"أهل النخيل"، رواية الحنين إلى مدينة البصرة قبل أن تدمرها الحرب

"أهل النخيل"، رواية الحنين إلى مدينة البصرة  قبل أن تدمرها الحرب

يفتتح جنان جاسم حلاوي روايته "أهل النخيل" بفصل يسمّيه "في أعقاب ما جرى"، ويختمها بفصل يحمل الاسم نفسه. يصف فيهما الخراب والدمار اللذين حلّا بمدينة البصرة بعد الاحتلال الأميركي، وفي ما بين الفصلين يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، معيداً على مدى 34 فصلاً بناء ما دمّرته الحرب، باثاً الحياة في أهل النخيل، ومسترجعاً صدى حكاياتهم.

لا تقدّم الرواية حكاية واحدة مركزية، وليس هذا شاغلها أصلاً. ما يهمّها هو أن تعاود رسم خرائط مدينة البصرة بكل ما فيها من حيواتٍ ضاجّة. هكذا يبدأ الكاتب فصوله بوصف الأمكنة لينتقل بعد ذلك إلى قصّ حكاية شخصية ما، فنصبح أمام عدد كبير من الحكايات المتوازية، التي يتقاطع قسم منها مع أحداث أخرى، ويبقى قسمٌ آخر منفرداً بوحدته. لكن مجموع هذه الحكايات، يشكّل صورة مصغرة عن مدينة يعشقها الكاتب، ويحاول شفاء حنينه إليها بكتابتها، وإعادة الحياة إليها بعد أن صارت خراباً. "واستمرت الحرائق أياماً طويلة، صارت فيها بساتين النخيل أعواداً سوداً نتأت على وجه الأرض المسودّ والمترمد، وغطت طبقة من الرماد كثيفة وجه الماء في الأنهار. الحارات، الشوارع، الباحات، البيوت، الساحات، جميعها مقفرة، مهجورة، ومدمرة. في الطرق والأزقة الكالحة الموحشة، في البيوت المنكوبة، بين الردم والهشيم والحطام، والجدران المنهارة (...) بين كل ذلك الكثير الكثير من الجثث. وكان الجنود الغزاة المدججون بالأسلحة يتهاتفون بهواتف لاسلكية".

في الرواية سنقرأ حكايات شخصيات عديدة تنشأ بينها علاقات حب أو كره أو حقد، وتكون هذه العلاقات محركأً لأعمال الثأر والانتقام والقتل. يتطرق الكاتب من خلالها إلى بضع قضايا، فتراه يسرد معتقدات الطائفة الشيعية، وطقوسها، خصوصاً أن غالبية أهل البصرة ينتمون إلى هذه الطائفة، ويحكي في صفحات أخرى عن الحزب الشيوعي وانضمام بعض الشباب إليه، ومغامراتهم في إخفاء منشورات الحزب، وتعرضهم للاعتقالات والمضايقات، وحلمهم في إقامة الثورة العمالية المسلحة التي ستطيح سلطة الطبقة البرجوازية. ويروي في مرة ثالثة عن تمرد البارازانيين وحروبهم الضارية ضد الدولة العراقية في الجبال الكردية في شمال العراق.

يصوّر الكاتب الوضع الاجتماعي السائد في مدينة البصرة في تلك الفترة، وكيف أن أهل المدينة كانوا خاضعين لظروف قاسية، فهم يعيشون في فقر وخوف وقمع، وقد انعكس هذا على تفاصيل حياتهم البسيطة، وعلى تعامل بعضهم مع بعض، وعلى اختيارهم لمسارات أخرى في معاشهم، لتنتهي حكاياتهم بمصائر حزينة، كحكاية "الملّا" الذي يستغل سطوته الدينية. فيدبّر المكائد للإيقاع بجوني البحار لأنه يرغب في زوجته ويشتهيها، وبسبب وشايته بالشيوعيين ينتهي مقتولاً، فيتهم جوني بقتله، ويُزجّ به في السجن ولا يخرج منه إلا بعد أن يتفق مع رجال الأمن على أن يكون مخبراً لهم، وهذا ما قاد إلى مقتله هو الآخر. وحكاية فاتن التي يجبرها الفقر على العمل في مبغى، لكن عنف أحد زبائنها يقودها إلى قتله، فيحكم عليها بالإعدام، ويتولى علاوي، الذي كان يعشقها مهمة الثأر لها قبل أن ينتحر. وحكاية سميرة المسيحية الكلدانية، التي تتزوج من يوسف المسلم وتهرب معه إلى بيروت، ليعيشا فصولاً من الحرب الأهلية في مخيّم عين الحلوة.

غير أن هذه المصائر المأسوية التي تعصف بالجميع، تخبئ في ثناياها مشاهد لاهبة من الحب والجنس، وتخبئ أيضاً حكايات لطيفة وغريبة كحكاية الخاتون الكردية شيرين وأمها دلسوز، وقصة الحب العاصف بين خادمتها سلوى وبدر عامل السينما. وحكاية أم يوسف، التي ترسم رسمات عن المدينة وأهلها وتبيعها مقابل مبالغ ضئيلة لتعيش.

ينتقل الكاتب بين هذه القصص كلها بطريقة يصعب معها الإمساك بالخيط السردي، يبدأ فصلاً عند شخصية ما، وينتقل في الفصل الذي يليه إلى أخرى، هكذا إلى أن يعود إلى الشخصية نفسها بعد زمن طويل من السرد، ليكمل قصتها. وبعد اكتمال القصص يحكي في فصله الأخير "في أعقاب ما جرى"، عن رسمة رسمتها أم يوسف وقعت في يد ضابط أميركي تحت الأنقاض. "فيما كان الضابط ينقّل عينيه من لوحة إلى أخرى وقع بصره على مشهد شجرة ضخمة تحمل أغصانها كالثمار وجوه بدر وإسماعيل وأحلام وفاتن وجوني البحار وعلاوي (...) ورمزي ويوسف وجنان جاسم حلاوي وسلوى ونادية وزهور وآشتي وأوميد وسميرة وحسين، وإلى جانب الشجرة وقفت أم يوسف تنظر إلى المشاهد وتشير بريشتها إلى الوجوه وتحتها في خطّ صغير وضعت توقيعها، وبخط أكبر قليلاً كتبت عنوان لوحتها (أهل النخيل)”.

اللافت أن الكاتب وضع في اللوحة أسماء كل الشخصيات التي كتبها، حتى لو كان مرورها لا يتجاوز السطر الواحد في الرواية، ووضع إلى جوارها اسمه، كدلالة على أنه واحد من أهل النخيل، وأن روايته ما هي إلا كتابة ذاكرة أثقلته وأراد البوح بها.

يغوي حلاوي قارئه باللغة، يسحبه بعيداً بين تلافيفها، يبني شوارع وبيوتاً وأمكنة، يدخل إليها، ويصف قاطنيها ببطء، يمضي بك صفحاتٍ وهو يرصف الكلمات الآسرة، يكتب حدثاً صغيراً، تفصيلاً قد يبدو مهملاً وزائداً، ثم يعود إلى بحر اللغة. لا تدري إلا وقد انتقل بك إلى وصف مكانٍ آخر، قد يكون درباً  أو جبلاً أو بيتاً أو نهراً أو ساحة. يذكر لك أسماء النباتات فيه، أسماء الحيوانات التي تركض على جنباته، أسماء الطيور التي تحلق فوقه أو تبني أعشاشها فيه. معه، لا ينبغي أن تبحث عن حبكة أو حكاية مركزية، هو لا يريد قارئاً متعجلاً يبحث عنهما أصلاً، بل يريد قارئاً ينتشي باللغة، قارئاً يعجبه الإيقاع الناتج عن تتالي الكلمات. "في دهمة الليل الغابيّ يتناهى إلى المرء نباح كلاب متشردة، لا تجد ما تفعله في الأزقة والحواري المقفرة. تهيم على وجهها جائعة وذاوية، حتى إذا أصابها السأم مالت إلى الهدوء. يحلّ السكون حينئذ، يلفّ النخيل وأكواخ القصب والسواقي، سكونٌ خاص ينذر بالتيه والمجهول والغموض، يوشّح أعماقه الخفية صرير جنادب الليل ونقيق الضفادع: أصوات ملحاحة تتواصل على خلفية الظلام السائد مثل موسيقى تصويرية خافته لحدثٍ سيقع، قد لا يكون بذي بالٍ للعالم المتكبّر المغرور المشغول بسفاسفه".

هكذا، يقودك حلاوي لتستمتع معه بكل شيء. وينهي روايته مبقياً من أهل النخيل على عاشقين صغيرين يتحديان الموت، سيعيدان بعشقهما الحياةَ إلى أرض النخيل كما أعاد هو الحياة إليها في صفحات روايته.

جنان جاسم حلاوي، كاتب وصحافي عراقي، درس الهندسة الكهربائية في العراق. عضو اتحاد الكتّاب السويديين، يقيم حالياً في مدينة غوتنبرغ. صدرت له سبع مجموعات قصصية، وثلاث مجموعات شعرية، وكتاب في المقالات. "أهل النخيل" التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2016 هي روايته السابعة، بعد: "يا كوكتي"، "ليل البلاد" (ترجمت إلى الفرنسية)، "دروب وغبار"، "أماكن حارة"، "هواء قليل"، و"شوارع العالم".

الناشر: دار الساقي/ بيروت

عدد الصفحات: 383

الطبعة الأولى: 2015

يمكن شراء الرواية من موقع "نيل وفرات"

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي