"شهوة الترجمان"، شهوات تتناسل عنها الحكايات والأسئلة

"شهوة الترجمان"، شهوات تتناسل عنها الحكايات والأسئلة

يغوص شربل داغر في روايته الجديدة في عوالم الترجمة، محاولاً البحث عن إجابات عن أسئلة كثيرة تتعلق بعمل المترجم، ضمن قالب درامي من الحكايات التي تجري بين لبنان وفرنسا، والتي يرويها "جهاد" أستاذ الترجمة الأدبية الذي حصل على منحة لتمضية سنة في جامعة ستراسبورغ في فرنسا، حيث سيستكمل بحثه ويدرّس ثلاث ساعات أسبوعياً. 

يُخصص للشاب اللبناني مكتب بروفيسور فرنسي راحل كان يدرّس في الجامعة، وتبرع بمكتبته لها، وأثناء ترتيب المكتبة وتنظيفها بمساعدة طالبته "كريستين"، يعثر الترجمان على اعترافات مكتوبة بخط يد البروفيسور، تفيد أنه قتل أحدهم في غابة الأرز في لبنان عام 1961. "أنا الموقع أدناه، أقرّ وأعترف وأنا بكامل قواي العقلية تماماً، بأنني أقدمت على القتل ليلة السابع من أبريل في العام 1961، من دون سابق إصرار أو تعمد، المدعو الذي لا أعرف اسمه، على مبعدة بعض الأمتار من أحد المداخل المؤدية إلى غابة الأرز في شمال لبنان. أكتب هذا، إثر عودتي إلى باريس، في العاشر من الشهر نفسه، ومن السنة عينها، طالباً إجراء تحقيق عادل في الحادثة المشؤومة".

في الوقت عينه، يتورط الباحث في علاقة عاطفية مع "دانييلا" التي تقوده إلى فندقها وتمارس الجنس معه من دون أن يقوى على منعها، ثم تغادر في صبيحة اليوم التالي، من دون أن تترك ما يدل على شخصيتها، لكنه يبقى يفكر فيها ويبقى طيفها يزور أحلامه، قبل أن يفاجأ بعودتها للاعتذار منه طالبة منه قبول دعوتها لتمضية "ليالي الأنس في فيينا".

من دون أن يستطيع الرفض، يقبل بهذا العرض على أمل أن يكتشف الغموض المحيط بهذه المرأة، لكنه بدلاً من ذلك يكتشف ألغازاً جديدة، فرفيقته في الرحلة لديها ولع خاص باللوحات الفنية الدينية، وتعرف عنها الكثير، على ما يتبيّنه أثناء زياراتهما لمتاحف فيينا ومعارضها. "كيف أرفض اللقاء بدانييلا، أو دعوتها واستضافتها لي ستة أيام في فيينا، ثم أنقاد وراء ذلك مثل طفل مطيع أو مراهق مكبوت؟ ذلك أن غير أمر في حياتي، لا أختاره بنفسي، لا أقرره، بل أنساق إليه، من دون علمي (...) أيعود هذا إلى تربيتي العائلية أم يعود إلى كوني مترجماً؟ ألا أكون اخترت الترجمة إلا لكونها توافق هذا النوع من التربية أم أن هذه التربية هي التي قادتني إلى الترجمة؟".

يوظّف "داغر" معرفته العميقة بالفن واللوحة في روايته، هو الذي درس الفن وكتب عدة كتب في هذا المجال، فيصف في فقرات عديدة اللوحات وانطباعاته وآراءه النقدية عنها، ونتفاً من تاريخها وحياة مبدعيها، من دون أن يخل بالإمتاع الذي يفترض أن تحافظ عليه الرواية، فهو يعرف كيف يُدخل كل ذلك ضمن نسيج حبكة الرواية.

تنشأ علاقة ودودة بين الترجمان وبين فيرا ابنة البروفيسور الراحل، إذ تعتبره بمثابة فرد من الأسرة، بما أنه يعيش في مكتب والدها، ويعمل في مكتبته وبين كتبه ومخطوطاته، فتدعوه إلى مؤتمر خاص حول "الزواج للجميع"، قبل أن تفاجئه بأنها مثلية الجنس وستتزوج من صديقتها، داعيةً إياه إلى عرسها. كما تنشأ علاقة ودودة بينه وبين "فضيلة" المرأة التونسية التي تعمل في المطعم الجامعي الذي يأكل فيه، إذ تطلب منه أن يدرّس ابنتها، بينما يطلب منها أن تعلمه الطبخ، وبين دروس الأدب الفرنسي ودروس الطبخ، ستنمو شهوات الترجمان تجاهها، ويجد كلٌّ منهما نفسه منجذباً للآخر. لكن ثمة حكاية لفضيلة أيضاً، تكشفها صفحات الرواية وهي تكشف سر دانييلا الراهبة الهاربة من دير في ألمانيا، وسر طالبته كريستين الراغبة في ذكورته، ولكنها في الوقت نفسه مغرمة بصديقتها المعالجة النفسية، وسر البروفيسور القاتل وقصة العشق التي عاشها في قرية لبنانية مع راعية اسمها أليس، ظل يحبها من دون أن يجرؤ على العودة بسبب حادثة القتل تلك، وظلت هي محتفظة برسالة أرسلها لها من باريس في ما بعد، إلى أن أتى "جهاد" ليفكّ ألغاز تلك الجريمة فأعطته الرسالة واكتشفا معاً ما ظلَّ مخبئاً لسنوات طويلة.

"أتكون هذه شهوة الترجمان: ينقاد إليها، فلا يقودها، وتعرفه أكثر مما يعرفها؟"

يقتفي الكاتب أثر الفرنسي "أنطوان غالان" الذي كان أول من ترجم "ألف ليلة وليلة" إلى الفرنسية، إذ يكون هذا موضوع البحث الذي اقترحه الترجمان على دائرة الدراسات الشرقية حين قبلته للمنحة في فرنسا، هكذا يدخل في تفاصيل عملية الترجمة تلك، وينبش في خفاياها، محاولاً الإجابة عن أسئلة تتعلق بمدى الأمانة في الترجمة وإن كانت الترجمة هي مجرد نقل أم إعادة تأليف، مستعيناً بقراءة يوميات غالان نفسه، ومكلفاً كل طالب من طلابه بالبحث في موضوع من المواضيع المتعلقة بألف ليلة، كمخطوطاتها العديدة وصلاتها بالسرد العربي القديم، وأصولها الهندية أو الفارسية، وغيرها من المواضيع التي تتطرق إليها الرواية عن هذا الكتاب. غير أن الراوي ليس بعيداً أيضاً عن "ألف ليلة وليلة" إذ يبدو كشهريار، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة، إذ تقوم شهرزادات الرواية (دانييلا، أليس، فضيلة، كريستين) بقصّ حكاياتهن ويترجمها هو إلى كلام مكتوب.

تدور الرواية بين حكاياتها المتعددة، وتعود إلى الترجمان الضائع بين لغتين، بين عالمين، بين حالتين، إلى الإنسان المعذّب بأسئلته عن ذاته، عن هويته، عن معناه، عن ضعفه وضياعه، عما يريد وما لا يريد. ينقضّ الترجمان على نفسه بالأسئلة الوجودية التي لا ينفك يطرحها على نفسه، محاولاً البحث في داخله، لمعرفة أناه، وحقيقته، ومعنى شهوته: "أتكون هذه شهوة الترجمان: ما يتحسسه الغير فيه؟"، "أتكون هذه شهوة الترجمان: ينقاد إليها، فلا يقودها، وتعرفه أكثر مما يعرفها؟"...

شربل داغر، كاتب لبناني من مواليد العام 1950، حاصل على شهادتي دكتوراه، الأولى في الآداب العربية الحديثة، والثانية في جمالية الفنون. عمل في الصحافة العربية والفرنسية، ويعمل حالياً أستاذاً للأدب العربي في جامعة البلمند. له مؤلفات في الشعر والرواية والنقد الأدبي والتاريخ والفن، كما ترجم عدداً من الكتب الشعرية والروائية إلى اللغة العربية. من مؤلفاته في الفن: "العين واللوحة"، "الفن والشرق"، "الحروفية العربية"، ومن مؤلفاته الشعرية: "فتات البياض"، "حاطب ليل"، "القصيدة لمن يشتهيها"، "على طرف لساني". وصدر له ثلاث روايات: "وصية هابيل"، "بدل عن ضائع"، و"شهوة الترجمان".

الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - بيروت

عدد الصفحات: 350  

الطبعة الأولى: 2015

يمكن شراء الرواية من موقع نيل وفرات، ومن متجر جملون.

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
رواية لبنان

التعليقات

المقال التالي