الرؤية الأسطورية الإسلامية لخلق الكون

الرؤية الأسطورية الإسلامية لخلق الكون

مخطىء من يعتقد أن التفسير الأسطوري لخلق الكون، مرتبط فقط بأصحاب العقائد والأديان غير السماوية أو غير الرسالية. لنكن أكثر دقة، فحتى أهل الديانات الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، كانت لهم رؤيتهم الأسطورية لقصة الخلق، والتي نقلتها لنا بعض كتب التراث الإسلامي العربي، وإن لم يذكرها القرآن في تلك الصورة، ولا الأحاديث المنقولة عن الرسول محمد. إليكم بعض تلك الأساطير الإسلامية عن قصة الخلق:

الثور والحوت وجبل قاف

خلق الكون - الثور والحوت

تقول الأسطورة إن الله لما أراد خلق الكون، خلق جوهرة خضراء أكبر حجماً من السماوات والأرض كلها، ثم نظر إليها ومن فرط هيبته تحولت إلى ماء. ولما نظر إلى الماء، انتقل إلى حالة الغليان وخرج منه بخار ودخان وزبد (رغوة موج البحر) ورعد، من فرط خشيته من الله.

أقوال جاهزة

شارك غردأبرز الأساطير الإسلامية عن قصة الخلق

شارك غردمخطىء من يعتقد أن التفسير الأسطوري لخلق الكون مرتبط فقط بالعقائد والأديان غير السماوية، إليكم النظرة الإسلامية

خلق الله من ذلك الزبد الأرض، ومن الدخان والبخار السماء، وكانت مكة أول الأراضي تكوّناً، ثم منها امتدت الأرض وأخذت شكلها البيضاوي الحالي، لذلك تلقب مكة بأم القرى.

كانت الأرض طبقة واحدة ففتقها الله لتصبح سبع طبقات. ثم أرسل ملاكاً من تحت عرشه وضع الأراضي السبع على كتفيه، وأمسك بيد شرقها وبالأخرى غربها حتى اعتدلت واتزنت.

ولكن كان الفراغ تحت قدمي الملك، فأرسل الله من الجنة ثوراً عملاقاً له سبعون ألف قرن، وأربعون ألف قائمة ليقف الملك فوق ظهره. وكي يساعد الملك على التوازن فوق ظهر الثور، أنزل الله ياقوتة خضراء عملاقة يبلغ سمكها مسيرة 500 سنة لتكون بين ظهر الثور وقدمي الملك. وصارت قرون الثور بارزة من سطح الأرض، وأنفه في البحر، فمع شهيقه وزفيره يحدث المد والجزر.

وليستطيع الثور بدوره الوقوف، وحمل كل هذه الأثقال، أنزل الله تحته صخرة أكثر سمكاً من الأراضي السبع، والسماوات السبع ليقف عليها، وجعل تحتها حوتاً عملاقاً يحملها هو "نون" المذكور في القرآن "نون والقلم وما يسطرون".

وأراد إبليس أن يتآمر لهدم هذا البنيان الإلهي، فتسلل للحوت نون ووسوس له أن ينتفض ليلقي كل هذا الحمل عن ظهره ويستريح، فلما فكر الحوت في ذلك أرسل الله له حشرة، دخلت من أنفه إلى رأسه وعذبته، فعاد عن نيته، فأمرها الله بالخروج من رأسه، وكلما فكر في ما وسوس له به إبليس عادت الحشرة له ليعود عن أفكاره.

وكانت الأرض لم تستقر بعد، فخلق الله الجبال لتستقر الأرض، وجعل كبيرها جبل "قاف"، وهو "قاف" المذكور في القرآن. وتقول الأسطورة إن الملك ذا القرنين، خلال رحلته المثيرة، وصل جبل قاف وسأله عن الجبال الصغيرة المتصلة به، فأجاب بأنها عروقه الممتدة في كل الأرض، فإذا أراد الله أن يصيب مكاناً بزلزال، أمر قاف أن يحرك العرق الممتد لهذا المكان.

ويكمل قاف حديثه لذي القرنين، فيقول إن وراءه جبالاً جليدية تمتد لمسيرة 500 عام لولاها لاحترق العالم من حر جهنم، وإن جبريل كبير الملائكة يقف بين يدي الله يرتعد من هيبته، فمن كل رعدة يخلق الله 100 ألف ملك يقفون صفوفاً بين يدي الله.

ونلاحظ في هذه الأسطورة، محاولة مبتدعها أن يفسر بعض الظواهر الطبيعية، كالزلازل والمد والجزر وحركة القارات، ومحاولته تفسير الحروف، التي تبدأ بها بعض سور القرآن وجعلها أسماء لمخلوقات أسطورية.

أسطورة شيعية منسوبة إلى الإمام علي: الخلق بالنور

خلق الكون - الخلق بالنور

تقول تلك الأسطورة المنسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب، إن الله عندما أراد أن يخلق الكون اقتبس بعض نوره الإلهي، فأخذ النور شكل الرسول محمد، فقال الله له "أنت المختار المنتخب، عندك مستودع نوري وكنوز هدايتي". ووعده أن ينصب آل البيت النبوي أئمة ويعطيهم العلم الكامل في كل شيء.

ثم خلق الله العالم، وخلق الزمان، والملائكة، ونصب عرشه الإلهي على الماء، وخلق آدم وأظهر للملائكة فضله عليهم، وخبأ الله النور الذي خلق منه محمد، بعد أن نبه آدم له، حتى يأتي زمن البعثة المحمدية ثم الأئمة من آل بيته، وجعل الإيمان مرتبطاً بالولاء لهم.

ولا يخفى ما في هذه الأسطورة من تكريس للولاء للمذهب الشيعي الإمامي، القائل بالولاء لأئمة آل بيت الرسول محمد. خصوصاً مع نسبها إلى الإمام علي وذكرها على لسان المؤرخ المسعودي صاحب التوجهات الشيعية.

 شجرة اليقين وطاووس العرش والخلق بالنور والعرق

خلق الكون - الطاووس

هذه الأسطورة هي الأكثر إثارة وتفصيلاً. فهي تقول إن الله حين أراد خلق الدنيا، خلق أولاً شجرة ذات أربعة أغصان سماها شجرة اليقين. ثم خلق نور النبي محمد، وخبأه في جوهرة على هيئة طاووس، ووضعه على تلك الشجرة لمدة 70 ألف سنة، ثم خلق مرآة الحياة، ووضعها أمام الطاووس، فلما رأى الطاووس نفسه وأعجب بجماله استحى من الله فعرق ونزلت منه ست قطرات من العرق. خلق الله من الأولى أبو بكر الصديق، والثانية عمر بن الخطاب، والثالثة عثمان بن عفان، والرابعة علي بن أبي طالب، ومن الخامسة خلق الورد ومن السادسة خلق شجر الأرز.

ثم سجد نور النبي محمد خمس مرات، فصارت الصلوات الخمس فرضاً على المسلمين. ونظر الله مرة ثانية إلى النور المحمدي فعرق حياء من الله، فمن عرق أنفه جاءت الملائكة، ومن عرق وجهه خلق العرش والقلم واللوح المحفوظ والكرسي والشمس والقمر والكواكب، ومن عرق صدره الأنبياء والشهداء والصالحين، ومن عرق ظهره الكعبة وبيت المقدس وأماكن المساجد، ومن عرق حاجبيه أمة محمد، ومن عرق أذنيه خلق كل غير المسلمين.

ثم خلق الله الأنبياء من نور محمد، وخلق أمة كل نبي من نور هذا النبي. وتبدو واضحة النزعة السنية في هذه الأسطورة، خصوصاً في ما يتعلق بخلق نور الخلفاء الأوائل.

تحديد مصير البشر بالنظر إلى جسد الرسول محمد

خلق الكون - الأرواح

استكمالاً لهذه الأسطورة، تأتي أسطورة مصير كل فئة من البشر بنظرها إلى جسد النبي محمد. فالأسطورة تكمل وتقول إن الله قبل أن يرسل الأرواح للدنيا، خلق النبي محمد وأمر كل الأرواح أن تنظر إليه.

فمن رأوا رأسه هم الملوك، ومن رأوا جبهته صاروا أمراء عادلين، ومن رأوا عينيه حفظوا كلام الله، ومن رأوا شفتيه صاروا وزراء، ومن رأى أنفه صار حكيماً أو طبيباً، ومن رأى عضديه صار فارساً ومقاتلاً، ومن رأى يده اليمنى صار كريماً، ومن رأى اليسرى صار بخيلاً، ومن رأى ظله صار مغنياً وعازفاً، ومن لم ينظر صار غير مسلم. وهكذا.

وثمة أسطورة مشابهة، تقول إن الله حين أراد خلق آدم، أخذ قبضة من كل موضع من الأرض، فارتبطت صفة هذا الموضع بالجزء الذي تحولت إليه قبضة التراب المأخوذة منه. رأس آدم أخذ ترابها من القدس، فصارت القدس مكاناً للحكمة والعقل، وجبهته من العراق، فصارت معروفة بالسجود والعبادة، وعورته من بابل، فصارت أرضاً للفتن والشهوات، وعظامه من الجبال، فصارت مرتبطة بالقوة والصلابة، وهكذا.

والملاحظ في هذه الرواية، محاولة أصحابها خلق تفسير غيبي بين بعض الصفات، طيبة أو قبيحة، والبلدان التي اشتهرت بها في الزمن المعاصر لنشأة الأسطورة.

تلك الروايات، وغيرها، مما نقلتها لنا كتب التراث الإسلامي، تثبت أن التفسيرات الأسطورية للكون، لم تتوقف بانتشار العقائد الرسالية، بل امتد منهج التفسير الأسطوري للكون، ليفسر بعض ما جاء في الكتب المقدسة لتلك الأديان، ويخلق علاقة سببية بينها وبين بعض المعتقدات القديمة. بل لينسبها لبعض الثقات من الأسماء البارزة دينياً، مثل علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس، وهو الأمر الذي يؤكد ضرورة كسر التقديس الأعمى لكل ما جاء في كتب التراث، وطرحها في ميزان العقل، وفي الوقت نفسه ضرورة قراءتها، لا على سبيل التسلية فحسب، إنما كوسائل لفهم كيفية تفكير واضعيها وناقليها ورؤيتهم للعالم من حولهم.

المصادر: موسوعة أساطير العرب (محمد عجينة)، مروج الذهب ومعادن الجوهر (المسعودي)، وتاريخ الأمم والملوك (الطبري).

نشر الموضوع على الموقع في 04.09.2015

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. مساهم في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.

كلمات مفتاحية
التاريخ الدين

التعليقات

المقال التالي