ادعاء الانتساب إلى "آل بيت النبي محمد" والحق الإلهي في الحكم

ادعاء الانتساب إلى "آل بيت النبي محمد" والحق الإلهي في الحكم

عبر التاريخ الإسلامي، لم يكن الانتساب لـ"آل بيت النبي محمد" مجرد تجميل للواجهة الاجتماعية، بل كثيراً ما كان ذريعة لطلب الحكم أو تثبيت الأقدام في مواقع السلطة. أولًا كمحاولة لاستقطاب التيار الواسع من القائلين بأحقية آل البيت في الحكم، وثانيًا لاستغلال ما يعتقده البعض، بغض النظر عن مذاهبهم الدينية، بعصمة أئمة آل البيت عن الوقوع في أخطاء الحكم من ظلم وفساد وغيرهما. وهذه بعض النماذج التاريخية لهذا النوع من ادعاء النسب.

علي بن محمد وثورة الزِنج

كان العباسيون خلال التمهيد لإسقاط الحكم الأموي وإقامة دولتهم، يرفعون شعار "الرضا من آل محمد"، ويعتمدون على استقطابهم القطاع الأكبر من الفرع الأكثر شعبية من آل بيت النبي، وهم أبناء الحسن والحسين، ابنا علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، باعتبار أنهم "نسل النبي محمد". وحين أقاموا نظامهم أقصوا هذا الفرع وقمعوه، لهذا قاد هذا الفرع حركات تمرد من حين إلى آخر، انضم إليها الموالون له والمتضررون من سياسات العباسيين.

هذا ما شجع رجلاً فارسي الأصل، كان يكسب من إلقاء شعر المديح في بلاط الخلافة، على أن يدعي لنفسه الانتساب لفرع الحسين بن علي بن أبي طالب، وأن يتخذ البحرين منطلقاً لدعوته إلى الثورة على العباسيين. بعد إخفاقه في ذلك، توجه إلى البصرة ونشر دعوته تدريجياً مستهدفاً فئة "العبيد السود"، ومدعياً أنه مبعوث إلهي لتحريرهم ورفعهم إلى مصاف السادة. وأنه "المهدي" الذي يُبعَث من آل محمد لسحق الظلم ونشر العدل. كان يركز في خطبه البليغة على ما يلقى هؤلاء العبيد من ظلم اجتماعي من سادتهم، ويداعب فيهم روح التمرد والانتقام، أي أنه لعب على وتري الإحساس بالظلم الطبقي، والموالاة لآل البيت.

أقوال جاهزة

شارك غردعبر التاريخ الإسلامي، لم يكن الانتساب لـ"آل بيت النبي محمد" مجرد وجاهة اجتماعية، بل ذريعة لطلب الحكم

وبالفعل اندلعت ثورة الزنج سنة 869، وانضووا تحت لوائه، وكان الرجل يتسم بالدهاء العسكري والقدرة على نصب الكمائن للقوات العباسية الجرارة، ما أفقد ميزة التفوق العددي، وانهماك الدولة العباسية في صراعات داخلية دامية، ما تسبب في تشتيت جهودها، لتكون النتيجة قيام علي بن محمد وأتباعه باجتياح مساحة كبيرة من أرض العراق بين الأهواز وواسط، وإقامة دولتهم عليها، وتهديدهم عاصمة الخلافة بغداد من 869م إلى 879.

ولكن الخلافة استطاعت أن تتمالك نفسها من الضربات المتكررة، وأرسل الخليفة المعتمد أخاه قائداً على جيش كبير استطاع أن يطرد أتباع علي بن محمد من الأهواز، وقُتِلَ الأخير في آخر معارك الدولة ضد حركته.

وفي حين يجمع المؤرخون على أن انتساب علي بن محمد لآل البيت هو محض كذب منه، خصوصاً مع الممارسات الدموية التي قام بها هو وجيشه ضد المدن التي اجتاحها، يصر الباحث الإسلامي د.محمد عمارة على صحة نسب هذا الرجل وعلى أن حركته كانت ثورة شعبية ظلمها المؤرخون.

شقيا، المتمرد على صقر قريش

سنة 769، اندلعت في مدينة شنتبرية Santaver الأندلسية ثورة عاتية بقيادة رجل من البربر اسمه شقيا أوسفين بن عبد الواحد المكناسي.

ادّعى شقيا أنه من نسل الحسين بن علي بن أبي طالب، واعتنق المذهب الشيعي، وأخذ يجمع البربر حوله مستغلاً عواطفهم الدينية وحبهم لآل البيت. وخلال 8 سنوات، حاول الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل، المعروف بصقر قريش، أن يخمد تلك الثورة. لكن شقيا كان يتميز بالحذر والمراوغة واللجوء لأسلوب حرب العصابات، كشن ضربات سريعة خاطفة ثم الانسحاب برجاله للمناطق الوعرة. فضلًا عن أن دعوته انتشرت بين أوساط البربر، فازداد عدد أتباعه لأسباب عرقية ودينية. وقيل إنه كان يتلقى دعماً لثورته من الدعاة الفاطميين في شمال أفريقيا.

تعامل صقر قريش مع الانحياز البربري لشقيا بطريقة ذكية، فعيّن الوالي البربري هلال بن عامر المديوني، زعيم بربر شرق الأندلس، قائداً للحملة الموجهة ضد شقيا، ما جعل كثيراً من رجال الأخير، ممن انضموا إليه انحيازاً للعرق ينفضوا عنه وينضموا لهلال.

كما اتخذ الأمير الأموي إجراءات قمعية قاسية بحق كل من والى أو حتى أبدى ميلاً لشقيا، ودهم مناطقهم وأكثر القتل فيهم حتى اضطر كثير منهم لسحب ولائه من المتمرد. وأخيراً انتهت تلك الثورة باغتيال شقيا من قِبَل اثنين من رجاله المقربين، بطريقة تشير إلى أن هذه العملية يقف وراءها عبد الرحمن الداخل، الذي اعتاد سياسة الاغتيال ضد المناوئين له.

الأدارسة، الأئمة المنقذون

يعود أصلهم إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. كان العباسيون دبروا مذبحة لبعض آل علي بن أبي طالب المنافسين لهم على الحكم في منطقة "فَخ" بمكة. فاستطاع إدريس أن ينجو منها وأن يهرب إلى شمال أفريقيا مع خادمه راشد. حينذاك كانت القبائل البربرية المتمسكة بالإسلام السُني في حالة توتر، بسبب ممارسة قبيلة "برغواطة" عقيدة تصنف سنيًا أنها "زندقة"، فاستغل راشد ذلك وأخذ يطوف بين القبائل الساعية للاتحاد، ويدعو لإمام علوي من آل البيت يحمل راية الإسلام. فاتحدت القبائل حوله، ومهّد الأمر لإدريس، الذي جاء وأعلنت القبائل البربرية الكبرى الولاء له وأقام عام 788 دولته التي امتدت من القيروان في تونس حتى سواحل المحيط الأطلنطي.

استاء الخليفة في بغداد هارون الرشيد من قيام دولة علوية تنتزع منه المغرب العربي، فدسّ له طبيباً اغتاله بالسم. لكن دولة الأدارسة استمرت في نسله كواحدة من أقوى وأرقى دول شمال أفريقيا، حتى سقوطها عام 985 على يد أمويي الأندلس.

ويشكك البعض في صحة انتساب إدريس لآل البيت النبوي، ويقولون إنه انتحل ذلك ليلعب على أوتار العواطف الدينية للبربر، إلا أن ابن خلدون رد على تلك الادعاءات بسرد التسلسل الزمني المنطقي للأحداث، الذي يؤكد صحة ادعاء إدريس وخادمه راشد، ويحمّل دولة الأغالبة المنافسة لهم في السيطرة على شمال أفريقيا مسؤولية إطلاق هذا التشكيك.

الفاطميون، النسب الأكثر جدلاً

على مر التاريخ تعتبر الدولة الفاطمية هي الأقوى ممن أقاموا حكمهم على إعلان الانتساب لآل البيت. فقامت في شمال أفريقيا ثم انتقلت إلى مصر، وبسطت نفوذها على الشام، بين عامي 910 و1171، وهي الأكثر إثارة للجدل حول صحة انتساب خلفائها.

الرواية التي تقول بزيف نسب الفاطميين، تشير إلى أن رجلاً فارسي الأصل، وفي قول آخر يهودي، اسمه ميمون القداح أسلم ظاهرياً ليتآمر من الداخل على الدين والدولة، وتقرب من إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي كانت له طموحات سياسية. واستغل ميمون القداح دراسته الفلسفة "الأفلاطونية والأسطاليسية"، بحسب الرواة، لصياغة مذهب شيعي يقوم على فكرة الإمامة ويحيطها بالغيبيات.

وبقي القداح وأبناؤه وأحفاده يلازمون ويخدمون دعوة إسماعيل بن جعفر وأبنائه وأحفاده، ثم أزاح أحدهم، أبناء إسماعيل بن جعفر(أئمة الشيعة الإسماعيلية) من الصورة، باعتبار أنه "إمام مستور"، وادّعى لنفسه نسباً علوياً تسمى بـ"عبيد الله"، لينتقل إلى المغرب العربي، ويصبح أول خلفاء الفاطميين هناك قبل نقل مركز الدولة إلى مصر.

أما الرواية المؤيدة لصحة نسب الفاطميين، فتقول إن ثمة خلطاً وقع. فالإمام جعفر الصادق جعل إمامة آل البيت من بعده في ابنه عبد الله وليس ابنه إسماعيل، فلما أرادوا الجهر بدعوتهم الأحقية في الحكم، اتخذوا أسماءً حركية. فكان لقب عبد الله "الميمون"، فوقع ذلك الاختلاط بين شخصية عبد الله بن جعفر الصادق وميمون القداح.

ترجع إثارة مسألة نسب الفاطميين إلى العباسيين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة منافس شرس، انتزع منهم مصر والمغرب وحاربهم في الشام، فأطلقوا الفقهاء والقضاة ليطعنوا في النسب الفاطمي. واختلف المؤرخون في أمر هذا النسب، ولم يقر بصحته إلا المقريزي وابن خلدون، وما زاد الأمر تعقيداً أن الصراع السُني الشيعي، كان عاملاً مؤثراً في المسألة، ويُلاحَظ للآن أن غالبية الكتاب "الإسلاميين" للتاريخ يميلون لنفي النسب الشريف عن الفاطميين بسبب الخلاف المذهبي. كما أثرت مناظرات الفاطميين ودعاتهم حول النسب وتضارب أقوال بعضهم في حسم القضية، ولعل هذا ما دفع المعزلدين الله الفاطمي أن يجيب القاضي الذي سأله عن نسبه، بأن سَل نصف سيفه وقال "هذا نسبي"، وألقى بالذهب عليه، وأكمل "وهذا حسبي".

في العصر الحديث

بسبب إهمال تتبع الأنساب، وفوضى الانتساب بين هذا وذاك، أصبح "النسب الشريف" بمثابة "الواجهة الاجتماعية"، بعد أن تراجع تأثيره في السياسة. فبات كثير من الشخصيات العامة يحرص على التلطي وراء نسبٍ ما شريف. أما استخدامه على المستوى السياسي، فلم يعدُ محاولات من بعض متملقي السلطة كإعلان نقابة الأشراف في مايو 1952 أن الملك فاروق ينتسب للحسين بن علي، أو كتصريح البعض بأن صدام حسين ينتمي لعشيرة منحدرة من آل البيت، أو تصريحات بعض الشيوخ المصريين في عهد مبارك أن هذا الأخير من نسل النبي محمد بل مطالبتهم توليه "الخلافة".

أما التأثير السياسي في ما يتعلق بتولي السلطة، فانتهى بحكم تغير آليات تداول السلطة في العصر الحديث.

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. مساهم في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.

التعليقات

المقال التالي