الموسيقى الإيرانية التي لم يغلبها القمع

الموسيقى الإيرانية التي لم يغلبها القمع

ليس جديداً على إيران أن يصبح التناقض أساس سياساتها، عاكساً مدى انفصال شبابها عن حكومته. فعلى الرغم من الالتزام الظاهري الذي تحاول الحكومه الإيرانية إثباته لدول العالم طوال الوقت، فلشبابها رأي مختلف خصوصاً في شأن تطلعهم الدائم للتغيير ومواكبة عصرهم والتأثير والتأثر بالثقافات المختلفة خصوصاً الغربية، إلى جانب محافظتهم على هويتهم العرقية والحضارية.

كانت الموسيقى الإيرانية خير مثال على هذا التناقض الذي تعيشه إيران في الوقت الحالي، فقد شهدت الموسيقى موجة كبيرة من صعود وهبوط خلال السنوات الأخيرة. منذ قيام الثورة الإسلامية 1979، كان يتم فرض العديد من القيود القانونية على الموسيقيين بشكل عام، وعلى المغنيات وعازفات الموسيقى بشكل خاص، وهذا ما ساهم في منع تطور الموسيقى الإيرانية. كان الأمر يصل إلى سجن ممارسيها، أو نفيهم إلى خارج البلاد لاعتبارهم مصدراً للفساد والتحريض ضد سياسات الدولة. لكن تلك القيود لم تمنعهم من ممارسة هوايتهم والعمل على تطورها، لتكون بداية مستقبلهم الفني في دول أوروبية مختلفة.

أقوال جاهزة

شارك غردقبل الثورة الإسلامية، كانت إيران تقيم أحد أهم الملتقيات العالمية لفنون الغناء والرقص

بحسب موقع "إيران واير"، ارتبطت الموسيقى الإيرانية بالعديد من الأنماط الغربية، مثل الجاز والراب والهيب هوب والروك وغيرها، وعلى الرغم من إقامة العديد من الفرق الغنائية خارج البلاد، فقد احتفظت أيضاً بطابعها الإيراني.

قبل الثورة

كان للشاه الإيراني رغبة شديدة في إضفاء الطابع الأوروبي على الموسيقى الإيرانية، فشجع مسؤولي حكومته على إقامة العديد من المهرجانات الموسيقية، أهمها مهرجان "شيراز بيرسابوليس – Shiraz Persepolis" عام 1967 ليصبح أكبر ملتقى عالمي لفنون الغناء والرقص.

انتشر عزف "البوب" في السبعينيات، لكنه تأثر بطابع الموسيقى الإيرانية القديمة، وكانت من أكبر المغنيات حينذاك "دلكش"، التي راحت تغني مرتدية فساتين ضيقة، وتحمل بيدها كأساً من الكحول، و"قمر الملوك وزيري" الملقبة بـ"كوكب الموسيقى الإيرانية"، التي كانت  تغني في العشرينيات من القرن الماضي في "غراند اوتيل" بطهران.

بعد الثورة

منذ قيام الثورة الإسلامية، استسلمت غالبية الفرق الغنائية الإيرانية خوفاً من بطش رجال الدين المتشددين، الذين نشروا الفتاوى التي تحرّم الموسيقى وتؤكد على ضرورة حظرها، وتم إلغاء الحفلات الموسيقية.

لكن تلك السياسات لم تستمر طويلاً، إذ قللت وزارة الثقافة والإرشاد من حدة وتيرة المنع والتشدد، التي فرضها رجال الدين على المغنّين "القانونيين" الملتزمين بالحصول على تراخيص لألبوماتهم، والغناء على خطى الأغاني التقليدية، لكن كان لـ"مطربي الراب والبوب" نصيب كبير من الأحكام المشددة التي تصل للسجن.

عندما تكون الموسيقى من"عمل الشيطان"

عارض رجال الدين المتشددين انتشار الأنماط الموسيقية المختلفة في إيران، لاعتبارها "غير شرعية"، متهمين البعض من المغنين بأنهم "عبدة شيطان"، والغالبية بـ"الإلحاد" و"الدعوة لنشر الإباحية".

في المقابل، أكد مسؤول قسم الموسيقى في وزارة الثقافة والإرشاد بيروز أرجمند، في سبتمبر 2015، على ضرورة اعتراف حكومته بالأنماط الموسيقية المختلفة لمواكبة العصر، مشدداً على ضرورة السماح بتدريس آداب الموسيقى الحديثة في الأكاديميات المتخصصة.

بين الحكومة واللجوء للخارج

أخيراً، اعتبر الشباب الموسيقى الحديثة وسيلتهم الوحيدة للتعبير عن اعتراضهم على قضايا بلادهم السياسية ومشكلاتهم الاجتماعية ولكن بأساليب مختلفة.

وعلى الرغم من تشجيع مسؤولي الحكومة في السنوات الأخيرة للشباب على التعبير عن آرائهم بكل السبل المتاحة بدلاً من إقامتهم في الخارج واحتضان العالم الغربي لهم، فقد أدت القيود القانونية على الموسيقى إلى إقامة غالبية الفرق الغنائية خارج أراضيها.

وهذه بعض الأعمال الموسيقية لمغنين وفرق إيرانية بأنماط موسيقية مختلفة:

فرقة "آريان"

أول فرقة بوب إيرانية تكونت بعد الثورة الإسلامية، كانت بداية ظهورها في 1998 وأقامت العديد من الحفلات في جميع أنحاء العالم وتبرعت بجزء من أرباحها لـ"برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة"، واستمر نشاط الفريق حتى العام الماضي.

عانت الفرقة من قرصنة ألبوماتها الموسيقية ونسخها بطرق غير قانونية، ما وضع الفرقة وغيرها من الفرق والمغنين أمام صعوبات مالية كبيرة، نظراً لعدم وجود حقوق للملكية الفكرية الإيرانية لتلك الأغاني.

شاهين نجفي

كان من أشهر مطربي البوب بعد الثورة، ولد عام 1980 في مدينة جيلان الإيرانية، درس علم الاجتماع وتلقى العديد من التدريبات الموسيقية. بدأ عمله بتكوين بعض الفرق الموسيقية، وتدريب أعضائها.

لكن لم يستمر الأمر طويلاً، فكانت السلطات تتعقبه حتى اقتحمت قوات الحرس الثوري إحدى حفلاته في سبتمبر2004 بطهران، ورفعت السلطة دعوى عليه. وتم اتهامه بالتحريض ضد سياسات المرشد وطالبت بإعدامه، وعام 2005 طلب اللجوء السياسي لألمانيا حيث يقيم حالياً في مدينة كولونيا.

كانت أغنية "ناغي" 2012 من أشهر أغنياته، التي تعتبر من أكثر الأغاني المحرضة ضد السياسات الإيرانية، فأطلق العديد من رجال الدين الإيرانيين الفتاوى التي تهدر دمه.

سه رنج

"سه رنج" فرقة غنائية إيرانية معنى اسمها " الألوان الثلاثة"، وهي تضم عازف الجيتار ماهان ميرا راب والدرامز شايان فتحي والصولو جولنار شاهيار.

تقيم الفرقة في أوروبا هرباً من قيود السلطات التي تعرقل مستقبلهم الغنائي. تستخدم الفرقة الفلكلور الموسيقي الإيراني في بنيتها الأساسية لأغانيها وموسيقاها ذات طابع الجاز. وقد تكون قصة كتاب أو لوحة جديدة لأحد الرسامين، في أساس كلماتهم الممزوجة بالشعر الإيراني الكلاسيكي، وتشتهر أغانيهم بالرقة والمرح.

سالومة

أول وأشهر مغنية راب وهيب هوب في إيران، ولدت عام 1985، وتعد من أفضل المغنيات الإيرانيات حتى الآن. تناولت أغنياتها القضايا الاجتماعية والسياسية، رغم اعترافها في أحد اللقاءات التلفزيونية أنها شخصية "غير سياسية".

وهي انطلقت عام 2013، وبدأت تتعلم أسس موسيقى الراب "تحت الأرض" في طهران، وقامت بتلحين وتنفيذ العديد من أعمالها خلال الدراسة، ويتم عرضها مباشرة على YouTube. وأكدت في أحد لقاءاتها الصحافية أنها تلقّت بعض العروض لنشر ألبوماتها، وتعيش في أي دولة، لكنها تمسكت ببلادها.

سپیده افشار

مغنية إيرانية الجنسية لكنها لم تعش في بلادها بقدر ما عاشت في أمريكا التي وجدت فيها حريتها للغناء. ولدت في أصفهان عام 1978، والدها إيراني وأمها روسية، وتقيم حالياً في كاليفورنيا.

سارة نجفي

أشار موقع غارديان في أحد تقاريره إلى أن القوانين الصارمة التي فرضتها السلطات الإيرانية ضد الموسيقيين هي التحدي الأكبر أمام سارة نجفي، وهي من أشهر المؤلفين الموسيقيين في إيران. تولّت إنتاج فيلم وثائقي "سرزمين بدون آواز- أرض بلا غناء" في يناير 2015، بالاستعانة بمغنيتين إيرانيتين هما بارفين نامازي وسايه سوديفي، والفرنسيتين "إيليز كارون وجان شيرال"، والمغنية التونسية المتمردة "أمل مثلوثي"، لتستعرض معاناة المغنيات الإيرانيات، والقيود القانونية التي تمنع النساء من تأدية عروض غنائية فردية، وإذا تم ذلك لا بد أن يعلو صوتها إلى حد معين، بحسب تصريح أحد رجال الدين لسارة نجفي أثناء تصويرها الفيلم.

كلمات مفتاحية
إيران فن موسيقى

التعليقات

المقال التالي