ثقافة التشاؤم والتطيّر عند العرب

ثقافة التشاؤم والتطيّر عند العرب

تخبرنا كتب التراث الشعري عند العرب عن حالة تاريخية نافرة في التطير وهي حالة الشاعر ابن الرومي، الذي اقترب من الانغلاق. فكانت حياته مضطربة، وخضع للوهم والخوف بسبب ما أصابه من نكبات وويلات وحوادث مأسوية في حياته. فأصبح يتوقع السوء دوماً، ويعتقد أن الحياة وجود خاطئ. كان يتشاءم من الأسماء والأشخاص وغيرهما، ويشعر بأنه "منحوس" قليل الحظ.

وفي إحدى قصائده يقول: "قرَبت رجلاً رغبةً في رغيبةٍ وأخرَت رجلاً رهبةً للمعاطب”. وينذر بيت الشعر بالتردد والخوف من الإقدام على عمل ما. فهو كان حالماً يخرج من منزله ويرى امرأة "غير محجبة" يعود أدراجه. وأمضى كل حياته متطيّراً متشائماً.

وبحسب نبيل خوري، الاختصاصي في علم النفس العيادي، "التطير موروث شعبي بدأ قبل الأديان السماوية الثلاث. حين مضى البشر يتفاعلون مع الطبيعة، فكان هناك إله للحب وإله للمطر وإله للبرق، وإله للشمس والقمر، وإله للعشق وغيرها بحسب حاجات الإنسان آنذاك". وأضاف: "أصبح هناك نوع من الترابط بين هذه الموروثات وبين الديانات السماوية، وعملت الأديان على نفي العديد من هذه الموروثات وتحريمها وعلى تشريع بعضها".

ومع تكرار هذا النوع من الثقافة الشعبية، أصبح هناك اقتران بين موقف تشاؤمي ما وخطر معين، وتوصف هذه الحالة بـ"العزو"، أي أننا نعزو وقوع أشياء مسبباتها واقعية إلى مبررات مفترضة. يقوم التطير على تغليب التشاؤم وربطه بحالات أو بأشخاص بصورة افتراضية، كأن نقول إن صباح اليوم لم يكن جيداً بسبب مصادفتي لشخص أو حيوان أو حصول حدث أو حادث"، بحسب خوري. ويشار إلى أن العرب كانوا يتشاءمون من الطير، لذلك أخذ التشاؤم اسم التطيّر.

أقوال جاهزة

شارك غردإذا شعرت بحكة في أنفك فستحزن، وإذا شعرت بحكة في يدك اليمنى، ستدفع مبلغاً من المال… ما يعرف بثقافة التطير عند العرب

فأل الشر

يرى خوري أن الإنسان بحاجة إلى الإيمان، لأنه يعطيه شعوراً بالطمأنينة والراحة النفسية، ويفرز هرمونات السعادة الإندورفيون والسيروتونين، وهذه الموروثات تؤدي هذا الدور للإنسان، لأنها تعزو كل سبب إلى مسبب، وبالتالي تعطيه تبريراً لكل ما حصل ويمكن أن يحصل من حوادث في حياته.

ويعتقد خوري أن الإنسان كان يصلي لإله الخصب إذا كانت زوجته عاقراً مثلاً، ومع الوقت أصبح التقصير في الصلاة يعطي الإنسان شعوراً بأن أمراً سلبياً سيحدث بفعل غضب الآلهة. واختلط مفهوم التشاؤم مع التفاؤل، وغلب الطابع التشاؤمي للتطير لأن "الرياح لا تجري كما تشتهي السفن" في غالبية الأحيان.

فإذا شعرت بحكة في أنفك فستحزن، ولتجنب ذلك عليك أن تحك أنفك بواسطة حذائك. وإذا شعرت بحكة في يدك اليمنى، ستدفع مبلغاً من المال. ويعتقد البعض أن الرجوع إلى المنزل حال الخروج منه بسبب نسيان شيء ما فأل سيئ. وأنه يجب الدخول إلى الحمام بالقدم اليمنى لإبعاد الشياطين. وأن الاستحمام ليلاً خصوصاً بالمياه الساخنة غير محبب، خوفاً من أن يتعرض الجن للإنس بالأذية، كذلك الصراخ في الحمام غير محبب لأنه يحرك العفاريت.

ويظن البعض أن صور الأشخاص "البورتريه" المعلقة على الجدران داخل المنازل تبعد الرزق عن أهل الدار. وعند الزواج أو شراء منزل أو سيارة جديدة  تلصق عجينة على خلفية السيارة، أو عند مدخل المنزل منعاً للحسد. والبعض ينثر الملح أمام عتبة المنزل لتجنب المصائب. أما إذا وضعت الزوجة المكنسة بشكل مقلوب فإن زوجها سوف يهرب من المنزل. وعندما ترف عيني اليسرى فهذا يعني بأنني سوف أسمع خبر وفاة أحدهم.

الفأل الحسن

تكاد لا تجد منزلاً من العائلات التقليدية في أميركا وكندا ليس فيه حدوة حصان معلقة على باب المنزل، باعتبارها وسيلة لجلب الخير ودفع الشر. وفي بعض المجتمعات الأوروبية مثل سكوتلندا، يضعون شعر ذنب الحصان لطرد الأرواح الشريرة. التطيَر بشقيه موجود بنسب مختلفة في مجتمعات العالم، وعبر الأزمنة المختلفة.

وعند العرب إذا شعرت بحكة في يدك اليسرى يعني أنك ستتلقى مبلغاً من المال. وحين ترف العين اليمنى، فهذه دلالة على أنك سوف تقابل شخصاً غائباً منذ مدة. وطنين الأذن اليمنى يدل على الخير، وتجري العادة عند الكثيرين بتوزيع الخبز والملح والسكر على الجيران، كنوع من النذور لجلب الخير.

الحيوانات

يقبل المجتمع الظواهر والموروثات الشعبية رغم هشاشتها المنطقية، وافتقارها للثبوت والحدوث بشكل قاطع. فثمة من يعتبر مشاهدة البومة نذير شؤم، ما دفع بالكاتبة السورية غادة السمان لاتخاذ البوم شعاراً لدار نشرها، لتثبت أن الأقاويل المنتشرة بين الناس ليست حقائق علمية.

كانت غالبية الشعوب تتطيّر من الغراب، فإذا رأوا غراباً وهم على أهبة السفر عدلوا عنه، واعتبروه دلالة على أن خطراً سيصيبهم. وينظر إلى القطة السوداء على أنها عدوة لا خير منها، والتحديق في عيني القط الأسود نذير شؤم ويجلب الحظ العاثر. وسماع نهيق الحمار ليلاً أو مواء القطط ونقيق الضفادع، وصراخ الديوك ونباح الكلاب السوداء، أصوات تجلب المشاكل والشر وسوء الحظ. ويعتقد بأن الأرانب والحمام مصدر للتشاؤم، يجب الابتعاد عنهما لأنهما يجلبان الأذى والأمراض. وأن الجرذان إذا قرضت ثياب أحدٍ دلّت على نقص ماله وولده.

أما السلحفاة فمن الحيوانات التي تجلب السعادة، ومجيء السنونو لإقامة عشه مصدر تفاؤل، لأنه يبشر بقدوم فصل الربيع. ورؤية الأفعى السوداء فأل خير، بسبب حكاية شعبية ودينية قديمة متداولة، مفادها أنه عندما حدث الطوفان وضع النبي "نوح" في سفينته زوجاً من كل كائن حي لإنقاذ الكون من الفناء، وبينما هو في عرض البحر ثُقبت السفينة ودخلت إليها المياه وكادت تغرق لولا قيام الأفعى السوداء بوضع ذيلها في مكان الثقب، فمنعت تسرب المياه إلى السفينة، وأنقذت جميع المخلوقات من الهلاك. وتسمى الحرباء بعجوز "البخت" أي الحظ، إذ تقوم الفتيات بوضع شالهن على هذا الحيوان وبحسب اللون الذي يتلون به يعرفن حظهن، ولون التفاؤل هو الأبيض.

النساء الحوامل

منذ القدم لم يكن لدى القبائل أعذار ومبررات للتشوهات الخلقية التي كانت تصيب المواليد الجدد، ولم يكن الطب متوفراً أو قادراً على تفسير هذه التشوهات بشكل علمي. فالمرأة التي تلد في سن متأخرة بعد الأربعين، معرضة لأن تنجب طفلاً يعاني من خلل في الكروموزوم، إلا أن القبيلة كانت تعزو سبب ذلك إلى إصابتها بالعين الحاسدة. حين يقصّر العلم في اكتشاف الأسباب، تملأ الماورائيات والغيبيات هذا الحيز، لأن الإنسان بحاجة دائمة إلى تفسير المجهول وإعطائه صبغة واقعية ومنطقية ليقتنع به وهذا ما يسمى بالسببية، فلكل سبب مسبب.

ومن بعض الأحاديث الجميلة المتداولة بين النسوة، أنه إذا ازداد جمال المرأة الحامل يعني أنها ستلد بنتاً، أما إذا ازدادت بشاعتها فستلد صبياً. وإذا سيطر النعاس على المرأة الحامل فالمولود سيكون بنتاً، وإذا توحمت على أكل الحلويات، فهي تنتظر بنتاً، وإذا توحمت على الحوامض تنتظر صبياً. وإن وقعت المرأة الحامل على ركبتيها فستلد بنتاً، وإن وقعت على مؤخرتها فستلد صبياً. وإذا كانت بطنها مكورة إلى الأمام  فستلد صبياً، أما إذا سمنت عند أوراكها فستلد بنتاً، وإن كبر حجم ثدييها فهي تنتظر بنتاً.

وهناك العديد من المعتقدات المتعلقة بالنحس. فالخزائن المفتوحة أو المقص المفتوح يجلبان النحس، وطنين الأذن اليسرى يعني أن شخصاً ما يتحدث عنك بالسوء. ويرتبط التطير بالأيام والأشهر أيضاً، فالسفر في أيام محددة يجلب النحس والشؤم، والرقم 7 يجلب الحظ والربح، أما الرقم 13 فمرادف للنحس. كما لا يجب وضع الساق على الساق أثناء الأذان، لأن ذلك من شأنه أن يغضب الله. ولا يجوز قلب الحذاء لأنه انتقاص من جلالة الله. أيضاً التطير من الأحلام موجود عند الشعوب العربية بكثرة، فالبحر والذهب في الحلم معناهما ترقب حالة من الضيق والحزن مثلاً.

إشكالية التطير في الزمن الراهن

طالما بقي العلم قاصراً عن تفسير بعض الأمور، فالإنسان سيبقى في حاجة إلى إيجاد تفسيرات بديلة يستعيض بها عن جهله، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقة بين الجسد والروح والعوامل الطبيعية التي تؤثر على حياته. ويرى خوري أن "العالم العربي يمر حالياً بحالة من التدين أكثر من ذي قبل، ومن الطبيعي أن يرتفع الإيمان بهذه الموروثات، ويأخذ حيزاً أكبر”. ويقول: "تصبح الموروثات الشعبية ذات تأثير سلبي على المجتمع حين تصبح عائقاً أمام العمل والإنتاج”. ففي بعض دول أميركا اللاتينية إن لم يثر البركان سنوياً يتشاءم السكان المسيحيون ويذهبون للصلاة بكثرة في الكنائس، وفي المقابل نجد صلاة الاستقساء عند المسلمين في حال تأخر المطر.

وتعتقد بعض الجماعات أن نهاية العالم ستحصل مع بدايات الألفية الثالثة، وبعض المعتقدات المسيحية اليهودية تتوقع أن الكرة الأرضية ستنفجر حين تلتقي 3 كواكب أو عند مرور نيزك فوق الكرة الأرضية، أو خسوف الشمس وكسوف القمر. هذه الموروثات موجودة أيضاً عند قبائل الإنكار والإزتيك والمايا، قبل  آلاف السنين.

تكثر هذه الأفكار في المجتمعات الفقيرة وعند المتقدمين في السن، وسكان الأرياف. فسكان المدينة يتأثرون بسياق مدني سريع لا تفسح له مجالاً لمضيعة الوقت.

فالدول الاسكندينافية منعت إعطاء التراخيص للعرافات والمبصرين، ويعتبرون أنها مكاتب للتدجيل ويعاقب عليها القانون. لأنها تبعد الإنسان عن الواقع وتربطه بنظريات ماورائية لا أساس لها من الصحة. ويقول خوري إن "التطور العلمي ألغى هذه المعتقدات بنسب عالية، لكن هذا لا يعني أن الإنسان أصبح قادراً على التخلي عن إيمانه واعتقاده بها".

فراس حمية

مسرحي وكاتب صحفي مقيم في لبنان. حائز على إجازة في التمثيل من معهد الفنون الجميلة ودبلوم في الإعلام والأديان من جامعة القديس يوسف في بيروت.

التعليقات

المقال التالي