صداقة خفية ومنافسة علنية: علاقة عبد الوهاب بفريد الأطرش

صداقة خفية ومنافسة علنية: علاقة عبد الوهاب بفريد الأطرش

علاقة محمد عبد الوهاب بفريد الأطرش ثرية وزاخرة بالحكايات والوقائع، التي تحولت بمرور الزمن، وبتعدد ناقليها من موسيقيين وصحافيين وأصدقاء مشتركين بينهما، إلى علاقة غامضة تحتمل جميع المعاني والجوانب،  بداية من الصداقة والود بينهما إلى الغيرة والصراع والمنافسة بين الاسمين الكبيرين في الموسيقى العربية.

الغيرة والمنافسة بين الاثنين كانتا حاضرتين طوال الوقت، رغم عدم تورط أحد منهما في الهجوم على الآخر، أو التقليل من شأنه، إلا أن بعض الوقائع والنقاط المشتركة بين المدرستين جعلت كثيراً من الناس يشيرون إلى أن هناك صراعاً كبيراً بينهما. نذكر مثلاً علاقتهما بأم كلثوم، وأهمية دوريهما في تجديد الموسيقى الشرقية، التي كانت حينذاك مقتصرة على قدرة كل منهما في استخدام وتوظيف "التانغو" في موسيقاه، والتي اختلف حولها الموسيقيون: من سبق الآخر في استخدام ذلك اللون والإيقاع؟

اعلان


علاقة عبد الوهاب بفريد الأطرش

تانغو فريد وعبد الوهاب

إيقاع التانغو اللاتيني كان من أحدث الأنماط الموسيقية في ذلك العصر، لجاذبيته وملائمته لثورة السينما الغنائية في نهاية الثلاثينيات، وكان عبد الوهاب وفريد من روادها. فقدم عبد الوهاب نفسه عام 1936 بأنه أول من يدخل ذلك الإيقاع في الموسيقى الشرقية، من خلال أغنية "سهرت منه الليالي" في فيلم "دموع الحب"، بينما ذكر بعض الموسيقيين، مثل محمود الشريف، الذي زامل فريد الأطرش في فترة صعوده في كازينو "بديعة مصابني"، أن فريد هو أول من استخدم ونقل ذلك الإيقاع، لكن أعماله لم تسلط عليها الأضواء وقتذاك. وتبقى أغنية "يا زهرة في خيالي" عام 1947 من فيلم "حبيب العمر"، هي أول أغنية رسمية بإيقاع التانغو لفريد الأطرش.

وبخلاف محاولة كل منهما إثبات أسبقيته في ذلك المجال، تفرغ النقاد في عقد المقارنات بين محاولة الاثنين تجديد الموسيقى العربية، من خلال ذلك الإيقاع اللاتيني أو إيقاع "الرومبا". ومن أشهر الآراء التي حاولت تلخيص مساهمة كل منهما في ذلك المجال، رأي رتيبة الحنفي، رئيسة دار الأوبرا المصرية الراحلة، التي قالت: "عبدالوهاب كان يطوع الموسيقى العربية للغناء الغربي، وفريد يطوع الموسيقى الغربية للغناء العربي".

أقوال جاهزة

شارك غردفريد الأطرش ومحمد عبدالوهاب: علاقة صداقة أم عداء؟

شارك غردعبد الوهاب يجيب عن السؤال الغامض: لماذا لم يلحن فريد الأطرش لأم كلثوم

والغريب أن الصحافة الفنية في تلك الفترة كانت تصب هجومها على عبد الوهاب، وتتهمه بالسرقة، وتنسب الفضل إلى فريد في تعريف الجمهور بتلك الاتجاهات الموسيقية الجديدة. حتى أن البعض لمح إلى أن تلك الحملات الصحفية والنقدية كانت بمشاركة فريد نفسه، الذي كان يعتبر نفسه مسؤولاً عن الموسيقى الشرقية، والممثل الوحيد لاتجاه التجديد فيها. حدث ذلك بعد نشر مقال في "المجلة الموسيقية"، في فبراير عام 1936، عقب عرض فيلم "دموع الحب" لعبد الوهاب، تحت اسم مستعار هو "علم من أعلام الموسيقى"، هاجم فيه أغاني عبد الوهاب في الفيلم، واتهمه بسرقة جمل موسيقية من "الرومبا" و"التانغو" من موسيقيين أوروبيين. وسبب ربط البعض بين كاتب المقال وفريد الأطرش، هو أنه الوحيد الذي كان مطلعاً بدرجة كبيرة على ما ينتج في الخارج في ذلك الاتجاه، وطريقة النقد تشير إلى أنها صادرة من مؤلف موسيقي مهتم بذلك اللون الغنائي.

علاقتهما بأم كلثوم

العمل مع أم كلثوم كان النقطة الوحيدة التي حسمها عبد الوهاب لمصلحته في المقارنة مع فريد، ولم يتركها للمناقشة. فبقي فريد بعيداً عن العمل معها، رغم رغبته في ذلك طوال حياته. وكان يعتبرها هدف حياته المهنية، وحاول تحقيق ذلك الهدف بشتى الطرق، حتى أنه اتهم أحد المنافسين له من الموسيقيين بأنه السبب في عدم تعاونها معه، وقد اعتبر البعض أن في هذا الاتهام إشارة إلى عبد الوهاب. وحين قطع الأمل، قضى الفترة الأخيرة في حياته مهاجماً أعمال أم كلثوم الجديدة، أو التي جاءت بعد "الأطلال". وقال إنه يستطيع أن يقدم لها أفضل من ذلك بكثير، لكنها ترفض لأنها تكرهه وتكره شقيقته أسمهان، واعترف أنه قلل من كرامته الفنية وتنازل من أجل ذلك الهدف.

ولمحمد عبدالوهاب شهادة عن سر رفض أم كلثوم التعاون مع فريد الأطرش، فقال في إحدى أحاديثه الصحفية: "المشاريع بينهما كانت كثيرة والأحلام أكثر، ولكن لا شيء تحقق، ففريد كان موهوباً وواثقاً من نفسه، واللحن لا يستغرق أكثر من دقائق معدودة في يديه، ولا يدخل على لحنه أي تعديل، لا مناقشة ولا تراجع. ولكن أم كلثوم هي المناقشة بعينها، هي الدقة والوسوسة. فريد لا تغيير وأم كلثوم تغيير وتغيير وتغيير...". وفي حديث آخر وجهه مباشرة لفريد قال له: "يا فريد طباعك غير طباع أم كلثوم، لا بد أن يتنازل واحد منكما عن طباعه".

احترام متبادل بين المدرستين

الشيء الوحيد المثبت في علاقة الاثنين هو إعجاب كل منهما بمدرسة الآخر الفنية، واحترامها. فكان فريد الأطرش شديد الإعجاب بأعمال عبدالوهاب، خصوصاً لحنا "أنت عمري" و"ست الحبايب"، اللذان تمنى أن يكونا من ألحانه. بينما كان عبد الوهاب يرى أن فريد هو الأكثر موهبة وثقة في فنه. وقال عنه مرة: "فريد مغنٍ خطير، صوته دامع، يلحن لنفسه ألحاناً باكية، بينما يلحن للآخرين ألحاناً ملأى بالطرب وخفة الظل والمرح، وفريد صاحب مدرسة بلا تلاميذ، وأعطى الموسيقى الشرقية ما لم يعطها أي ملحن آخر معاصر له".

من بين القصص الشهيرة التي تروى عن مدى إعجاب عبد الوهاب بألحان فريد، شهادة بليغ حمدي عن رغبة عبد الوهاب في الحصول على تنازل من فريد للحن أغنية "أنا واللي بحبه"، مقابل 10 أغان من ألحان عبد الوهاب.

ورغم أن فريد كان يتحاشى إبداء رأي سلبي في أعمال عبد الوهاب، فقد تخلى عبد الوهاب أحياناً عن دبلوماسيته المعهودة، وانتقد بعض جوانب أسلوب فريد الفني، مثل طريقه نطقه حرفي الحاء والخاء، وأسلوب حياته وتعلقه بـ"القمار" في فترة من حياته، وتحدث عن محاولاته للتجديد قائلا: "فريد بدأ حياته مجدداً وانتهى محافظاً، وأنا اخترت عكس ذلك، وفضلت أن أبدأ فنياً من الموجود لكي أحاول بعد ذلك السعي إلى تطويره".

توافقات واختلافات شخصية

شخصية فريد الأطرش وطبيعتها دفعتا الكثيرين إلى توريطه في خلاف مع عبد الوهاب، فكان فريد يشعر بالاضطهاد والظلم، ويتأثر بكل ما يقال له، حتى أن عبد الوهاب نصحه ذات مرة بالابتعاد عن الثرثارين الذين يسعون إلى إفساد علاقتهما، مستغلين صراحة فريد في إعطاء رأيه في كل أعمال زملائه، بينما كان عبد الوهاب دبلوماسياً ومجاملاً لأقصى درجة، ولا يهتم بما ينشر عنه. أما فريد فيتأثر بأقل رأي أو كلمة تكتب في حقه، ويتهم دائماً الصحافة والإذاعة بالتعنت ضده، رغم أنه لم يتعرض لحملات صحفية مثل التي تعرض لها عبد الوهاب.

علاقة عبد الوهاب بفريد الأطرش

علاقة عبد الوهاب بفريد مبنية على علاقة صداقة قديمة وقوية، فكان عبد الوهاب يعتبر فريد مستشاره الفني، يأخذ رأيه في ألحانه، وكان دائم التردد إلى منزله من أجل ذلك. حتى أنه كان يذهب تلقائياً إلى منزل فريد لسماع رأيه بعد كل حفلة لأم كلثوم غنت فيها من ألحانه. وقال له بعد أغنية "أنت عمري": "رأي فريد له الأولوية عندي، لأنه صريح جداً ولا ينافق"، وقال أيضاً: "خلال السنوات الأخيرة من حياة فريد، توطدت صداقتنا إلى أقصى درجة ممكنة، كان الصديق الذي لا يعوض، كان الوفاء كله والطيبة كلها". وقد زخرت مذكرات فريد بالعديد من المواقف الحميمية التي جمعته بعبد الوهاب، أهمها تدخله الشخصي لإصدار قرار قضى بعلاج فريد على نفقة الدولة في لندن عام 1966.

التعليقات

المقال التالي