وسط زحام شوارعها. والمعرض ليس إلا انعكاساً لبؤس مدينته وأمنها المسيطر على جميع الأمور.

لم تعد الثقافة صالحة لتمارس في أوقات محددة بزفة رسمية فقط، خصوصاً أن النشاط الحرّ معطل تماماً. فقد صار العمل الفني والثقافي الحرّ مقيداً بحماية المباحث المصرية لحقوق شركات كبرى عابرة للقارات.

هل يواجه الأمن الثقافة؟ تساؤل يجب طرحه مع تزايد موجات التفتيش، بينما تبدو الاحتفالية الوحيدة المنظمة من جانب الهيئة العامة للكتاب، خاضعة لقيود الأمن وتطاردها مخاوف الإرهاب أو إمكانية حدوث تفجير، لكن هذا لم يعد إلا وضعاً للأمن في مواجهة الثقافة.

علماً أن موجة الأمن هي الأعلى الآن وليس مستغرباً إدا قيدت دخول غالبية الناس وأزعجتهم.

أحمد وائل

صحافي مصري.

كلمات مفتاحية
ثقافة مصر

التعليقات

المقال التالي